1. شأن النزول: قال قتادة: كانت عادتهنّ في الجاهليّة أن يكتمن الحمل؛ ليُلحقن الولد بالزوج الجديد. ففي ذلك نزلت الآية. وحكى أن رجلاً من أشجع أتى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله إني طلقت امرأتي وهي حُبلى ولستُ آمن أن تتزوج فيصير ولدي لغيري؛ فأنزل الله الآية وردت أمرأة الأشجعي عليه[1].
تنويه: كانت مسألة التبنّي وإلحاق النسب موجودة في الجاهلية القديمة والحديثة ولا تزال وهي من أكبر الأخطار التي تهدد سلامة العائلة؛ وقد جـاء تشريع العدّة ليضمن سلامة الأصل من الاختلاط ويحفظ شجرة العائلة.
2. المراد من (القرء) وميزان عدة الطلاق: قال أبو جعفر عليه السلام: الأقـراء هي الأطهار. وقال: القروء ما بين الحيضتين[2].
تنويه: أوضح الإمام الباقر عليه السلام أن ما يدعى (القرء) هو الطهـر بـين الحيضتين. وميزان عدة الطلاق التي بانقضائها تنفصل المرأة عن زوجها هو ثلاثة أطهار حيث تنتهي العدّة بنزول دم الحيض الثالث بناء على أن الطهر الذي لم تقع فيه مواقعة. وهو ظرف الطلاق ـ يعد طهراً أولاً وينقضي الطهر الأول بالحيض الأوّل، وينقضي الطهر الثاني بالحيض الثاني وينقضي الطهر الثالث بالحيض الثالث.
وقد صرح الإمام الباقر عليه السلام بهذا المضمون جواباً على سؤال محمد بن مسلم الذي قال: سألت أبا جعفر عليه السلام في رجل طلق امرأته، متى تبـيـن مـنـه؟ قال: حين يطلع الدم من الحيضة الثالثة[3]، أي عند ظهور الحيض الثالث تكون قد حصلت الأطهار الثلاثة.
3. حرمة كتمان النساء للظهر والحيض والحمل: عن أبي عبد الله عليه السلام: (وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ) [البقرة: 228] قال: لا يحل للمرأة أن تكتم حملها أو حيضها أو طهرها؛ وقد فرض الله على النساء ثلاثة أشياء: الطهر والحيض والحبل[4].
تنويه: لا يجوز للنساء كتمان الحمل أو الحيض أو الطهر، وقد أوجب الله عليهن إعلان هذه الأشياء الثلاثة[5]. ولا يختص هذا الحكم بالمطلقة؛ إذ الإشارة إلى الطلاق هي بسبب كون محور بحث الآية المذكورة هو النساء المطلقات.
تنبيه: خصّ البعض حرمة الكتمان بالحيض، وبعضهم بالطهر وآخرون بالحمل[6]، إلا أنه لا دليل على الاختصاص.
4. حق الزوجة على الزوج وحقه عليها: وروي أن امرأة معاذ قالت: يا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ما حق الزوجة على زوجها؟ قال (صلى الله عليه وآله): أن لا يضرب وجهها، ولا يقبحها، وأن يُطعمها تما يأكل، ويلبسها مما يلبس، ولا يهجرها[7].
وقال أبو عبد الله عليه السلام: يشبع بطنها، ويكسو جنّتها، وإن جهلت غفر لها[8].
وروي عنه (صلى الله عليه وآله) أنه قال: اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله. ومن حقكم عليهن أن لا يوطئن فراشكم من تكرهونه فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف[9].
روي عن الباقر عليه السلام قال: جاءت امرأت امرأة الى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقالت: يا رسول الله ما حق الزوج على المرأة؟ فقال لها: أن تطيعه ولا تعصيه ولا تتصدق من بيتها بشيء إلا بإذنه ولا تصوم تطوعا إلا بإذنه ولا تمنعه نفسها وان كانت على ظهر قتب ولا تخرج من بيتها إلا بإذنه فان خرجت بغير اذنه لعنتها ملائكة السماء والأرض وملائكة الغضب وملائكة الرحمة حتى ترجع الى بيتها[10].
وقوله: (وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) [البقرة: 228] قال: حق الرجال على النساء أفضل من حق النساء على الرجال[11].
تنويه: في هذه الروايات الواردة بمناسبة جملة: (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) [البقرة: 228] في ذيل الاية التي هي مورد البحث تمت الاشارة الى بعض الحقوق المصرحة للزوجة على زوجها:
أ. ألا يضربها ولا ينعتها بالقبح والسوء. ب. ألا يهجرها. ج. أن يوفر لها الغذاء والملابس المناسبة. د. أن يسامحها على أخطائها. هـ. أن يراعي التقوى فيها. و. أن يعتبر المرأة أمانة إلهية حلت للرجل باسم الله.
كما ذكرت الروايات بعضا من حقوق الزوج على زوجته وهي:
أ. الاطاعة المعقولة للزوج طبقا لما ورد في الفقه. ب. ألا تعطي أموال الزوج للآخرين دون موافقته. ج. أن لا تصوم صوما مستحبا دون موافقة الزوج. د. أن تكون في اختيار الزوج دائما وتمكنه متى شاء من نفسها هـ. أن لا تخرج من البيت دون اجازة الزوج فإن فعلت لعنتها ملائكة السماء والأرض وملائكة الغضب والرحمة حتى تعود اليه.
5. معنى كلام أمير المؤمنين عليه السلام في ذم النساء: قال علي عليه السلام معاشر الناس إن النساء نواقص الايمان نواقص الحظوظ نواقص العقول.
فأما نقصان إيمانهن فقعودهن عن الصلاة والصيام في أيام حيضهن.
وأما نقصان عقولهن فشهادة امرأتين كشهادة الرجل الواحد.
وأما نقصان حظوظهن فمواريثهن على الانصاف من مواريث الرجال.
فأتقوا شرار النساء وكونوا من خيارهن على حذر ولا تطيعوهن في المعروف حتى لا يطمعن في المنكر[12].
تنويه: هناك بعض النقاط يستحق التأمل في توضيح هذه الرواية:
أ. في ما يخص نقص ايمان النساء جاء في الروايات أن المرأة الحائض لو توضأت وجلست في مصلاها متجهة نحو القبلة بمقدار وقت الصلاة ونطقت بالذكر فستحصل على نفس ثواب الصلاة.
وكذلك يمكن التعويض عن نقص الصيام أيضا بقضاء ما فاتها منه.
أضف الى ذلك أن النساء يقع عليهن التكليف في سن أقل من سن كليف الرجال.
ب. أما في موضوع الارث ففي بعض الموارد كسهم الابناء يكون سهم المرأة من سهم الرجل في حين يكون سهم المرأة مساويا لسهم الرجل في موارد اخرى كما هي حال الاب والام اللذين يكون لكل منهما السدس في بعض فروض الارث: (إِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ۚ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ) [النساء: 11].
وفي الموارد التي يكون سهم المرأة من الارث فيها أقل من سهم الرجل جرى التعويض عن هذه القلة بشكل اخر اذ إن ما تستفيده النساء من منافع سهمهن أكثر مما يستفيده الرجال من سهمهم حيث إن جميع مصاريف النساء من ملبس ومأكل ومسكن ومهر و... هي على عاتق الرجال.
ج. أما نقص العقل في النساء فالمقصود به هو عقلهن الاجتماعي لا العقل الذي به تنال الجنة ويعبد الخالق حيث يفهم هذا الطلب بوضوح من استدلال الامام علي عليه السلام يكون شهادة امرأتين تعادل شهادة رجل واحد فالعقل الاجتماعي للنساء أضعف من عقل الرجال الاجتماعي بسبب عدم تواجدهن الفعال في المجتمع مما يجعلهن عرضة لسهولة خداعهن.
د. إن نقص العقل الاجتماعي لا علاقة له بفهم الحكمة والفلسفة والكلام والفقه والأصول والعلوم الطبيعية ولا امتياز للرجال على النساء في تحصيل العلوم المذكورة.
هـ. يظهر من كلام الامام علي عليه السلام قبول شهادة المرأة من حيث المبدأ كما يكفي فقيها أيضا شهادة امرأة واحدة في بعض الموارد كشهادة القابلة.
