إن قول عمر: حسبنا كتابُ الله، يجانب العقل والمنطق إلى درجة أنّ العامّة أنفسهم طأطأوا رؤوسهم خجلًا في تفسيره، لكنّ عمر نفسه حال دون عزم رسول الله على الكتابة، ومنع جلب الكتف والدواة وذلك من أجل تقويض أركان الولاية وهو يعلم جيّداً أنّ كلامه خطأ محض، وأنّ القرآن لا يكتمل إلّا بسنّة رسول الله صلى الله عليه وآله.
ثمّ حظر بيان الحديث والسيرة النبويّة أيّام حكومته بأشدّ الإجراءات. ولم يمنع تدوين الحديث فحسب، بل منع بيانه شفويّاً أيضاً بأعنف اسلوب. ولِمَ ذاك؟ لكي لا يتكلّم الناس بالأحاديث النبويّة المأثورة في وصاية أمير المؤمنين وإمامته وإمارته وخلافته بلا فصل. وهذه الأحاديث تمثّل بياناً يتعارض مع نهج الحكومة الغاصبة. وكيف يترك الناس أحراراً في تدوينها، وهو الذي هجم على بيت فاطمة واقتاد أمير المؤمنين إلى المسجد من أجل البيعة؟
قال الشيخ محمود أبو ريّة بعد ردّ الحديث الآتي المرويّ عن طرق العامّة: ألَا وإنِّي قَدْ اوتِيتُ الكِتَابَ ومِثْلَهُ مَعَهُ: وإذا كان الأمر كذلك، فَلِمَ لَمْ يُعْنَ النبيّ بكتابة هذا المثل في حياته، عند ما تلقّاه عن ربّه، كما عنى بكتابة القرآن؟
وواصل كلامه إلى أن قال: هل يصحّ أن يدع النبيّ نصف ما أوحاه الله إليه يغدو بين الأذهان بغير قيدٍ، يُمسكه هذا، وينساه ذاك، ويتزيّد فيه ذلك ممّا يصيب غير المدوّن في كتابٍ محفوظ؟ وهل يكون الرسول بعلمه هذا قد بلّغ الرسالة على وجهها، وأدى الأمانة كاملة إلى أهلها؟!
وأين كان هذا الحديث عند ما قال النبيّ في مرضه الأخير الذي انقلب بعده إلى ربّه، وبعد أن نزلت الآية: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً»[1]: إنِّي واللهِ مَا تَمَسَّكُوا عَلَيّ بِشَيءٍ إنِّي لَمْ احِلَّ إلَّا مَا أحَلَّ القُرْآنُ، ولَمْ احَرِّمْ إلَّا مَا حَرَّمَ القُرْآنُ؟![2] ثمّ أين كان هذا الحديث عند ما قال أبو بكر للناس: بَيْنَنَا وبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللهِ فَاسْتَحِلُّوا حَلَالَهُ، وحَرِّمُوا حَرَامَهُ؟! وعند ما قال عمر، عند ما طلب النبيّ صلى الله عليه وآله وهو يحتضر أن يكتب للناس كتاباً لن يضلّوا بعده: حَسْبُنَا كِتَابُ اللهِ؟!
وقال أبو ريّة: فإنّا نجد هؤلاء الصحابة لم يقف بهم الأمر عند ذلك (الكتابة)، وإنّما كانوا يرغبون عن رواية الحديث وينهون عنها، وأنّهم كانوا يتشدّدون في قبول الأخبار تشديداً قويّاً.
روى الذهبيّ في «تذكرة الحفّاظ» قال: من مراسيل ابن أبي مليكة[3] أنّ أبا بكر جمع الناس بعد وفاة نبيّهم فقال: إنَّكُمْ تُحَدِّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللهِ
أحَادِيثَ تَخْتَلِفُونَ فِيهَا، والنَّاسُ بَعْدَكُمْ أشَدُّ اخْتِلَافاً؟ فَلَا تُحَدِّثُوا عَنْ رَسُولِ اللهِ شَيْئاً. فَمَنْ سَألَكُمْ فَقُولُوا: بَيْنَنَا وبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللهِ، فَاسْتَحِلُّوا حَلَالَهُ، وحَرِّمُوا حَرَامَهُ!
