

تأملات قرآنية

مصطلحات قرآنية

هل تعلم


علوم القرآن

أسباب النزول


التفسير والمفسرون


التفسير

مفهوم التفسير

التفسير الموضوعي

التأويل


مناهج التفسير

منهج تفسير القرآن بالقرآن

منهج التفسير الفقهي

منهج التفسير الأثري أو الروائي

منهج التفسير الإجتهادي

منهج التفسير الأدبي

منهج التفسير اللغوي

منهج التفسير العرفاني

منهج التفسير بالرأي

منهج التفسير العلمي

مواضيع عامة في المناهج


التفاسير وتراجم مفسريها

التفاسير

تراجم المفسرين


القراء والقراءات

القرآء

رأي المفسرين في القراءات

تحليل النص القرآني

أحكام التلاوة


تاريخ القرآن

جمع وتدوين القرآن

التحريف ونفيه عن القرآن

نزول القرآن

الناسخ والمنسوخ

المحكم والمتشابه

المكي والمدني

الأمثال في القرآن

فضائل السور

مواضيع عامة في علوم القرآن

فضائل اهل البيت القرآنية

الشفاء في القرآن

رسم وحركات القرآن

القسم في القرآن

اشباه ونظائر

آداب قراءة القرآن


الإعجاز القرآني

الوحي القرآني

الصرفة وموضوعاتها

الإعجاز الغيبي

الإعجاز العلمي والطبيعي

الإعجاز البلاغي والبياني

الإعجاز العددي

مواضيع إعجازية عامة


قصص قرآنية


قصص الأنبياء

قصة النبي ابراهيم وقومه

قصة النبي إدريس وقومه

قصة النبي اسماعيل

قصة النبي ذو الكفل

قصة النبي لوط وقومه

قصة النبي موسى وهارون وقومهم

قصة النبي داوود وقومه

قصة النبي زكريا وابنه يحيى

قصة النبي شعيب وقومه

قصة النبي سليمان وقومه

قصة النبي صالح وقومه

قصة النبي نوح وقومه

قصة النبي هود وقومه

قصة النبي إسحاق ويعقوب ويوسف

قصة النبي يونس وقومه

قصة النبي إلياس واليسع

قصة ذي القرنين وقصص أخرى

قصة نبي الله آدم

قصة نبي الله عيسى وقومه

قصة النبي أيوب وقومه

قصة النبي محمد صلى الله عليه وآله


سيرة النبي والائمة

سيرة الإمام المهدي ـ عليه السلام

سيرة الامام علي ـ عليه السلام

سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله

مواضيع عامة في سيرة النبي والأئمة


حضارات

مقالات عامة من التاريخ الإسلامي

العصر الجاهلي قبل الإسلام

اليهود

مواضيع عامة في القصص القرآنية


العقائد في القرآن


أصول

التوحيد

النبوة

العدل

الامامة

المعاد

سؤال وجواب

شبهات وردود

فرق واديان ومذاهب

الشفاعة والتوسل

مقالات عقائدية عامة

قضايا أخلاقية في القرآن الكريم

قضايا إجتماعية في القرآن الكريم

مقالات قرآنية


التفسير الجامع


حرف الألف

سورة آل عمران

سورة الأنعام

سورة الأعراف

سورة الأنفال

سورة إبراهيم

سورة الإسراء

سورة الأنبياء

سورة الأحزاب

سورة الأحقاف

سورة الإنسان

سورة الانفطار

سورة الإنشقاق

سورة الأعلى

سورة الإخلاص


حرف الباء

سورة البقرة

سورة البروج

سورة البلد

سورة البينة


حرف التاء

سورة التوبة

سورة التغابن

سورة التحريم

سورة التكوير

سورة التين

سورة التكاثر


حرف الجيم

سورة الجاثية

سورة الجمعة

سورة الجن


حرف الحاء

سورة الحجر

سورة الحج

سورة الحديد

سورة الحشر

سورة الحاقة

الحجرات


حرف الدال

سورة الدخان


حرف الذال

سورة الذاريات


حرف الراء

سورة الرعد

سورة الروم

سورة الرحمن


حرف الزاي

سورة الزمر

سورة الزخرف

سورة الزلزلة


حرف السين

سورة السجدة

سورة سبأ


حرف الشين

سورة الشعراء

سورة الشورى

سورة الشمس

سورة الشرح


حرف الصاد

سورة الصافات

سورة ص

سورة الصف


حرف الضاد

سورة الضحى


حرف الطاء

سورة طه

سورة الطور

سورة الطلاق

سورة الطارق


حرف العين

سورة العنكبوت

سورة عبس

سورة العلق

سورة العاديات

سورة العصر


حرف الغين

سورة غافر

سورة الغاشية


حرف الفاء

سورة الفاتحة

سورة الفرقان

سورة فاطر

سورة فصلت

سورة الفتح

سورة الفجر

سورة الفيل

سورة الفلق


حرف القاف

سورة القصص

سورة ق

سورة القمر

سورة القلم

سورة القيامة

سورة القدر

سورة القارعة

سورة قريش


حرف الكاف

سورة الكهف

