السبب في عظمة الشيعة وكرامتهم
المؤلف:
السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ
المصدر:
معرفة الإمام
الجزء والصفحة:
ج3/ص67-69
2025-11-29
4
ينبغي أن نرى لما ذا خصّ الله الشيعة بكلّ هذه العظمة؟ ولما ذا كلّ هذا الثناء والتبجيل الذي صرّح به رسول الوحي والأمين على سرّ الله؟ يا ترى؛ لما ذا تميّزوا على سائر الخلق أنَّهم يدخلون الجنّة بغير حساب؟ ولما ذا هم الفائزون فقط وغيرهم لا؟ وما هو السّر المكنون في ما قام به النبيّ الأكرم، وهو خاتم النبيّين وسيّد المرسلين، إذ ضرب الكعبة بيده وأقسم بالله، وأعلم أصحابه أنَّ شيعة عليّ وحدهم هم الفائزون؟ ولما ذا خصّوا بكلّ تلك الدرجات الاخرويّة من الشفاعة، والكوثر، والتسنيم والجنّة، ورضا الله، والخلود، والنضارة دون غيرهم؟
وتطرّقت أحاديث كثيرة إلى صفات الشيعة وأخلاقهم وأعمالهم قبل: المروءة، والإنصاف، والصدق، والإيثار، والصبر، والاستقامة والصفاء، والخلوص، والعبادة، والجهاد، والصيام، والصدقة، والاعتقاد الراسخ بالله وتعإلىمه، وهذه صفات قد اجتمعت في مولاهم عليّ بن أبي طالب. إنَّهم صفّوا حسابهم مع الدنيا، وتجلّدوا أمام المشاكل والمصائب والمحن، وتعفّفوا لساناً وقلماً وبطناً وفرجاً، واجتنبوا المعاصي، بل وجلوا صَدء قلوبهم بعبوديّتهم لمعبودهم الحقّ، وصقلوها حتى تألّقت الأنوار الإلهيّة فيها. فالشيعة اناس تعلّموا دروس العمل في مدرسة مولاهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام. فاجتازوا بذلك جميع عقبات عالم البرزخ، والقبر، وسؤال منكر ونكير، والحشر، والعرض والحساب، والسؤال والصراط، والميزان. ورسخ في قلوبهم كلام إمامهم في هذه الدنيا؛ إذ قال: «وَأخْرِجُوا مِنَ الدنْيَا قُلُوبِكُم قَبْلَ أن تُخْرَجَ مِنهَا أبْدَانُكُم»[1].
ومن الطبيعيّ فإنَّ الجنّة التي محلّ الأبرار المطهّرين، لا بدّ أن تكون محلّهم ومستقرّهم. إنَّهم ساروا على نهج أمير المؤمنين الذي سلّم لأوامر ربّه وتعاليمه تسليماً خالصاً، لم يعترضوا ولم يناقشوا في ذلك، واتّبعوا أوامر نبيّهم في أحرج الساعات وأعسر المواطن، وأقرّوا بكافّة الآيات القرآنيّة والأحاديث النبويّة بشأن أمير المؤمنين وأهل بيته وبقيّة الشؤون الخاصّة بهم. لقد كانوا أصحاب خلوص فكريّ وعلميّ أفضى بهم أن يطبّقوا عقيدتهم عمليّاً في العالم الخارجيّ، فكانوا بمأمن عن العناد والحسّ الاستكباريّ. وهذا هو مقام الشيعة نموذج وافٍ لمقام الإنسانيّة، وثمرة ناضجة طريّة في عالم الوجود، ووردة متفتّحة في حديقة الوجدان والحميّة والإنصاف.
وثمّة أشخاص في مقابل هؤلاء أوّلًا: لم ينظروا إلى تعاليم رسول الله على أنَّها تعاليم واجبة التطبيق، وكانوا يتركون النبيّ وحده في الساعات الحرجة، ولم يعرفوا بالخضوع والخشوع في عبادتهم، ولم يكونوا من أهل الإيثار والتضحية، ولم يوطّنوا أنفسهم على الجهاد والصبر والتحمّل في المحن والشدائد، ولم يُشَمّ الصدق في كلامهم ولا الخلوص في عبادتهم، ولا العشق والتحمّس عندهم للقاء الله في السرّ. ثانياً: كانوا متثاقلين متباطِئين في مقام العمل، قلوبهم قاسية ونفوسهم متمرّدة عاصية لم تذعن للحقّ. وبهذه القلوب والنفوس كانوا يتعاملون مع رسول الله، وبسبب تلوّنهم وتشكيكهم، كانوا يحرجون رسول الله في كلّ يوم وكلّ ساعة. إنَّهم أهل جهنّم، وجهنّم مقامهم الأبديّ؛ إنَّهم خلّدوا نفوسهم الشرّيرة في الصفات والملكات القبيحة في هذه الدنيا، فلا بدّ أن يكونوا مخلّدين في ذلك العالم الذي هو عالم البروز والظهور. لذلك فإنَّ تقسيم المسلمين إلى شيعة، وغير شيعة في عصر الرسول الأعظم كان أمراً لا مناص منه، فالشيعة يمثّلون الفريق المطيع واولئك يمثّلون الفريق الصلف المتمرّد.
[1] «نهج البلاغة» باب الخطب، ص 418.
الاكثر قراءة في مقالات عقائدية عامة
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة