روى الشيخ محمّد بن محمّد بن النعمان المعروف بالشيخ المفيد في أماليه بسنده عن مُحَمَّدِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَائِذٍ الصَّيْرَفِيّ قال: كنت عند الهَيْثَم بْنِ حَبِيبٍ الصَّيْرَفِيّ فدخل علينا أبُو حَنِيفَة: النُّعْمَانُ بْنُ ثَابِت؛ فذكرنا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام ودار بيننا كلام في غدير خُمّ.
فقال أبُو حَنِيفَة: قد قلت لأصحابنا: لا تقرّوا لهم (للشيعة) بحديث غدير خمّ فيخصموكم!
فتغيّر وجه الهَيْثَمِ بْنِ حَبِيبٍ الصَّيْرَفِيّ، وقال [له]: لِمَ لا يقرّون بحديث الغدير؟ أما هو عندك يا نُعمان؟!
قال [أبو حنيفة]: [بلى] هو عندي وقد رُوِّيتُه!
قال [الهيثم]: فلم لا تقرّون به وقد حدّثنا به حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الطُّفَيْل، عن زيد بن أرقم أنّ عليّاً عليه السلام أنشد اللهَ في الرُّحبة مَن سمعه؟
فقال أبو حنيفة: أ فلا ترون أنه قد جرى في ذلك خوض حتّى نشد عليّ الناس؟!
فقال الهيثم: فنحن نكذّب عليّاً؟! أو نردّ قوله؟!
فقال أبو حنيفة: ما نكذّب عليّاً ولا نردّ قولًا قاله، ولكّنك تعلم أنّ الناس قد غلا منهم قوم!
فقال الهيثم: يقوله رسول الله صلّى الله عليه وآله ويخطب به ونشفق نحن منه ونتّقيه بغلوّ غالٍ أو قول قائل؟![1]
ثمّ جاء [في تلك الحال] من قطع الكلام بمسألة سأل عنها. ودار الحديث بالكوفة. وكان معنا في السوق حَبيب بن نَزَار بن حَيَّان، فجاء إلى الهيثم، فقال له: قد بلغني ما دار عنك في عليّ عليه السلام وقول من قال- وكان حبيب مولى لبني هاشم-[2] فقال له الهيثم: النظر يمرّ فيه أكثر من هذا، فخفِّض الأمر!
فحججنا بعد ذلك ومعنا حبيب، فدخلنا على أبي عبد الله جعفر بن محمّد عليهما السلام فسلّمنا عليه؛ فقال له حبيب: يا أبا عبد الله! كان من
الأمر كذا وكذا، فتبيّن الكراهيّة في وجه أبي عبد الله عليه السلام، فقال له حبيب: هذا محمّد بن نَوفَل حضر ذلك. فقال له [الإمام] أبو عبد الله عليه السلام: أي حبيب كُفَّ! خالقوا الناس بأخلاقهم! وخالفوهم بأعمالكم! "فَإنَّ لِكُلِّ امْرِئٍ مَا اكْتَسَبَ، وَهُوَ يَوْمَ القِيَامَةِ مَعَ مَنْ أحَبَّ، لَا تَحْمِلُوا النَّاسَ عَلَيْكُمْ وَعَلَيْنَا! وَادْخُلُوا في دَهْمَاءِ النَّاسِ: فَإنَّ لَنَا أيَّاماً وَدَوْلَةً يَأتِي بِهَا اللهُ إذَا شَاءَ". فسكت حبيب، فقال عليه السلام: أ فهمتَ يا حبيب؟ لا تخالفوا أمري فتندموا! فقال حبيب: لن اخالف أمرك.
قال أبو العبّاس [ابن عُقْدَة، أحمد بن محمّد بن سعيد]: سألتُ عليّ بن الحسين عن محمّد بن نَوْفَل فقال: كوفيّ. قلت: ممّن؟ قال: أحسبه مولى لبني هاشم. وكان حبيبُ بن نَزَار بن حَيَّان مولى لبني هاشم. وكان الخبر فيما جرى بينه وبين أبي حنيفة حين ظهر أمر بني العبّاس فلم يمكنهم (الشيعة) إظهار ما كان عليه آل محمّد صلّى الله عليه وآله.[3]
[1] «غاية المرام» ص 96، الحديث الثامن و الثلاثون.
[2] [2]لمّا أضافوا كلمة (المولى) إلى الشخص، فهو يعطى معنى العبد أو معنى السيّد، كما نقول: قَنْبر مَوْلى عليّ، أي: عبده، أو نقول: عَلِيّ مَوْلى قَنْبَر، أي سيّده؛ إلّا أننا لو نسبنا المولى إلى القبيلة، كأن نقول: مَوْلَى بني أسَد، مولى الأزْد، مولى ثقيف، فإنّ المراد به معنيان:
1- الحليف. 2- النزيل و المهاجر إلي تلك القبيلة. و على هذا فإنّ حبيب بن نَزَار بن حَيَّان الذي كان مولى لبني هاشم، إمّا أنه كان حليفاً لهم أو أنه كان نزيلًا عندهم أو مهاجراً إليهم. و من هنا يستبين أنّ شَوذَباً الذي كان مع عابس بن شبيب الشاكريّ يوم عاشوراء، و يسمّونه: شَوذب مَوْلَى شاكر، لم يكن عبداً لعابس، بل كان حليفاً لشاكر، قبيلة عابس أو مهاجراً إليها. و شاكر قبيلة في اليَمَنْ من هَمْدان، من أولاد شاكر بن ربيعة بن مالك؛ و كان عابس من تلك القبيلة، لذلك يسمّونه: الشاكريّ. و كان شوذب إمّا حليفاً لتلك القبيلة أو نزيلًا عندها؛ و لهذا كان رفيقاً لعابس في سفره مستمتعاً بفيض كربلاء. و لعلّ منزلته كانت أرفع من منزلة عابس، لأنّ المؤرّخين يقولون فيها: وَ كَانَ مُتَقَدِّماً في الشِّيعَةِ.
[3] «الأمالي» للشيخ المفيد، ص 26 إلي 28، طبعة سنة 1403 هـ، المجلس الثالث.