أقرأ أيضاً
التاريخ: 2023-11-21
937
التاريخ: 2023-11-13
1162
التاريخ: 2024-08-03
466
التاريخ: 2023-11-05
1049
|
وقامت في هذا القرن نفسه في جوار كنيسة الرسل مدرسة كبيرة لتدريس العلوم الابتدائية والمتوسطة والعالية، فغنَّى الصغار في أروقتها وحوالي حديقتها كما مشى الأحداث متأبطين دفاترهم مسمعين دروسهم في النحو واللغة عن ظهر قلب، وانعزل البعض الآخر من الطلبة الكبار ليحلوا بعض المسائل العويصة، وقام الأساتذة في الداخل يحاضرون في خواص الأعداد وفي الهندسة والطب، كما قام كبار الموسيقيين يشرحون فنهم لمن حولهم من الطلبة، وكان بعضُهُم يتباهى فيؤكد أن علماء العاصمة آنئذٍ فاقوا ديموستانيس في الفصاحة، وأرسطو وأفلاطون في الفلسفة، وإقليدس في الهندسة، وفيثاغوروس في الفيزياء (1)، وخصت البطريركية المسكونية العلوم الدينية العالية برعايتها، فقبلت الطلاب الإكليريكيين في مدرستها ولقنتهم اللاهوت وسواه، وكانت جامعة القسطنطينية لا تزال زاهرة بفرعيها الأدبي والفلسفي، وتولى إدارة التعليم الفلسفي فيها «قنصل الفلاسفة» يوحنا الإيطالي، فذاع صيتُهُ وكثُر طلابه ومريدوه وفاخر التلامذة والأصدقاء بأنهم من «محبي أفلاطون«. وممن اشتهر بعده في الفلسفة في هذه الجامعة نفسها أفستاثيوس الثيسالونيكي الذي أظهر مقدرةً كبيرةً في تدريس هوميروس وبيندار، ومما قيل فيه آنئذٍ: إن محاضراته جمعت بين علم أرسطو ووَحْيِ الشعراء، والواقعُ الذي يَعترفُ به رجالُ الاختصاص من علماء هذا العصر أَنَّ قسطنطينية القرن الثاني عشر أَيَّدَتْ الثقافة الكلاسيكية وجعلتْ منها أساس التهذيب والتثقيف لأبنائها (2). وظل التاريخُ واللاهوتُ يَحْتَلَّان المكانةَ الأُولى في النتاج الأدبي، فقامت حنَّة ابنة أليكسيوس الأول تؤرخ حياةَ والدها، فصنفت ملحمتها الشهيرة الأليكسياذة، وقد سبقت الإشارةُ إليها، وكتب زوجها نيقيفوروس بريانوس في وُصُول الأسرة الكومنينية إلى العرش فأرَّخ السنوات 1070 إلى 1079، وكتب أليكسيوس الأول نفسه في اللاهوت ضد الهراطقة فصنَّف تأملاته Muses ووجهها إلى ابنه وولي عهده يوحنا (3)، ولا نعلم ما إذا كان يوحنا مِمَّنْ تَذَوَّقَ الأدب، ولكننا نعلم جيدًا أَنَّ أخاه إسحاق كتب في تَطَوُّر ملحمة هوميروس في العصور الوسطى، وكتب عمانوئيل الفسيلفس في التنجيم فدافع عن هذا «العلم» ضد تَهَجُّمَات الإكليروس، وأرسل مصنَّف بطليموس المجسطي إلى ملك صقلية النورمندي فنقل حوالي السنة 1160 إلى اللاتينية (4). ومن أشهر مؤرخي هذا القرن يوحنا كنَّاموس Cinnamus؛ فإنه دوَّن أخبار الفسيلفسين يوحنا وعمانوئيل فأكمل أليكسياذة حنَّة، واتبع هذا المؤرخ هيرودوتوس وبروكوبيوس في طريقة التأريخ ودافع دفاعًا شديدًا عن حُقُوق الإمبراطورية الشرقية والكنيسة الأرثوذكسية ضد مطامع الإمبراطورية الغربية ومطالب الكنيسة الباباوية، وأشهر من كنَّاموس بكثير نيقيتاس الخونياتي Nicetas Choniates، ولد في خونة من أعمال الأناضول في منتصف القرن الثاني عشر، وتَلَقَّى علومه في القسطنطينية ثم استوظف في أواخر عهد عمانوئيل، ولمع في عهد الأسرة الأنجيلوسية، ولدى استيلاء الصليبيين على القسطنطينية التجأ إلى الفسيلفس ثيودوروس النيقاوي، وأشهر مؤلفاته تاريخُهُ الكبير الذي جاء في عشرين مجلدًا، وفيه تاريخ الروم منذ أن تبوأ العرش يوحنا كومنينوس حتى سقوط العاصمة في يد الصليبيين (1118–1204)، ويرى ثيودور أوسبنسكي العلامة الروسي أن نيقيتاس فاق جميع زملائه — في الشرق والغرب معًا — أمانةً وتدقيقًا (5). واشتد الإقبال على مطالعة التاريخ في هذه الآونة، فنشط للتأليف فيه عددٌ آخر من الرجال أمثال: كدرينوس Cedrenus وزوناراس Zonaras ومناسيس Manases وغليقاس Glykas، الذين أخرجوا موجزات للتاريخ العالمي على الطريقة الخريقونية القديمة، ويُستدل من أسلوبهم في الكتابة ومِن بعض ألفاظهم