تذييل: ان الاجابة على التساؤلات الكثيرة المطروحة في هذا المجال مرهونة بكتاب مستقل هو أقرب الى فن التفسير الموضوعي منه الى التفسير الترتيبي لكننا نبين بعض المطالب في هذا البحث تحت عنوان التذييل:
أولا: لزوم التدقيق في سند هذا الحديث واحراز وثاقته.
ثانيا: لزوم تقييم خلفية وسياق الحديث من هاتين الزاويتين المتفاوتتين اللتين تلعب كل منهما دورا حاسما أيضا.
ثالثا: في حالة الابهام أو الاجمال أو التعارض مع العقل البرهاني أو نقل معتبر آخر وعدم الوصول الى علاج فني لذلك يجب ارجاع علم ذلك الى أهل بيت الوحي عليهم السلام والامتناع عن الحكم والاستناد والاعتماد عليه في ابداء الآراء.
وهناك بعض المطالب المستظهرة من التأمل في هذا الحديث وهذا بعضها:
الاول: كما يشير شأن نزول الاية بوضوح الى بيان ما تقصده وما تشير اليه فإن شأن صدور الحديث أيضاً يبين اتجاه ذلك الحديث.
الثاني: أحياناً لا يكون لمورد النزول أو الصدور صبغة تخصيص الـعـام أو تقييد المطلق، وأحياناً لا يجوز التعدّي عن ذلك المورد، مثلما هي الحال مع آية التطهير وآية الولاية وآية التبليغ بالمأمور به، والتي هي من هذا السنخ.
الثالث: أن تقييم القضايا الواردة في الأدلة النقلية، لها الدور المؤثر في استنباط هل إن القضية الفلانية شخصيّة أم خارجية أم حقيقية؟ واستظهار السعة غير المقيدة ولا المشروطة يتوقف على كون تلك القضية حقيقية، لا خارجية لها حدودها الخاصة، ولا شخصية محدودة في إطار شخص معين.
الرابع: أن الحكم في قضيّة المعلّل يدور مدار نفس العلة. فإذا ورد نقد على تلك العلة، فإنّ الاعتماد على المعلول والاستناد إليه والميل نحوه سوف لا يكون أمراً عقلائياً، بل يجب التوقف وإيكال مهمّة حل رمز وسر ذلك إلى أهله.
الخامس: أنّ كلام أمير المؤمنين حول النساء قد قيل بعد حرب الجمل الدموية التي لم يكن راغباً بها وفُرضت عليه وكانت قيادتهـا بيـد امرأة مأمورة بملازمة بيتها: (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ) [الأحزاب: 33]، وقد دارت تلك الحرب على أرض البصرة. وفي مثل هذه الظروف كان الإمام أحياناً يذم أرض الحرب تلك ويعتبر البصرة أنتن المدن، وأحياناً يحمل على أهل تلك البقاع ويصفهم بأنهم أتباع البهيمة والجمل، كما يذم النساء أحياناً أخرى مشيراً إلى مثالبهن ومطاعنهن وقصورهن وضعفهن.
فهل إن أرض البصرة التي قدّمت الكثير من البركات، وهي الآن موطن شيعة العراق، هي أنتن المدن واقعاً؟ وهل إنّ حقيقة أهل البصرة التي بز منهـا العديد من رجال العلم والدين هي كنتم جند المرأة وأتباع البهيمة، رغا فأجبتم وعُقر فهربتم! أخلاقكم دقاق وعهدكم شقاق ودينكم نفاق... بلادكم أنتن بلاد الله تربة... وبها تسعة أعشار الشر[13].
