نورد فيما يأتي عدداً من الأحاديث والروايات في فضيلة الكتابة وأهمّيّتها وعظمتها استهداءً بكتاب «معادن الجواهر ونزهة الخواطر» للمرحوم آية الله السيّد محسن الأمين العامليّ. يقول المرحوم الأمين: وقد ورد في الحثّ على الكتابة والوعد بالثواب الجزيل على فعلها كثير من الآثار. فمنه عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال: قَيِّدُوا العِلْمَ بِالكِتَابِ.[1] وروى أنّ رجلًا من الأنصار كان يجلس إلى النبيّ صلى الله عليه وآله، فقال له النبيّ صلى الله عليه وآله: اسْتَعِنْ بِيَمِينِكَ! وأوْمَى بِيَدِهِ، أي: خُطَّ!
وفي الحديث: لَا تُفَارِقِ المِحْبَرَةَ! فَإنَّ الخَيْرَ فِيهَا وفي أهْلِهَا إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ. مَنْ مَاتَ ومِيرَاثُهُ المَحَابِرُ والأقْلَامُ دَخَلَ الجَنَّةَ.
وعن الحسن بن عليّ عليهما السلام أنّه دعا بنيه وبني أخيه فقال: إنَّكُمْ صِغَارُ قَوْمٍ ويُوشِكُ أنْ تَكُونُوا كِبَارَ قَوْمٍ آخَرِينَ، فَتَعَلَّمُوا العِلْمَ! فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ أنْ يَحْفَظَهُ فَلْيَكْتُبْهُ ولْيَضَعْهُ في بَيْتِهِ.
وقال الإمام جعفر الصادق عليه السلام: اكْتُبُوا! فإنَّكُمْ لَا تَحْفَظُونَ حَتَّى تَكْتُبُوا. وقال عليه السلام: القَلْبُ يَتَّكِلُ عَلَى الكِتَابَةِ.
وقال عليه السلام: احْفَظُوا كُتُبَكُمْ فَإنَّكُمْ سَتَحْتَاجُونَ إلَيْهَا.
وقال عليه السلام للمفضَّل بن عمر: اكْتُبْ وبُثَّ عِلْمَكَ في إخْوَانِكَ، فَانْ مُتَّ فَأوْرِثْ كُتُبَكَ بَنِيكَ، فَإنَّهُ يَأتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ هَرْجٌ لَا يَأنَسُونَ فِيهِ إلَّا بِكُتُبِهِمْ!
وذكر المرحوم الأمين هنا معنى الهرج، فقال: الهرج بسكون الراء، مصدر. يقال: هَرَجَ النَّاسُ (من باب ضرب) هَرْجاً: إذا وقعوا في فتنة واختلاط وقتل. وأصل الهرج الكثرة في الشيء والاتّساع. والهرج: الفتنة في آخر الزمان. وقال ابن قيس الرُّقَيَّات في فتنة ابن الزبير: والمراد بالكتب في الحديثين الآخرين، الأحاديث المرويّة عنهم عليهم السلام. وقوله عليه السلام: سَتَحْتَاجُونَ إلَيْهَا، أي: لفقد من تسألونه من الأئمّة عليهم السلام من جهة شدّة التقيّة أو حصول الغيبة فينحصر أخذكم للأحكام من الكتب.
وكذا قوله عليه السلام: يأتي على الناس زمانٌ هرجٌ ... إلى آخره، أي: زمان فتنة وقتل وخوف، فلا يكون لهم مفزع في أخذ الأحكام إلّا كتبهم. وربّما يُسْتَدَلُّ بذلك على حُجّيّة أخبار الثقات.
وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: إنَّ المُؤْمِنَ إذَا مَاتَ وتَرَكَ وَرَقَةً وَاحِدَةً عَلَيْهَا عِلْمٌ كَانَتِ الوَرَقَةُ سِتْرَاً فِيمَا بَيْنَهُ وبَيْنَ النَّارِ؛[2] وأعْطَاهُ اللهُ بِكُلِّ حَرْفٍ مدينةً أوْسَعَ مِنَ الدُّنْيَا ومَا فِيهَا.