سورة الكوثر

سورة الكافرون


حرف اللام

سورة لقمان

سورة الليل


حرف الميم

سورة المائدة

سورة مريم

سورة المؤمنين

سورة محمد

سورة المجادلة

سورة الممتحنة

سورة المنافقين

سورة المُلك

سورة المعارج

سورة المزمل

سورة المدثر

سورة المرسلات

سورة المطففين

سورة الماعون

سورة المسد


حرف النون

سورة النساء

سورة النحل

سورة النور

سورة النمل

سورة النجم

سورة نوح

سورة النبأ

سورة النازعات

سورة النصر

سورة الناس


حرف الهاء

سورة هود

سورة الهمزة


حرف الواو

سورة الواقعة


حرف الياء

سورة يونس

سورة يوسف

سورة يس


آيات الأحكام

العبادات

المعاملات
وفاة أبي ذرّ الغفاريّ غريباً وحيداً بالربذة بعد أن نفاه عثمان إليها
المؤلف:
السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ
المصدر:
معرفة الإمام
الجزء والصفحة:
ج10، ص199-212
2026-02-26
26
كان أبو ذرّ الغِفَاريّ (جُندُبُ بنُ جُنَادَة) تخلّف عن رسول الله ثلاثة أيّام، وذلك أنّ جَمَلَه كان أعجف (و كان يقوّيه بالطعام والعلف تلك الأيّام. ثمّ جاء راكباً عليه مسافة، وأخيراً عجز الجمل عن المسير في منتصف الطريق) فتركه أبو ذرّ وحمل ثيابه على كتفه، وشدّ أثقاله على ظهره، (و سار وحده ليلحق برسول الله).
ولمّا ارتفع النهار، نظر المسلمون إلى شخص مقبل، فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: كان أبو ذرّ. فقالوا: هو أبو ذرّ رحمه الله.
قال رسول الله: أدركوه بالماء فإنّه عطشان! فأدركوه بالماء. ووافى أبو ذرّ رسول الله ومعه إدَاوَة[1] فيها ماء.
فقال رسول الله: يا أبا ذرّ! معك ماء وعطشت؟!
فقال: نعم يا رسول الله! بأبي أنت وامِّي انتهيت إلى صخرة وعليها ماء السماء فذقته، فإذا هو عذب بارد فقلتُ: لا أشربه حتّى يشربه حبيبي رسول الله. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ: رَحِمَكَ اللهُ! تَعِيشُ وَحْدَكَ، وتَمُوتُ وَحْدَكَ وتُبْعَثُ وَحْدَكَ، وتَدْخُلُ الجَنَّةَ وَحْدَكَ! يَسْعَدُ بِكَ قَوْمٌ مِنْ أهْلِ العِرَاقِ يَتَوَلَّوْنَ غُسْلَكَ وتَجْهِيزَكَ ودَفْنَكَ[2]!
ولمّا نفاه عثمان إلى الربذة[3]، مات بها ابنه ذرّ. فوقف أبو ذرّ على قبره فقال: رَحِمَكَ اللهُ يَا ذَرُّ، لَقَدْ كُنْتَ كَريِمَ الخُلْقِ بَارَّاً بِالوَالِدَينِ! ومَا عَلَيّ في مَوْتِكَ مِنْ غَضَاضَةٍ؛ ومَا لي إلى غَيْرِ اللهِ مِنْ حَاجَةٍ؛ وقَدْ شَغَلَنِي الاهْتِمَامُ لَكَ عَنِ الاغْتِمَامِ بِكَ! لَوْ لا هَوْلُ المُطَّلَعِ لأحْبَبْتُ أنْ أكُونَ مَكَانَكَ! فَلَيْتَ شِعْرِي مَا قَالُوا لَكَ؟ ومَا قُلْتَ لَهُمْ؟
ثُمَّ قَالَ: اللَهُمَّ إنَّكَ فَرَضْتَ لَكَ عَلَيهِ حَقَّاً وفَرَضْتَ لي عَلَيْهِ حُقُوقَاً فَإنِّي قَدْ وَهَبْتُ لَهُ مَا فَرَضْتَ لي عَلَيْهِ مِنَ الحُقُوقِ فَهَبْ لَهُ مَا فَرَضْتَ عَلَيْهِ مِنْ حُقُوقِكَ! فَإنَّكَ أوْلَى بَالحَقِّ والكَرَمِ مِنِّي!
وكانت لأبي ذرّ غنيمات يعيش هو وعياله منها، فأصابها داء يقال له: النُّقار[4]، فماتت كلّها. فأصاب أبا ذرّ وابنته الفقر والعسر والجوع الشديد فماتت أهله.
قالت ابنته: يا أبتِ! أصابنا الجوع، وبقينا ثلاثة أيّام لم نأكل شيئاً!
قال أبو ذرّ: يا بنيّة! قومي بنا إلى الرمل نطلب القَتّ[5] (و هو نبت له حبّ) فصرنا إلى الرمل، فلم نجد شيئاً.
قالت البنت: فجمع أبي رملًا، ووضع رأسه عليه، ورأيت عينه قد انقلبت. فبكيت وقلت له: يا أبت! كيف أصنع بك، وأنا وحيدة؟
فقال أبي: يا بنيّتي! لا تخافي، فإنّي إذا متّ جاءك مِن أهل العراق مَن يكفيك أمري. فإنّه أخبرني حبيبي رسول الله في غزوة تبوك، فقال: يا أبا ذرّ! تعيش وحدك، وتموت وحدك، وتبعث وحدك، وتدخل الجنّة وحدك! يسعد بك أقوام من أهل العراق، يتولّون غسلك وتجهيزك ودفنك! فإذا أنا متُّ فمدّي الكساء على وجهي، ثمّ اقعدي على طريق العراق؛ فإذا أقبل ركب، فقومي إليهم وقولي: هذا أبو ذرّ صاحب رسول الله قد توفّي.
قال الراوي: فدخل إليه قوم من أهل الربذة فقالوا: يا أبا ذرّ ما تشتكي؟
قال: ذنوبي! قالوا: فما تشتهي؟ قال: رحمة ربّي! قالوا: فهل لك بطبيب؟! قال: الطبيب أمرضني.
قالت ابنته: لمّا عاين أبي الموت، سمعته يقول: مرحباً بحبيب أتى على فاقة. لا أفلح من ندم. اللهمّ خنّقني خناقك، فوحقك إنّك لتعلم أنّي احبّ لقاءك.
قالت ابنته: فلمّا مات، مددت الكساء على وجهه، ثمّ قعدت على طريق العراق. فجاء نفر، فقلت لهم: يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ! هذا أبو ذرّ صاحب رسول الله قد توفي.
فنزلوا ومشوا يبكون فجاؤوا، فغسّلوه، وكفّنوه، ودفنوه. وكان فيهم مَالِكُ الأشْتَرِ النَّخَعِيّ. روي أنّه قال: دفنته في حلّة كانت معي قيمتها أربعة آلاف درهم[6].
قالت ابنته: كنت اصلّي بصلاته، وأصوم بصيامه فبينما أنا ذات ليلة نائمة عند قبره، إذ سمعته يتهجّد بالقرآن في نومي كما كان يتهجّد به في حياته[7]. فقلت: يا أبه! ما ذا فعل بك ربّك؟!
فَقَالَ: يَا بُنَيَّةُ! قَدِمْتُ عَلَى رَبٍّ كَريِمٍ؛ رَضِيَ عَنِّي ورَضِيتُ عَنْهُ وأكْرَمَنِي وحَبَانِي فَاعْمَلِي ولَا تُغَرِّي[8].
وروى كبار الخاصّة والعامّة في كتبهم لقاء أبي ذرّ لرسول الله في غزوة تبوك. وإخبار النبيّ باستشهاده وموته غريباً، وتجهيزه، وتكفينه من قبل جماعة من أهل العراق.[9]
وكان أبو ذرّ الغفاريّ من أعاظم صحابة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم. وقيل: ليس كمثله ومثل سلمان والمقداد بن الأسود الكنديّ أحد في الفقه والفضل[10].
[1] الإداوة إناء صغير من جلد يصبّون فيه الماء، و جمعها أداوي.
[2] «بحار الأنوار» ج 6، ص 625، عن «تفسير القمّيّ»؛ و «الكامل في التاريخ» ج 2، ص 280؛ و «أعيان الشيعة» ج 2، ص 198 الطبعة الرابعة؛ و «سيرة ابن هشام» ج 4، ص 950 و 951.
[3] لا خلاف بين المؤرّخين في نفي أبي ذرّ إلى الربذة. و ذكر ابن أبي الحديد ذلك في شرحه، طبعة دار الإحياء تحت الرقم 128: و من كلامه عليه السلام لأبي ذرّ الغفاريّ، ج 8، ص 252 إلى 262.
[4] نُقَار كغُراب، داء الماشية كالطاعون.
[5] القَتّ حبّ بّريّ يأكله أهل البادية بعد دقّه و طبخه.
[6] ذكر أبو نعيم وفاة أبي ذرّ الغفاريّ و تكفينه في «حلية الأولياء» ج 1، ص 169 و 170 بتفصيل آخر.
[7] التهجّد بالقرآن هو قراءته في سور صلاة الليل. فقد كانوا ينامون و يستيقظون. و إذا ما استيقظوا فإنّهم يصلّون عدداً من الركعات. و كانوا يتلون فيها بعد الفاتحة شيئاً من القرآن بصوت عالٍ جميل. ثمّ ينامون، و يستيقظون ثانية فيتلون القرآن في ركعات الصلاة على نفس الوتيرة حتّى تتمّ إحدى عشرة ركعة و هي صلاة الليل. و كان رسول الله وأصحابه الأبرار و الأئمّة الطاهرون عليهم السلام يتلون القرآن ليلًا على الكيفيّة المذكورة. و إنّه لمشهد أخّاذ عجيب حقّاً. و الآيات الواردة في سورة المزمّل تأمر بقراءة القرآن ليلًا بنفس الطريقة. رزقنا الله إن شاء الله و جميع إخواننا المؤمنين بالتأسّي بنبيّه الأكرم فإنّه اسْوَةٌ حَسَنَة. وَ مِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عسى أن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً محْمُوداً. (الشفاعة الكبرى). (الآية 79، من السورة 17: الإسراء).
[8] «تفسير عليّ بن إبراهيم» ص 270 و 271؛ و ذكرها المجلسيّ في «بحار الأنوار» ج 6، ص 776 و 777 طبعة الكمبانيّ، و أورد تخلّف أبي ذرّ في ص 624 منه. و نقل هذه القصّة مفصّلًا أيضاً في أوائل كتابه «عين الحياة»؛ و «تفسير الميزان» ج 9، ص 315.
[9] «المغازي» للواقديّ، ج 3، ص 1000 و 1001. و ذكر الواقديّ أنّ ابن مسعود و جماعة من أهل العراق تولّوا غسله؛ و «السيرة الحلبيّة» ج 3، ص 153 إلى 155؛ و «اسد الغابة» ج 1، ص 302؛ و روى ابن عبد البرّ في «الاستيعاب» ج 1، ص 252 إلى 256 إسلام أبي ذرّ و وفاته مفصّلًا و قال: إنّ الذين قدموا من الكوفة كانوا عبد الله بن مسعود مع عدد من فضلاء أصحابه كحُجر بن أدْبر، و مالك بن الحارث الأشتر، و فتى من الأنصار؛ و «البداية و النهاية» ج 5، ص 8؛ و «الكامل في التاريخ» ج 2، ص 280؛ و «سيرة ابن هشام» ج 4، ص 951.
