عُثر على بقايا عظميةٍ لكثيرٍ من الحيوانات في العديد من المواقع الفلسطينية، لا سيما موقع كهف جبل الكارمل؛ إذ عُثر فيه على بقايا فرس النهر والجمل البري والخيول والوعول وبعض أنواع من الماشية البرية، وذلك منذ العصر الحجري القديم الأسفل والأوسط (1).
ولقد ظهرت بعضٌ من الدفنات الحيوانية، لحيواناتٍ كان من النادر دفنُها هناك، وكان من بين هذه الحيوانات:
الخنزير
عُثر على بقايا الخنزير منذ العصر الحجري القديم الأوسط؛ إذ اهتم إنسان النياندرتال بوضع أحد الأجزاء الحيوانية مع الموتى؛ ففي مغارة السخول بجبل الكرمل، عُثر على أكبرِ تجمُّع للقبور النياندرتالية الفلسطينية؛ إذ اشتملت المغارة على دفناتٍ آدميةٍ، دُفنت في حُفرٍ ضحلةٍ في وضع الانحناء، كان أهمها تلك الدفنة الخاصة بأكبر المدفونين سنًّا الذي كان يقبض على عظم فك خنزير بري، ربما كنوع من القربان الجنائزي (2).
وربما عبَّر وضْعُ أحد الأجزاء الحيوانية مع الموتى، عن كونه قربانًا نذريًّا قُدِّم طَمعًا في حماية الموتى للأحياء، ولتحقيق النجاح في الصيد، فكان ذلك دليلًا على رسوخ فكرة الحياة الأخرى التي آمن بها إنسان النياندرتال فبدأ بتزويد الموتى بالأسلحة والعظام الحيوانية، وطلائها بالمُغْرة الحمراء رمز الدم الذي يُعَد بالتالي رمزًا للبعث والحياة (3). وهناك أمورٌ لا بد من إدراكها عند تفسير مثل تلك الدفنات الحيوانية النياندرتالية، فلا بد من التمييز بين الرمز الحيواني للنوع الواحد، وبين باقي أفراد القطيع، فهم مجرد ظلال له (4). وربما كان حرص النياندرتاليون على تزويد الموتى بالأجزاء الحيوانية، فيه إشارة إلى ما كانوا يقدِّمونه من قرابين جنائزية للمتوفَّى الذي يستعد لرحلته الطويلة.
ومن ثَم فقد كانت تلك البقايا الحيوانية التي عُثر عليها في دفنات إنسان النياندرتال، ما هي إلا استهلالٌ لما عُرف بعادة تقديم القرابين الجنائزية التي استمر تواجدها طوال شتى مراحل العصور التاريخية (5).
وفي العصر الحجري الحديث تأكَّد وجود الخنزير واستئناسه في أغلب مواقع بلاد الشام، وعُثر على بقاياه العظمية في مواقع عدة بفلسطين، كالخيام ونحال أورين وغيرها (6).
ولقد عُثر في منطقة عين غزال على اثنتين من الدفنات الحيوانية، وذلك في فناء أحد الأبنية بالمنزل رقم C2 بالموقع، كانت الدفنتان قد اشتملتا على عظام خنازير، وبدراستها تبيَّن أنها كانت بمثابةِ دفناتٍ فرعيةٍ ملحقةٍ بالدفنات الآدمية التي عُثر عليها في الممر المؤدي إلى المدخل الجنوبي للمنزل، تحت الأرضية، وكانت هذه هي عادة الدفن المتَّبعة بهذا الموقع آنذاك (7). وربما قُصد من الدفنتين القضاءُ على الشر— لا سيما وأنَّ دفنهما كان عند مدخل المنزل — وذلك لو اعتبرنا أنَّ الخنزير كان من الحيوانات النجسة غير المحبَّبة (كما في مصر).
هذا، ومن المعروف أنَّ الخنزير كان أيضًا مرتبطًا بفكرة الأنوثة والخصوبة، ولربما كانت هناك طقوسٌ نطوفية ارتبطت بهذا الحيوان (8)، واستمرَّت بعد ذلك.
ولربما كانت هاتان الدفنتان أحد أدلة تلك الشعائر، إلا أنَّ الأدلة الأثرية تشير إلى أنَّ الخنزير المستأنس، كان على قدْرٍ أقلَّ من الأهمية في فلسطين من باقي الحيوانات الأخرى (9).
ولم يتكرَّر العثور على مثل تلك الدفنات، إلا أنَّه عُثر بالقرب من نحال بيسور على سلسلة من الحُفَر المتعددة، على مساحةٍ تقدَّر بحوالي 50م، وبها عُثر على العديد من العظام الحيوانية، وذلك بأربعة مستوياتٍ بالموقع، تُؤرَّخ بالعصر البرونزي المبكر الأول، وكانت عظام الخنزير من بين تلك العظام الحيوانية (10).
الحصان
عُثر في عرق الأحمر (11) ⋆ على أسنان خيول تصحب كلٌّ منها على ما يبدو إحدى الجماجم الآدمية، جاءت جماجم الموتى بأوضاعٍ متباينةٍ، ولربما كان في اقتران تلك الدفنة الجماعية، بأسنان الحصان مغزاه الديني المتمثِّل في كونها نوعًا من التقدمات الجنائزية ذات الدلالة الرمزية (12). هذا بخلاف العثور على دفنة رائعة لحصانٍ له ساق واحدة فقط، وفُصلت عنه الثلاثة الأخرى، وذلك بالأردن جنوب شرق البحر الميت، ولا بد أنَّ ذلك كان له دلالته الطقسية التي لم تتضح بعدُ (13).
وهكذا يتضح كيف كان هناك اهتمامٌ وتركيز على اختيار دفن أجزاء من الحيوانات دون سواها، كانت تُفضَّل للتقديم — لو صحَّ التعبير — عن غيرها من أجزاء الجسم الأخرى، ولا شك أنَّ في تفضيلها ما يشير إلى قيمةٍ وفائدةٍ لها لدى سكان ذلك العصر (14).
ولعل دفن أسنان الخيول يذكِّرنا بحالةٍ مماثلةٍ — ليس في نوعية الحيوان وإنما في الاهتمام بدفن الأسنان — كانت قد جاءت في مصر؛ إذ عُثر على ناب خنزير بري كان يعلو صدر المتوفَّى في إحدى دفنات مرمدة بني سلامة (15) فربما كانت بمثابةِ تمائمَ أو مُعلقاتٍ.
القط
عُثر في أريحا (16) ⋆ على بقايا هيكلٍ لقطٍّ وُجِد بين مجموعةٍ من الهياكل الآدمية في دفنةٍ جماعية، ولا ندري أكان الهيكل لقطٍّ بريٍّ أم مستأنَس، تُؤرَّخ تلك الدفنة ﺑ 7000ق.م. وقد عُثر كذلك على بقايا حيوانية أخرى عديدة اختلطت ببقايا عظام آدمية في دفنات مختلطة، كانت الغلبة فيها لعظام القطط، ولا ندري أكان هناك صلةٌ من نوعٍ ما بينهم أم لا؟! ويصعُب تحديدُ ما إذا كانت تلك البقايا العظمية لقطط برية أم مستأنَسة (17).
................................................
(1) Bodenheimer, F., 1960, p. 29. Maringer, T., Op. Cit., p. 38.
(2) Clark, G., Prehistoric societies, New York, 1968, p. 68; Anati, E., 1963, p. 101; Clark, G., World prehistory in now perspective, London, 1977, p. 38.
(3) Maringer, T., Op. Cit., pp. 15–20.
(4) فراس السواح، «دين الإنسان»، دمشق (د.ت)، ص134–135.
(5) فراس السواح، مرجع سابق، ص128–129.
(6) Anati, E., Op. Cit., p. 240; CLutton-Brock, J., “The early history of domesticated animals western Asia” in: summer, vol. 36, 1980, pp. 37–41.
«ربما استُؤنس الخنزير في أجزاءٍ كثيرة من آسيا، لا سيما جنوبها الغربي وشمالها، منذ حوالي الألف السابع ق.م.».
(7) Kuijt, I and Corning-Morris, N., “Foraging, farming and social complexity in the pre-pottery Neolithic of the southern Levant: A review and synthesis” in: JWP., Vol. 16, 2002, p. 416.
(8) Anati, E., The question of fertility cults, Amsterdam, 1988, p. 7.
(9) Bodenheimer, F. S., Animal life in Palestine, Jerusalem, 1935, p. 130.
(10) Horwitz, L. M., Op. Cit., pp. 112–116, 124.
(11) ⋆ عرق الأحمر: من المواقع النطوفية الهامة بصحراء النقب، جنوب فلسطين: Gilead, D., Judean desert-prehistoric sites” in: Encyclopedia of archeology, excavations in: the Holy-land, Vol. III, Oxford, 1977, pp. 661-662.
(12) جاك كوفان، «ديانات العصر الحجري الحديث»، ص36، و«القرى الأولى في بلاد الشام»، ص162.
(13) Rast, W. E., and schwab R. T., “The 1977 expedition to the south eastern Dead Sea plain, Jordan” in: AASOR, Vol. 46, 1979, p. 135.
(14) Hesse, B., and Wapnish, P., Animal bone archaeology, Washington, 1985, pp. 13-14.
(15) Eiwanger, T., Merimde Beni salâme III, pp. 81-82.
(16) ⋆ تُعرف أريحا حاليًّا بتل السلطان وهي تقع على بُعد 5كم شمال البحر الميت بفلسطين.
(17) Clutton-Brock, J., Domesticated animals from early times, London, 1981, p. 111; Borowski, O., Every Living thing, pp. 145-146.