من أجل ذلك نهي رسول الله أن يأخذ المسلمون على أهل الكتاب أمراً يخالف اصول دين الله وأحكامه وآدابه. وكان يغضب أشدّ الغضب إذا رأى أحداً ينقل عنهم شيئاً. فقد روى أحمد عن جابر بن عبد الله أنّ عمر بن الخطّاب أتى النبيّ بكتابٍ أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه على النبيّ فغضب وقال: أمُهَوَّكُونَ[1] فِيهَا يا بْنَ الخَطَّاب؟! والذي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أنَّ موسى حَيّ مَا وَسِعَهُ إلَّا أنْ يَتَّبِعَنِي!
وفي رواية: فَغَضِبَ وقَالَ: لَقَدْ جِئْتُكُمْ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً! لَا تَسْأَلُوا أهْلَ الكِتَابِ عَنْ شَيءٍ فَيُخْبِرُوكُمْ بِحَقٍّ فَتُكَذِّبُوا بِهِ، أوْ بِبَاطِلٍ فَتُصَدِّقُوا بِهِ.
وروى البخاريّ عن أبي هريرة: لَا تُصَدِّقُوا أهْلَ الكِتَابِ ولَا تُكَذِّبُوهُمْ، وقُولُوا: آمَنَّا بِاللهِ ومَا انزِلَ إلَيْنَا ومَا انْزِلَ إلَيْكُمْ وإلَهُنَا وإلَهُكُمْ واحِدٌ ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ.
وروى البخاريّ من حديث الزهريّ عن ابن عبّاس أنّه قال: كَيْفَ تَسَألُونَ أهْلَ الكِتَابِ عَنْ شَيءٍ وكِتَابُكُمُ الذي أنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِ اللهِ أحْدَثُ الكُتُبِ تَقْرَءُونَهُ مَحْضاً لَمْ يَشُبْ. وقَدْ حَدَّثَكُمْ أنَّ أهْلَ الكِتَابِ بَدَّلُوا كِتَابَ اللهِ وغَيَّرُوهُ وكَتَبُوا بِأيْدِيهِمُ الكِتَابَ وقَالُوا: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللهِ لَيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا! ألَا يَنْهَاكُمْ مَا جَاءَكُمْ مِنَ العِلْمِ عَنْ مَسأَلَتِهِم؟! لَا واللهِ مَا رَأيْنَا مِنْهُمُ رَجُلًا يَسألُكُمْ عَنِ الذي انْزِلَ إلَيْكُمْ!
وروى ابن جرير عن عبد الله بن مسعود أنّه قال: لَا تَسْألُوا أهْلَ الكِتَابِ عَنْ شَيءٍ فَإنَّهُمْ لَنْ يَهْدُوكُمْ وقَدْ ضَلُّوا. إمَّا أنْ تُكَذِّبُوا بِحَقٍّ أوْ تُصَدِّقُوا بِبَاطِلٍ!
هذه هي الروايات الصحيحة التي تتّفق مع الدين والعقل، والتي كانت معروفة عند المحقّقين.[2]
هذا بعض ما رُوي عن النبيّ صلوات الله عليه في النهي عن الأخذ عن أهل الكتاب، ولكن ما لبث الأمر أن انقلب بعد أن اغترّ بعض المسلمين بمن أسلم من أحبار اليهود خدعةً. فظهرت أحاديث رفعوها إلى النبيّ صلى الله عليه وآله تُبيح الأخذ وتنسخ ما نهى عنه.
فقد روى أبو هريرة، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وغيرهما أنّ رسول الله قال: حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إسْرَائِيلَ ولَا حَرَجَ! وأبو هريرة، وعبد الله بن عمرو من تلاميذ كعب الأحبار.
وقد جاءت الأخبار بأنّ الثاني- وهو عبد الله بن عمرو بن العاص- أصاب يوم اليرموك زاملتين[3] من علوم أهل الكتاب، فكان يحدِّث منهما. وزاد ابن حجر: فَتَجَنَّبَ الأخْذَ عَنْهُ لِذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ أئِمَّةِ التَّابِعِينَ.[4]
[1] هَوِكَ يَهْوَكُ هَوَكاً كان هَوْكاً، أي: صار أحمق: هَوَّكَ تَهْوِيكاً: حَفَرَ الهُوكَة. هَوَّكَهُ: حَمَّقَهُ.
[2] «تفسير ابن كثير» ج 1، ص 4.
[3] الزاملة هي البعير الذي يُحْمَل عليه الطعام والمتاع. وقيل: هي الدابّة التي يُحْمَل عليها الطعام والمتاع من الإبل وغيرها. («لسان العرب»، مادّة زمل، ج 13، ص 329).
[4] «فتح الباري في شرح صحيح البخاريّ» ج 1، ص 167؛ «أضواء على السنّة المحمّديّة» ص 163 و164، الطبعة الثالثة.