[10] قال المجلسيّ رضوان الله عليه في كتاب «عين الحياة» ص 2: «أبو ذرّ الغفاريّ من قبيلة غِفار، اسمه جُنْدُب بن جُنَادة. و ما يستفاد من أخبار الخاصّة و العامّة هو أنّ أحداً من الصحابة لم يبلغ درجة سلمان الفارسيّ، و أبي ذرّ الغفاريّ، و المقداد بن الأسود الكنديّ في جلالة قدرهم و عظم شأنهم بعد المعصومين صلوات الله عليهم»،. و قال في ص 5 و 6: نقل أرباب السير المعتمدة أنّ أبا ذرّ توجّه إلى الشام في أيّام عمر، و أقام هناك حتّى زمان عثمان. و لمّا بلغته قبائح عثمان، بخاصّة إهانته و ضربه عمّار بن ياسر، طفق يطعن في عثمان و يذمّه، و كان يشهّر به قادحاً فيه، و يتحدّث في قبائح أعماله. و عند ما كان يشاهد ممارسات معاوية الشنيعة، كان يوبّخه و يقرّعه. و يحثّ الناس على الانقياد لولاية الخليفة بالحقّ أمير المؤمنين عليه السلام، و يعدّد مناقبه لأهل الشام. و رغّب كثيراً منهم في التشيّع. و المشهور أنّ الشيعة في الشام و جبل عامل الآن هم من بركات أبي ذرّ. و كتب معاوية إلى عثمان ينبّئه بحقيقة الحال و يعلمه أنّه لو بقي في هذه البلدة أيّاماً اخرى، فإنّه سيزهّد الناس في عثمان فيرغبوا عنه. فأجابه عثمان أن إذا وصلك كتابي فاحمل أبا ذرّ على مركب صعب، و أشخص معه دليلًا فظّاً يسوق مركبه ليلًا و نهاراً، حتّى يغلبه النوم فينسى ذكري و ذكرك. ولمّا وصل الكتاب إلى معاوية، دعا أبا ذرّ، و أجلسه على سنام بعير صعب بلا عظاء وأوكل به رجلًا فظّاً عنيفاً. و كان أبو ذرّ طويلًا نحيفاً. و قد أخذ الشيب منه مأخذه يومئذٍ، و ابيضّ شعر رأسه و وجهه، و ضعف كثيراً. و ساقه الدليل بعنف، و ليس على البعير رحل. و تقرّحت فخذاه من سير البعير سيراً صعباً بغيضاً، و تساقط لحمه و دخل المدينة مرهقاً متعباً مغموماً. و عند ما أتوا به إلى عثمان، و نظر إليه ذلك الملعون، قال له: لا قرّت عين برؤيتك يا جُنْدُب! قال أبو ذرّ: سمّاني أبي جُنْدُباً. و سمّاني المصطفي صلّى الله عليه و آله و سلّم عبد الله! قال عثمان: تزعم أنّك مسلم، وتقول عنّا: إنّ الله فقير و نحن أغنياء. متى قلتُ هذا؟! قال أبو ذرّ: لم أقل هذا؛ و لكنّي أشهد أنّي سمعت رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم قال: إذا بلغ آل أبي العاص ثلاثين رجلًا، اتّخذوا مال الله دولًا، و عباده خولًا، و دين الله تعالى دغلًا؛ ثمّ يخلّص الله تعالى منهم عباده انتهى موضع حاجتنا من كلام العلّامة المجلسيّ رضوان الله عليه. ولا بدّ أن نعرف أنّ رجال العامّة من أصحاب التصانيف و التراجم لم يدّخروا وسعاً في بيان منزلة أبي ذرّ و مكانته. و أجمعوا على أنّه كان في الدرجة الاولى بين الصحابة من حيث سبقه إلى الإسلام و تقدّمه في الفقه و القرآن و زهده و صدقه و صراحة لهجته و وقوفه أمام الكفر و النفاق و الانتهاك. و أنّه كان من حواريّي مولى الموالي أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، و شيعته الحقيقيّين المخلصين و أتباعه الثابتين و أنصاره المتفانين المتأهّبين. وترجم له ابن عبد البرّ في «الاستيعاب» ج 1، ص 252 إلى 256، و ابن الأثير الجزريّ في بابين من كتابه: «اسد الغابة»، الأوّل: باب الكنى، ج 5، ص 186 إلى 188، و الآخر: باب الأسماء، ج 1، ص 301 و 303. كما ترجم له برهان الدين الحلبيّ الشافعيّ في «السيرة الحلبيّة» ج 3، ص 154 و 155. و قال هؤلاء في ترجمته: كان أبو ذرّ من الأقدمين في الإسلام. و هو رابع أو خامس من أسلم. و لمّا سمع بخبر رسول الله، لم يكن في مكّة يومئذٍ، بل كان في بلدته في طائفة بني غِفار. فأسرع إليها بمجرّد سماعه الخبر، و تشرّف بالمثول بين يدي رسول الله، و أسلم. و بعد أن ذكروا نفيه إلى الربذة من قبل عثمان و موته هناك غريباً وحيداً، قالوا: روى عنه جمع من الصحابة. و كان من أوعية العلم المبرّزين في الزهد، والورع، والقول بالحقّ. سئل عليّ عليه السلام عنه، فقال: ذَلِكَ رَجُلٌ وَعَى عِلْمَاً عَجَزَ عَنْهُ النَّاسُ ثُمَّ أوْكَأ عَلَيْهِ وَ لَمْ يُخْرِجْ شَيْئاً مِنْهُ. وروى عن رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم أنّه قال: أبُو ذَرٍّ في امَّتِي شَبيِهُ عيسى ابْنِ مَرْيَمَ في زُهْدِهِ. وأخرج بعضهم عن رسول الله أنّه قال: مَنْ سَرَّهُ أنْ يَنْظُرَ إلى تَوَاضُعِ عيسى ابْنِ مَرْيَمَ فَلْيَنْظُرْ إلى أبي ذَرٍّ. ورُوي في حديث و رقاء و غيره عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أنّه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم: مَا أظَلَّتِ الخَضْرَاءُ وَ لَا أقَلَّتِ الغَبْرَاءُ مِنْ ذي لَهْجَةٍ أصْدَقَ مِنْ أبي ذَرٍّ. وروي هذا الكلام أيضاً من حديث أبي الدرداء. وروى إبراهيم التيميّ، عن أبيه، عن أبي ذرٍّ أنّه قال: كَانَ قُوتِي على عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَ سَلَّمَ صَاعاً مِنْ تَمْرٍ؛ فَلَسْتُ بِزَائِدٍ عَلَيْهِ حتّى ألْقَى اللهَ تعالى. وحدّث الأعمش، عن شمر بن عطيّة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غَنْم، قال كنت عند أبي الدرداء فجاءه رجل (وهو عثمان) من المدينة. فسأله أبو الدرداء: أيْنَ تَرَكْتَ أبَا ذَرٍّ؟! فقال: إلى الربذة. فقال أبو الدرداء: إنَّا لِلَّهِ وَ إنَّا إلَيهِ رَاجِعُونَ. لَوْ أنَّ أبَا ذَرٍّ قَطَعَ مِنِّي عُضْوَاً لَمَا هِجْتُهُ لِمَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِيهِ انتهى ملخّصاً ما ذكرناه من عبارة «الاستيعاب» نصّاً. وقال ابن الجزريّ في «اسد الغابة» ج 1، ص 301: كان أبو ذرّ أوّل من حيّا رسول الله بتحيّة الإسلام. و قال في ج 5، ص 187: و توفي سنة إحدى و ثلاثين أو اثنتين و ثلاثين من الهجرة بالربذة. و صلّى الله عليه عبد الله بن مسعود. وجاء في «تفسير عليّ بن إبراهيم» في تفسير الآية:{وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَ لا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَ أَنْتُمْ تَشْهَدُونَ} و الآية التي بعدها. و هما الآيتان 84 و 85، من السورة 2: البقرة: نزلت في أبي ذرّ رحمة الله عليه و عثمان بن عفّان، و كان سبب ذلك لمّا أمر عثمان بنفي أبي ذرّ إلى الربذة، دخل عليه أبو ذرّ، و كان عليلًا متوكّئاً على عصاه، وبين يدي عثمان مائة ألف درهم قد حملت إليه من بعض النواحي، وأصحابه حوله ينظرون إليه، و يطمعون أن يقسمها فيهم.ىفقال أبو ذرّ: ما هذا المال؟ فقال عثمان: مائة ألف درهم حملت إليّ من بعض النواحي، اريد أضمّ إليها مثلها، ثمّ أرى فيها رأيي. فقال أبو ذرّ: يا عثمان! أيّما أكثر مائة ألف درهم أو أربعة دنانير؟! فقال عثمان: بل مائة ألف درهم! قال أبو ذرّ: أما تذكر أنا و أنت و قد دخلنا على رسول الله عشيّاً فرأيناه كئيباً حزيناً، فسلّمنا عليه، فلم يردّ علينا السلام. فلمّا أصبحنا أتيناه، فرأيناه ضاحكاً مستبشراً، فقلنا له: بآبائنا و امّهاتنا! دخلنا إليك البارحة، فرأيناك كئيباً حزيناً، ثمّ عدنا إليك اليوم، فرأيناك فرحاً مستبشراً! قال رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم: نعم! كان قد بقي عندي من فيء المسلمين أربعة دنانير لم أكن قسّمتها، و خفت أن يدركني الموت و هي عندي. و قد قسّمتها اليوم و استرحت منها. فنظر عثمان إلى كعب الأحبار و قال: يا أبا إسحاق! ما تقول في رجل أدّى زكاة ماله المفروضة، هل يجب عليه فيما بعد ذلك شيئاً؟ فقال (كعب الأحبار): لا، و لو اتّخذ لبنة من ذهب و لبنة من فضّة، ما وجب عليه شيء. فرفع أبو ذرّ عصاه، فضرب بها رأس كعب. ثمّ قال له: يا ابن اليهوديّة الكافرة! ما أنت و النظر في أحكام المسلمين؟ قول الله أصدق من قولك حيث قال: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَ لَا يُنفِقُونَهَا في سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ ألِيمٍ، يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا في نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَ جُنُوبُهُمْ وَ ظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لإنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ. (الآيتان 34 و 35، من السورة 9: التوبة). فقال عثمان: يا أبا ذرّ، إنّك شيخ قد خرفت و ذهب عقلك! ولو لا صحبتك لرسول الله لقتلتك! فقال أبو ذرّ: كذبت يا عثمان! أخبرني حبيبي رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم فقال: لا يقتلونك! و أمّا عقلي، فقد بقي منه ما أحفظ حديثاً سمعته من رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم فيك وفي قومك! فقال[ عثمان]: و ما سمعت من رسول الله في و في قومي؟ قال أبو ذرّ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إذَا بَلَغَ آلُ أبي العَاصِ،، ثَلَاثيِنَ رَجُلًا، صَيَّرُوا مَالَ اللهِ دُوَلًا؛ وَ كِتَابَ اللهِ دَغَلًا، وَ عِبَادَهُ خَوَلًا؛ وَ الفَاسِقِينَ حِزْبَاً وَ الصَّالِحِينَ حَرْبَاً. فقال عثمان: يا معشر أصحاب محمّد! هل سمع أحد منكم هذا من رسول الله؟! فقالوا كلّهم: لا، ما سمعنا هذا من رسول الله! فقال عثمان لأبي ذرّ: ادع عليّاً! فجاء أمير المؤمنين عليه السلام. فقال له عثمان: يا أبا الحسن! انظر ما يقول هذا الشيخ الكذّاب؟! فقال أمير المؤمنين عليه السلام: مه يا عثمان! لا تقل: كذّاب، فإنّي سمعت رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم يقول: مَا أظَلَّتِ الخَضْرَاءُ وَ لَا أقَلَّتِ الغَبْرَاءُ على ذِي لَهْجَةٍ أصْدَقَ مِنْ أبي ذَرٍّ. فقال أصحاب رسول الله: صدق عليّ. و قد سمعنا هذا من رسول الله! فبكى أبو ذرّ عند ذلك و قال: ويلكم! كلّكم قد مدّ عنقه إلى هذا المال، ظننتم أنّي أكذب على رسول الله؟ ثمّ نظر أبو ذرّ إليهم، فقال: من خيركم؟! فقالوا: أنت تقول: إنّك خيرنا؟! قال: نعم! خلّفت حبيبي رسول الله في هذه الجبّة و هو عنّي راضٍ، و أنتم قد أحدثتم أحداثاً كثيرة؛ و الله سائلكم عن ذلك؛ و لا يسألني! فقال عثمان: يا أبا ذرّ! اسألك بحقّ رسول الله إلّا ما أخبرتني عن شيء أسألك عنه. فقال أبو ذرّ: و الله لو لم تسألني بحقّ محمّد رسول الله أيضاً لأخبرتك! فقال عثمان: أي البلاد أحبّ إليك أن تكون فيها؟! فقال أبو ذرّ: مكّة حرم الله و حرم رسول الله أعبد الله فيها حتّى يأتيني الموت! فقال عثمان: لا، و لا كرامة لك. قال أبو ذرّ: المدينة حرم رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم! قال عثمان: لا، و لا كرامة لك. فسكت أبو ذرّ. فقال عثمان: أي البلاد أبغض إليك أن تكون فيها؟! قال: الربذة التي كنت فيها على غير دين الإسلام! فقال عثمان: سر إليها! فقال أبو ذرّ: قد سألتني فصدقتك. وأنا أسألك فاصدقني! قال عثمان: نعم! قال أبو ذرّ: لو بعثتني في بعث من أصحابك إلى المشركين ، فأسروني، و قالوا: لا نفديه إلّا بثلث ما تملك! فهل تفعل؟! قال: كنت أفديك! قال أبو ذرّ: فإن قالوا: لا نفديه إلّا بنصف ما تملك؟! قال عثمان: كنت أفديك. قال أبو ذرّ: فإن قالوا: لا نفديه إلّا بكلّ ما تملك! قال عثمان: كنت أفديك. قال أبو ذرّ: الله أكبر، قال حبيبي رسول الله يوماً: يا أبا ذرّ و كيف أنت إذا قيل لك: أي البلاد أحبّ إليك أن تكون فيها؟ فتقول: مكّة حرم الله و حرم رسوله أعبد الله فيها حتّى يأتيني الموت. فيقال لك: لا، و لا كرامة لك! فتقول: فالمدينة حرم رسول الله. فيقال لك: لا، و لا كرامة لك! ثمّ يقال لك: فأيّ البلاد أبغض إليك أن تكون فيها؟ فتقول: الربذة التي كنت فيها على غير دين الإسلام. فيقال لك: سر إليها! فقلت لرسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم: و إنّ هذا لكائن؟ فقال: أي و الذي نفسي بيده إنّه لكائن. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أ فَلَا أضَعُ سَيْفي هَذَا على عَاتِقِي فَأضْرِبَ بِهِ قُدُماً قُدُماً. قَالَ: لَا! اسْمَعْ وَ اسْكُتْ وَ لَو لِعَبْدٍ حَبَشىّ وَ قَدْ أنْزَلَ اللهُ فِيكَ وَ في عُثْمَانَ آيَةً. فَقُلتُ: وَ مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟! فَقَالَ: قَولُهُ تعالى: «وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَ لا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَ أَنْتُمْ تَشْهَدُونَ، ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَ تُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ وَ إِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَ هُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَ تَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ» الآيتان 84 و 85، من السورة 2: البقرة.(«تفسير القمّيّ» ص 43 إلى 46). وروى محمّد بن يعقوب الكُلينيّ في «روضة الكافي» من ص 206 إلى 208 بسنده المتّصل عن أبي جعفر الخثْعَمِيّ قال: قال: لمّا سيّر عثمان أبا ذرّ إلى الربذة (و كان قد نهى عن مشايعته و توديعه) شيّعه أمير المؤمنين، وعقيل، والحسن، والحسين عليهم السلام، وعمّار بن ياسر رضي الله عنه. فلمّا كان عند الوداع، قال أمير المؤمنين عليه السلام: يا أبا ذرّ! إنّك إنّما غضبت للّه عزّ و جلّ فارج من غضبت له! إنّ القوم خافوك على دنياهم، و خفتهم على دينك! فأرحلوك عن الفِناء (أو عن فناء دارهم أو دار رسول الله)، وامتحنوك بالبلاء! و و الله لو كانت السماوات و الأرض على عبد رتقاً ثمّ اتّقى الله عزّ و جلّ جعل له منها مخرجاً! فلا يؤنسك إلّا الحقّ! و لا يوحشك إلّا الباطل! ثمّ تكلّم عقيل، فقال: يا أبا ذرّ! أنت تعلم أنّا نحبّك؛ و نحن نعلم أنّك تحبّنا! و أنت قد حفظت فينا ما ضيّع الناس إلّا القليل! فثوابك على الله عزّ و جلّ! و لذلك أخرجك المخرجون؛ و سيّرك المسيّرون! فثوابك على الله عزّ و جلّ! فاتّق الله و اعلم أنَّ استعفاءك البلاء من الجزع، و استبطاءك العافية من اليأس! فدع اليأس و الجزع، و قل: حسبي الله و نعم الوكيل. ثمّ تكلّم[ الإمام] الحسن عليه السلام فقال: يا عمّاه! إنّ القوم قد أتوا إليك ما قد ترى! و إنّ الله عزّ و جلّ بالمنظر الأعلى (مشرف على جميع الخلق و عالِم بما يصدر عنهم و إنّه لا يعزب عن علمه شيء من امورهم). فدع عنك ذكر الدنيا بذكر فراقها! و شدّة ما يرد عليك لرخاء ما بعدها! و اصبر حتّى تلقى نبيّك صلّى الله عليه و آله و سلّم و هو عنك راضٍ إن شاء الله. ثمّ تكلّم (الإمام) الحسين عليه السلام فقال: يا عمّاه! إنّ الله تبارك و تعالى قادر أن يغيّر ما ترى و هو كلّ يوم في شأن. إنّ القوم منعوك دنياهم، و منعتهم دينك! فما أغناك عمّا منعوك! و ما أحوجهم إلى ما منعتهم! فعليك بالصبر! فإنّ الخير في الصبر، و الصبر من الكرم؛ ودع الجزع، فإنّ الجزع لا يغنيك! ثمّ تكلّم عمّار رضي الله عنه فقال: يا أبا ذرّ! أوحش الله من أوحشك! و أخاف من أخافك! إنّه و الله ما منع الناس أن يقولوا الحقّ إلّا الركون إلى الدنيا و الحبّ لها! إلّا الطاعة مع الجماعة (حتّى لو كانت على الباطل) والملك لمن غلب عليه! وإنّ بها حسيساً. و إنّي و الله ما اريد إلّا الله عزّ و جلّ صاحباً؛ و مالي مع الله وحشة. حَسْبِي اللهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ هُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ وَ صلّى الله على سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ الطَّيِّبِينَ. أمّا أمير المؤمنين عليه السلام، فإنّ خطبته في «نهج البلاغة» تحت الرقم 128 تمثّل كلامه لأبي ذرّ عند التوديع. و ذكرها ابن أبي الحديد و شرحها في الجزء الثامن من شرحه ص 252 إلى 262، طبعة دار الإحياء. و قال: و قد روى هذا الكلام أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهريّ في كتاب «السقيفة» عن عبد الرزّاق، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: لمّا اخرج أبو ذرّ إلى الربذة، أمر عثمان، فنودي في الناس: ألّا يكلّم أحد أبا ذرّ و لا يشيّعه. و أمر مروان بن الحكم أن يخرج به. فخرج به. و تحاماه الناس إلّا عليّ بن أبي طالب عليه السلام، و