وَمَنْ جَلَسَ عِنْدَ العَالِمِ نَادَاهُ المَلِكُ: جَلَسْتَ إلَى عَبْدِي، وعِزَّتِي وجَلَالِي لُاسْكِنَنَّكَ الجَنَّةَ مَعَهُ ولَا ابَالِي.
وكفاك في هذا قول الصادق عليه السلام: إذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ جَمَعَ اللهُ النَّاسَ في صَعِيدٍ وَاحِدٍ ووُضِعَتِ المَوَازِينُ، فَيُوزَنُ دِمَاءُ الشُّهَداءِ مَعَ مِدَادِ العُلَمَاءِ، فَيُرَجَّحُ مِدَادُ العُلَمَاءِ عَلَى دِمَاءِ الشُّهَدَاءِ.[3]
قال شيخنا الشهيد الثاني رضوان الله عليه: وذلك لأنّ مداد العلماء يُنتَفَع به بعد موتهم ودماء الشهداء لا يُنتَفَع بها بعد موتهم.
وأقول: دماء الشهداء بما هي دماء لا نفع لها في حياتهم ولا بعد موتهم. وإنّما فضلها باعتبار ما يترتّب على الجهاد من نصرة الدين وإظهار الحقّ. وهذا يبقى أثره بعد الشهادة غالباً. فالوجه: أنّ ما يترتّب على كتابة العلماء لعلوم الدين من المنافع في حياتهم وبعد موتهم أعظم ممّا يترتّب على الجهاد والقتل في سبيل الله.
وعن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلّم: إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَة، أوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ.
المراد بالصدقة الوقف في سبيل الله وبالعلم كتب العلم أو ما يشملها. ويشمل العلم الذي تعلّمه غيره منه وانتفع به الناس بعده كما يدلّ عليه بعض الأخبار الآتية.
ومن كلمات الحكماء وعلماء الكتابة، قالوا: لَوْ أنَّ في الصِّنَاعَاتِ صِنَاعَةً مَعْبُودَةً لَكَانَتِ الكِتَابَةُ رَبّاً لِكُلِّ صِنَاعَةٍ.
قَيِّدُوا العِلْمَ بِالكِتَابِ.
العِلْمُ صَيْدٌ والكِتَابَةُ قَيْدُهُ.
الخَطُّ لِسَانُ اليدِ.
تَسْوِيدٌ بِخَطِّ الكَاتِبِ أمْلَحُ مِنْ تَوْرِيدٍ بِخَدِّ الكَاعِبِ.
كَمْ مِنْ مَآثِرَ أثْبَتَتْهَا الأقْلَامُ فَلَمْ تَطْمَعْ في دُرُوسِهَا الأيَّامُ.
مَنْ خَدَمَ المَحَابِرَ خَدَمَتْهُ المَنَابِرُ.
وروى الخطيب البغداديّ بسنده المتّصل عن الحارث، عن عليّ أمير المؤمنين عليه السلام قال: قَيِّدُوا العِلْمَ، قَيِّدُوا العِلْمَ - مَرَّتَيْن!
وكذلك روى بسنده المتّصل الآخر عن حبيب بن جرى قال: قال عليّ عليه السلام: قَيِّدُوا العِلْمَ بِالكِتَاب.
وروى أيضا بسنده الآخر عن المنذر بن ثعلبة، عن عليّ عليه السلام قال: مَنْ يَشْتَرِي مِنِّي عِلْماً بِدِرْهَمٍ؟! قال أبو خيثمة: يقول: يَشْتَرِي صَحِيفةً بِدِرْهَمٍ يَكْتُبُ فِيهَا العِلْمَ.
روى بسنده الآخر أيضاً عن داود بن عبد الجبّار، عن أبي إسحاق الهمدانيّ، عن الحارث، عن عليّ أمير المؤمنين عليه السلام قال: مَنْ يَشْتَري مِنِّي عِلْماً بِدِرْهَمٍ؟! قالَ: فَذَهَبْتُ فَاشْتَريْتُ صُحُفاً بِدِرْهَمٍ[4] ثُمَّ جِئْتُ بِهَا.[5]
قال المستشار عبد الحليم الجنديّ: وفي حياة النبيّ أو حياة عليّ، اقتدت بعليّ شيعته في التدوين. أو قُل: هُدِيَتْ لتنفيذ أمر الرسول.
[1] ورواها الخطيب البغداديّ في كتاب «تقييد العلم» ص 91، في باب ذكر الرواية عن الحسن بن عليّ بن أبي طالب، في الفصل الثاني من القسم الثالث: كُتُب الصحابة بسنده عن شرحبيل أبي سعد أنّه قال: دعا الحسن بن عليّ بنيه وبني أخيه فقال: يا بنيّ وبَنِي أخي! إنّكم صِغار قومٍ يوشِك أن تكونوا كِبارَ آخرين. فَتَعَلَّمُوا العلم! فمن لم يستطع منكم أن يرويه فليكتبه وليضعه في بيته.
و أيضاً بسنده الآخر عن الحافظ أبي نُعَيم ... إلى أن يصل إلى شرحبيل بن سعد، قال: جمع الحسين بن عليّ بنيه وبني أخيه فقال: يا بنيّ! إنّكم اليومَ صِغار قوم أوشك أن تكونوا كبار قوم، فعليكم بالعلم، فمن لم يحفظ منكم فليكتبه. كذا قال: جمع الحسين بن عليّ. والصواب الحسن كما ذكرناه أوّلًا، والله أعلم - انتهى قول الخطيب. أقول: لا نستبعد أن يكون هذا الموضوع قد تكرّر مرّتين من قبل ذينك الإمامين الهمامين. أجل، لمّا فرغ الخطيب من الرواية الأولى، قال يوسف العشّ - الذي حقّق الكتاب وعلّق عليه - في الهامش: مثله باللفظ من يونس في «سنن الدارميّ» ج 1، ص 126؛ و«تاريخ بغداد» ج 6، ص 399. وبسند آخر مع اختلاف باللفظ في «جامع بيان العلم» ج 1، ص 82، ودون سندٍ في «كنز العمّال» ج 5، ص 229، عن (ق) في المدخل (كر)، ومثله بالاختصار في «علل الحديث» ج 2، ص 438، إلى أن قال: وهذا الخبر منسوب إلى عليّ بن أبي طالب الذي قال ما فيه لفتيان من قريش: («ربيع الأبرار» للزمخشريّ، ج 1، ص 12).
[2] ذكر المستشار عبد الحليم الجنديّ هذا الحديث إلى هنا في كتابه: «الإمام جعفر الصادق» ص 200، نقلًا عن الشيخ الصدوق في «الأمالى».
[3] في «بحار الأنوار» ج 2، ص 16، كتاب العلم، الطبعة الحديثة، مطبعة حيدري، عن «أمالى الشيخ» باسناد المجاشعيّ، عن الإمام الصادق عليه السلام، عن آبائه، عن أمير المؤمنين عليه السلام، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم: إذا كان يوم القيامة وزن مداد العلماء بدماء الشهداء فيرجّح مداد العلماء على دماء الشهداء.
[4] قال يوسف العشّ في الهامش: مثله بلفظ متقارب من الحضرميّ في «المحدّث الفاصل» ج 4، ص 13. وعن الجمّانيّ نفسه بسند آخر في «المحدّث الفاصل» ج 4، ص 13.
[5] ذكر الخطيب مثلها عن داود في «تاريخ بغداد» ج 8، ص 357. وفيه عن ابن معين: ليس داود بشيءٍ، ما كتبتُ عنه. وفي «تقييد العلم» للحافظ المؤرّخ أبي بكر أحمد بن عليّ بن ثابت الخطيب البغداديّ صاحب «تاريخ بغداد» المولود سنة 392 والمتوفّى سنة 463 هـ، الطبعة الأولى، دار إحياء السُّنّة النبويّة، ص 89 و90 في فصل كتب الصحابة، 3 - ذكر الرواية عن أمير المؤمنين عليّ ابن أبي طالب عليه السلام في ذلك (الكتابة).