أنهم لم يكونوا أَقَلَّ اطلاعًا مِن سواهم مِن علماء ذلك العصر على نِتاجِ العهد الكلاسيكي القديم، فساهموا بعملهم هذا في بدء النهضة العلمية الحديثة في أوروبة جمعاء. وقضت ظروف الكنيسة، من حيث المشادة التي كانت ناشبةً آنئذٍ بين رومة والقسطنطينية ومن حيث ظهور بعض البدع، بأن تهب للدفاع عن الأرثوذكسية الحقة، فقام أفتيموس زيغابينوس Zigabenos بانوبليته الشهيرة (الدرع الكاملة العدة) لدحض هرطقات ذلك العصر ونقضها بالحجة (6)، وممن اشتهر في هذا الجدل الديني في القرن الثاني عشر نيقولاووس ميثونيوس Methonius ونيقيتاس الخونياتي المؤرخ الذي ورد ذكره آنفًا. وقضتْ ظُروفُ التشريفات في القصر وفي المقر البطريركي المسكوني بأن يجتهد عددٌ من الأدباء في فَنِّ الخطابة والفصاحة، فعَادَ هؤلاء أيضًا إلى مخلفات العصر الكلاسيكي؛ لاستيحائها والإفادة منها، وبين هؤلاء أفسيتاسيوس الثيسالونيكي وميخائيل الخونياتي أخو نيقيتاس المؤرخ ورئيس أساقفة آثينة وميخائيل الإيطالي ونيقيفوروس باسيلاكس Basilakes وباسيليوس رئيس أساقفة أوخريدة، وفي مكتبة الإسكوريال مجموعةٌ من هذا النوع من التصنيف، تعودُ إلى القرن الذي نحن بصدده (7). ويرى العلامةُ الإفرنسي شارل ديل المتخصص في تاريخ الروم وفنونهم؛ أَنَّ أُدَباء الروم في القرن الثاني عشر وعلماءهم إذا ما قُورِنُوا بزملائهم في الغرب في هذا القرن نفسه ظهروا أساتذةً معلمين لا مُناظرين، ومِنْ أَلْطَفِ ما جاء في تأييد هذا القول تلك المناظرة العلنية التي جَرَتْ في عهد يوحنا الثاني في القسطنطينية في السنة 1135 بين أَنسيلموس أسقف إبلبرج اللاتيني ونيقيتاس رئيس أساقفة نيقوميذية؛ فإن أنسيلموس بعد أن جادل نيقيتاس جدالًا طويلًا في انبثاق الروح القدس وفي استعمال الفطير، استند في تأييد آرائه على أن الكنيسة اللاتينية كانت دائمًا مستقيمة الرأي، وطعن في الكنيسة الأرثوذكسية واتهمها بأن كل الهرطقات قامت فيها، فأجابه نيقيتاس بأنه لا ينكر ذلك وإنما يعزو هذه الظاهرة لانكباب رجال كنائس الشرق على العلوم والفلسفة، ثم قال: وافهم يا صاح أنه وإن تكن جميع الهرطقات خرجت من اليونان فإن هدمها أيضًا تمَّ على أيدي طائفةٍ من أبناء اليونان. وخلص إلى القول بأنه لم يكن ممكنًا أن تولد هرطقات في رومة؛ لأن العلم وتوقُّد الذهن وقوة العقل في رجالها؛ كانت أمورًا نادرةً. ثم قال: إننا لا ننكر على كنيسة رومة تقدمها على إخوانها الكنائس البطريركية الأربع الأخرى، ونوافق على أن تَرْأَسَ المجامع المسكونية، ولكنها خرجت عن حدود سلطانها وقسمت بين مملكة الشرق والغرب وبين الكنائس، ونحن وإن لم يكن بيننا وبين الكنيسة الرومانية انقسامٌ في الإيمان البتة، فكيف يُمكننا أن نقبل قوانينَ مسنونةً دون معرفتنا! (8).
..........................................
1- Heisenberg, A., Apostelkirche in Konstantinopel, Leipzig, 1908.
2- Diehl, C., Europe Orientale, 106.
3- Maas, Die Museu des Kaisers Alexios, Byz. Zeit. 1913, 348–367.
4- Diehl, C., La Société Byz. à l’Epoque des Comnènes, Rev. Hist. du S. E., Européen, 1929, 198–280.
5- Uspensky, Th., A Byzantine Writer, See Vasilieve, A. A., Byz. Emp. p. 495.
6- Patrologia Graeca, CXXX, 9–1362.
7- Diehl, C., Europe Orientale, 107; Vasiliev, A. A., Byz. Emp., 492–494.
8- ولا بد من القول بأن ما أورده الأب هنري موسه في المجلد الأول من تاريخه للكنيسة في هذا الموضوع هو ناقص، فلتراجعْ مراجعُهُ في مَحلاتها: Musset, H., Hist. du Christianisme Sp. en Orient, I, 467–469.
|
|
علامات بسيطة في جسدك قد تنذر بمرض "قاتل"
|
|
|
|
|
أول صور ثلاثية الأبعاد للغدة الزعترية البشرية
|
|
|
|
|
مكتبة أمّ البنين النسويّة تصدر العدد 212 من مجلّة رياض الزهراء (عليها السلام)
|
|
|