عقيلًا، و حسناً، و حسيناً عليهما السلام، و عمّاراً. ثمّ عرض كلامهم واحداً واحداً لأبي ذرّ، و كلام أبي ذرّ لهم بنفس العبارات التي نقلناها عن «روضة الكافي». و قال: لمّا أراد الحسن عليه السلام أن يكلّم أبا ذرّ و يودّعه، قال مروان: إيهاً يا حسن! ألا تعلم أنّ أمير المؤمنين (عثمان) قد نهى عن كلام هذا الرجل. فإن كنت لا تعلم، فاعلم ذلك! فحمل عليّ عليه السلام على مروان، فضرب بالسوط بين اذُنَي راحلته، و قال: تنحّ! نحّاك الله إلى النار! فرجع مروان مغضباً إلى عثمان، فأخبره الخبر. فتلظّى عثمان على عليّ عليه السلام. لمّا رجع عليّ عليه السلام و من معه إلى المدينة، جاء عليّ عليه السلام إلى عثمان. فقال له عثمان: ما حملك على ردّ رسولي، و تصغير أمري؟ فقال عليّ عليه السلام: أمّا رسولك، فأراد أن يردّ وجهي فرددته. و أمّا أمرك فلم اصغّره! قال عثمان: أما بلغك نهيي عن كلام أبي ذرّ؟ قال عليّ: أوَكلّما أمرت بأمر معصية، أطعناك فيه؟ قال عثمان: أقِدْ مروان من نفسك! قال (عليّ): ممّ ذا؟ قال عثمان: من شتمه! و جذب راحلته! قال (عليّ): أمّا راحلته فراحلتي بها. و أمّا شتمه إيّاي، فو الله لا يشتمني شتمة إلّا شتمتك مثلها، لا أكذب عليك! فغضب عثمان، و قال: لِمَ لا يشتمك مروان؟ كأنّك خير منه؟! قال عليّ: أي و الله، و منك. ثمّ قام فخرج. صلّى الله عليه و آله و سلّم: وَيْلٌ لُامَّتِي مِمَّا في صُلْبِ هَذَا. و الحكم طريد رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم. نفاه من المدينة إلى الطائف و خرج معه ابنه مروان. (وولد مروان في السنة الثانية أو الثالثة من الهجرة بالمدينة، و لم ير النبيّ قطّ). و قيل: ولد بالطائف. و قد اختُلف في السبب الموجب لنفي رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم الحكم إلى الطائف. فقيل: كان يتسمّع سرّ رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم و يطّلع عليه من باب بيته. و إنّه هو الذي أراد رسول الله أن يفقأ عينه بِمدرَى في يده لمّا اطّلع عليه من الباب. و قيل: كان يحكي رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم في مشيته و بعض حركاته. و كان النبيّ يتكفّأ في مشيته. فالتفت يوماً فرآه يتخلّج في مشيته. فقال: كن كذلك. فلم يزل يرتعش في مشيته من يومئذٍ. فذكره عبد الرحمن بن حسّان بن ثابت في هجائه لعبد الرحمن ابن الحكم، فقال:
إن اللَّعِينَ أبُوكَ فَارْمِ عِظَامَهُ *** أنْ تَرْمِ تَرْمِ مُخَلَّجاً مَجْنُونَا
يُمْسِي خَميصَ البَطْنِ مِنْ عَمَلِ التُّقَى *** وَ يَظَلُّ مِنْ عَمَلِ الخَبِيثِ بَطِينَا
ومعنى قول عبد الرحمن: إنّ اللعين أبوك، فروى ابن خيثمة عن عائشة أنّها قالت لمروان بن الحكم حين قال لأخيها عبد الرحمن بن أبي بكر لمّا امتنع من البيعة ليزيد بن معاوية بولاية العهد ما قال و القصّة مشهورة: أمَّا أنْتَ يَا مَرْوَانُ فَأشْهَدُ أنَّ رَسُولَ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ[ وَ آلِهِ] وَ سَلَّمَ لَعَنَ أبَاكَ وَ أنْتَ في صُلْبِهِ. وقد روى في لعنه و نفيه أحاديث كثيرة لا حاجة إلى ذكرها؛ إلّا أنّ الأمر المقطوع به أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم مع حلمه وإغضائه على ما يكره، ما فعل به ذلك إلّا لأمر عظيم. و لم يزل منفيّاً حياة النبيّ. فلمّا وُلّي أبو بكر الخلافة، قيل له في الحكم ليردّه إلى المدينة. فقال: ما كنت لأحلّ عقدة عقدها رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم، و كذلك عمر. فلمّا وُلّي عثمان الخلافة، ردّه، و قال: كنت قد شفعت فيه إلى رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم، فوعدني بردّه. يعني الوليد بن عتبة أخا عثمان لُامّه. و كان عثمان ولّاه الكوفة. و ذكر الزمخشريّ و غيره أنّه صلّى بالناس وهو سكران صلاة الفجر أربعاً و قال: هل أزيدكم. «مرآة العقول».
الاكثر قراءة في مقالات عقائدية عامة
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)