وروى ابن عساكر عن محمّد بن إسحاق قال: أخبرني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: ما مات عمر بن الخطّاب حتى بعث إلى أصحاب رسول الله فجمعهم من الآفاق: عبد الله بن حُذَيفة، وأبا الدرداء، وأبا ذرّ، وعقبة بن عامر، فقال: ما هذه الأحاديث التي أفشيتم عن رسول الله في الآفاق؟! قالوا: تنهانا؟ قال: لا، أقيموا عندي؛ لا والله لا تفارقوني ما عشتُ فنحن أعلم، نأخذ منكم، ونردّ عليكم! فما فارقوه حتى مات.[4]
وروى الذهبيّ في «تذكرة الحفّاظ» عن شعبة، عن سعيد بن إبراهيم، عن أبيه أنّ عمر حبس ابن مسعود، وأبا الدرداء، وأبا مسعود الأنصاريّ فقال: قد أكثرتم الحديث عن رسول الله،[5] وكان قد حبسهم في المدينة. ثمّ أطلقهم عثمان.[6]
وروى ابن سعد، وابن عساكر عن محمود بن لبيد- واللفظ لابن سعد- قال: سمعتُ عثمان بن عفّان على المنبر يقول: لا يحلّ لأحد يروي حديثاً لم يسمع به في عهد أبي بكر ولا في عهد عمر، فإنّه لم يمنعني أن احدّث عن رسول الله أن لا أكون من أوعى أصحابه، إلّا إنّي سمعته يقول: مَنْ قَالَ عَلَيّ مَا لَمْ أقُلْ فَقَدْ تَبَوَّأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ.
وفي كتاب «جامع بيان العلم وفضله»[7] لحافظ المغرب ابن عبد البرّ عن الشعبيّ، عن قرظة بن كعب قال: خَرَجْنَا نُرِيدُ العِرَاقَ فَمَشَى مَعَنَا عُمَرُ إلَى صِرَارٍ.[8] ثُمَّ قَالَ لَنَا: أتَدْرُونَ لِمَ مَشَيْتُ مَعَكُمْ؟! قُلْنَا: أرَدْتَ أنْ تُشَيِّعَنَا وتُكْرِمَنَا! قَالَ: إنَّ مَعَ ذَلِكَ لَحَاجَةً خَرَجْتُ لَهَا: إنَّكُمْ لَتَأتُونَ بَلْدَةً لأهْلِهَا دَوِيّ كَدَوِيّ النَّحْلِ، فَلَا تَصُدُّوهُمْ بِالأحَادِيثِ عَنْ رَسُولِ اللهِ وأنَا شَرِيكُكُمْ! قَالَ قَرَظَةُ: فَمَا حَدَّثْتُ بَعْدَهُ حَدِيثاً عَنْ رَسُولِ اللهِ.
وفي رواية اخرى: إنَّكُمْ تَأتُونَ أهْلَ قَرْيَةٍ لَهَا دَوِيّ بِالقُرْآنِ كَدَوِيّ النَّحْلِ فَلَا تَصُدُّوهُمْ بِالأحَادِيثِ لِتَشْغَلُوهُمْ. جَوِّدُوا[9] القُرْآنَ وأقِلُّوا الرِّوايَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ وأنَا شَرِيكُكُمْ![10]
فَلَمَّا قَدِمَ قَرَظَةُ قَالُوا: حَدِّثْنَا! فَقَالَ: نَهَانَا عُمَرُ.[11]
وَفي «الامِّ» لِلشَّافِعِيّ روايَةُ الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ: فَلَمَّا قَدِمَ قَرَظَةُ، قَالُوا: حَدِّثْنَا! قَالَ: نَهَانَا عُمَرُ!
وَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ: أقِلُّوا الرِّوايَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ إلَّا فِيمَا يُعْمَلُ بِهِ.[12]
وقد ذكرنا في الجزء الثاني عشر من كتابنا هذا «معرفة الإمام» الدروس 174 إلى 176 قصّة صُبَيْغِ بْنِ عَسَلٍ التَّمِيمِيّ وجلده مائتي جلدة، وإدماء بدنه لسؤاله عمر عن معنى الذَّارِيَاتِ ذَرْوًا، نقلًا عن السيوطيّ، وابن كثير عن البزّاز والدار قطنيّ في «الإفراد»، وابن مردويه، وابن عساكر، وعن «سنن الدارميّ»، و«سيرة عمر» لابن الجوزيّ، وعن «كنز العمّال»، وعن نصر المقدسيّ، والأصفهانيّ، وابن الأنباريّ، والألكانيّ، وعن «فتح الباري»، و«الفتوحات المكّيّة».
لقد حظَّر عمر أربعة أشياء:
1- السؤال عن مشكل القرآن.
2- السؤال عن الأحكام والتكاليف التي لم تقع.
3- بيان أحاديث رسول الله.
4- تدوين الحديث.
وكان يجلد صحابة رسول الله المعروفين ويحبسهم عملًا بما قرّره.
قال العلّامة الأمينيّ: ولمّا بعث عمر أبا موسى الأشعريّ إلى العراق قال له: إنّك تأتي قوماً لهم في مساجدهم دويّ بالقرآن كدويّ النحل فدعهم على ما هم عليه ولا تشغلهم بالأحاديث وأنا شريكك في ذلك. ذكره ابن كثير في تاريخه، ج 8، ص 107، فقال: هذا معروف عن عمر.
وأخرج الطبرانيّ عن إبراهيم بن عبد الرحمن أنّ عمر حبس ثلاثة: ابن مسعود، وأبا الدرداء، وأبا مسعود الأنصاريّ، فقال: قد أكثرتم الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله حبسهم بالمدينة حتى قُتل.[13]
وفي لفظ الحاكم في «المستدرك» ج 1، ص 110: إنّ عمر بن الخطّاب قال لابن مسعود ولأبي الدرداء ولأبي ذرّ: ما هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله؟! وأحسبه حبسهم بالمدينة حتى اصيب.
وفي لفظ جمال الدين الحنفيّ: إنّ عمر حبس ابن مسعود، وأبا الدرداء، وأبا ذرّ حتى اصيب. وقال: مَا هَذَا الحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ؟ قال: أحسبه حبسهم حتى اصيب. وكذلك فعل بأبي موسى الأشعريّ مع عدله عنده. («المعتصر» ج 1، ص 459).
وقال عمر لأبي هريرة: لتتركنّ الحديث عن رسول الله أو لألحقنّك بأرض دَوْس؟![14] وقال لكعب الأحبار: لتتركنّ الحديث عن الأوّل، أو لألحقنّك بأرض القِرَدَة؟! («تاريخ ابن كثير» ج 8، ص 106).
وأخرج الذهبيّ في «التذكرة» ج 1، ص 7، عن أبي سلمة قال: قلتُ لأبي هريرة: أكنتَ تُحدّث في زمان عمر هكذا؟! فقال: لو كنت احدِّث في زمان عمر مثل ما احدِّثكم لضر بني بمخفقته.
وأخرج أبو عمر عن أبي هريرة قال: لقد حدّثتكم بأحاديث لو حدَّثْتُ بها زمن عمر بن الخطّاب لضر بني عمر بالدرّة. («جامع بيان العلم» ج 2، ص 121).
وفي لفظ الزهريّ: أفكنتُ محدّثكم بهذه الأحاديث وعمر حيّ؟ أما والله إذاً لأيقنتُ أنّ المخفقة ستباشر ظهري. وفي لفظ ابن وهب: إنّي لُاحدِّث أحاديث لو تكلّمتُ بها في زمان عمر أو عند عمر لَشَجَّ رأسي. («تاريخ ابن كثير» ج 8، ص 107). فمن جرّاء هذا الحادث قال الشعبيّ: قعدتُ مع ابن عمر سنتين أو سنة ونصفاً فما سمعتُ يحدّث عن رسول الله صلى الله عليه وآله إلّا حديثاً.[15]
وقال السائب بن يزيد: صحبتُ سعد بن مالك من المدينة إلى مكّة فما سمعته يحدِّث بحديث واحدٍ. («سنن ابن ماجه» ج 1، ص 16).
وقال أبو هريرة: ما كنّا نستطيع أن نقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله حتى قُبض عمر («تاريخ ابن كثير» ج 8، ص 107).
[1] الآية 3، من السورة 5: المائدة.
[2] «سيرة ابن هشام» ج 4، ص 332.
[3] «تذكرة الحفّاظ» ج 1، ص 3. وابن أبي مليكة هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة القرشيّ التميميّ المكّيّ. قاضي مكّة في زمن ابن الزبير. كان إماماً فقيهاً فصيحاً مفوّهاً. اتّفقوا على توثيقه. وممّن روي عنه الليث بن سعد، توفّي سنة 117 هـ؛ وص 63 من كتاب «التشريع الإسلاميّ» للشيخ محمّد الخضريّ.
[4] أخرجه ابن عساكر، ومحمّد بن إسحاق.
[5] «تاريخ التشريع الإسلاميّ» ج 1، ص 7 و123، من كتاب «تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلاميّة» للشيخ مصطفى عبد الرزّاق، ص 161.
[6] قال أبو بكر بن العربيّ في «العواصم من القواصم» وهو يدافع عن عثمان فيما نسبوه إليه من المظالم والمناكير ما نصّه: ومن العجيب أن يؤخذ عليه في أمرٍ فَعَلَه عمر! فقد روى أنّ عمر بن الخطّاب سجن ابن مسعود في نفرٍ من الصحابة سنة بالمدينة حتى قُتل فأطلقهم عثمان، وكان سجنهم لأنّ القوم أكثروا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله. (ص 75 و76)
[7] ج 2، ص 120.
[8] صِرار بالكسر موضع قرب المدينة، وفي رواية: خرجنا فَشَيَّعَنا.
[9] جاء في تعبير العلّامة الأمينيّ في «الغدير»، ج 6، ص 294: جرّدوا القرآن. أي: علّموه بلا تفسير.
[10] ورد في «شرح ابن أبي الحديد» ج 3، ص 102؛ وفي كتاب «السُّنّة قبل التدوين» ص 100.
[11] هذه الزيادة من «تذكرة الحفّاظ» للذهبيّ. وصحّحه الحاكم في «المستدرك»، ج 1، ص 102 (التعليقة)؛ «سنن الدارميّ» ج 1، ص 85؛ و«سنن ابن ماجة» ج 1، ص 16؛ و«المستدرك» للحاكم، ج 1، ص 102؛ و«جامع بيان العلم» ج 2، ص 120؛ و«تذكرة الحفّاظ» ج 1، ص 3، بناءً علي ما نقله العلّامة الأمينيّ في «الغدير» ج 6، ص 294؛ وذكره في «السنّة قبل التدوين»، ص 97.
[12] «أضواء على السنّة المحمّديّة» ص 52 إلى 55، الطبعة الثالثة، دار المعارف بمصر. وذكر العلّامة الأمينيّ خبر قرظة بن كعب كلّه في «الغدير» ج 6، ص 294، باب نوادر الأثر في علم عمر. وفيما يعمل به: السنّة العمليّة («البداية والنهاية» ج 8، ص 107).
[13] «تذكرة الحفّاظ» ج 1، ص 7؛ «مجمع الزوائد» ج 1، ص 149، وصحّحه محشّي الكتاب فقال: هذا صحيح عن عمر من وجوه كثيرة. وكان عمر شديداً في الحديث.
[14] أخرجه ابن عساكر كما في «كنز العمّال» ج 5، ص 239؛ وأخرجه أبو زرعة كما في «تاريخ ابن كثير» ج 8، ص 106.
[15] «سنن الدارميّ» ج 1، ص 84؛ و«سنن ابن ماجة» ج 1، ص 15.