فهل إن هذا النوع من القضايا عن سلوك وتصرفات وكتب أهل تلك البقاع تبقى ثابتة حتى يوم القيامة باعتبارها قضية حقيقية، مثل ما ورد عن خصائص أرض عرفات ومنى، التي على الرغم من كون نفس الأرض شخصاً معيناً، فهل يمكن أن تكون الأحكام والقوانين الحاكمة عليها بشكل القضية الحقيقية (على الرغم من أن ترسيم القضايا الحقيقية في العلوم الاعتبارية مكتنف بالصعوبة)، أم إنها من قبيل القضية الخارجية أو الشخصية؟
السادس: أن مطالب الإمام عليه السلام حول النساء معللة، ولو ظهر تأمل في علتها، فاتجاه المعلول يكون نحو الاضمحلال؛ لأنّ قيام وانم م وانهدام حكم المعلل يتوقفان على قوة وضعف العلّة. ومن خلال التأني في ساحة التعليل، يظهر وجود التأمل في المدعى السابق عليه، كما في الاستنتاج اللاحق له. وهذا الحديث الذي هو الخطبة 80 من نهج البلاغة عبارة عن مثلث يتشكل من المدعى السابق والتعليل المتوسط والاستنتاج اللاحق فالضلع الأول لهذا المثلث يمثل ادعاء نقص الإيمان ونقص الحظ ونقص العقل، بحيث لو لم يصر هذا المدعى معللاً لكان له حكم آخر. والضلع الثاني للحديث يمثل تعليل الادعاءات المذكورة، وضلعه الثالث يمثل الاستنتاج النهائي.
فالادعاءات ذكرناها، والآن نبحث في التعليل والنتيجة:
أ. التعليل: تم اعتبار محرومية المرأة من الصلاة والصيام في أيام الحيض علة لنقص إيمانها، في حين يُحرم الرجل والمرأة كلاهمـا مـن الـصـوم حين السفر والمرض، ويتم ترميمه بالقضاء.
وفي هذه المسألة أيضاً يكون الوضع كذلك حيث تتوفـق المرأة إلى قضاء الصوم بعد خروجها من العادة واغتسالها.
أما صلاتها الواجبة غير اليومية مثل صلاة الآيات و... فيعوض عنها بالقضاء؛ في حين تفوتها الصلاة الواجبة اليومية، لكن يستحب أن تتوضأ في وقت الصلاة الواجبة وتجلس متوجّهةً إلى القبلة بمقدار وقت صلاتها وتذكر الله سبحانه. إذن فاحتمال تعويض الفضيلة الفائتة دفعاً أو رفعاً موجود؛ إذ لو تم العمل بهذا المستحب في أول فرصة لكان مانعاً بعنوان الدفع (لا الرفع) من فوت الفضيلة. إن الذكر ومناجاة الله سبحانه هما العنصران المحوريان للعبادة، وأصل الصلاة أيضاً هو ذكر الله، والأمر بها أيضاً هو بعنوان ذكره: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي) [طه: 14]. ولا شك في أنه لا يمكن التجاوز عن مصداق الذكر بمقدار ذرة مما يؤدي إلى تبديل الصلاة الواجبة إلى ذكر غير صلاتي نتيجة الجهل ـ وكما أن حضور القلب له الدور الحاسم في الصلاة، ولا فرق في ذلك بين المرأة والرجل، فالأمر كذلك في الذكر والدعاء والمناجاة أيضاً.
ومع صرف النظر عن أنه إذا كان نقص المرأة عن الرجل يكمن في أنها محرومة من الصلاة والصوم في أيام الحيض من خلال ما ذكرناه من ملاحظات؛ فإنّ بلوغ المرأة يسبق بلوغ الرجل بعدة سنوات، وفي تلك السنوات التي لا ترى العديد من النساء فيها دم الحيض، يكنّ فيها موفّقات لأداء الصلاة والصوم في حين لا يزال الأبناء مشغولين باللعب في الأزقة ولم يتشرفوا بعد بخطاب (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) [البقرة: 104] كي يصبحوا من المخاطبين الإلهيين، وبلوغ التكليف ـ بـل التشريف ـ يحصل للنساء قبل تشرف الأولاد به بسنوات. والبلوغ هو بمعنى التشرف الإنساني، ويجب عدم تشبيهه بالبلوغ غير الإنساني (أي بلوغ الحيوانات المبكر). وفي جميع، ذلك تكون مسألة حضور القلب مأخوذة بنظر الاعتبار ودرجاتها المتفاوتة مختلفة لدى الرجال والنساء، فما أكثر النساء المتقيات اللاتي يكون حضور قلوبهن أشدّ من الرجال، وما أكثر الرجال المتقين الذين هم أكثر حضوراً للقلب من النساء.
إذن فهذه العلة عليلة لا يمكن الركون إليها.
وعلة نقص الحظ هي أنّ إرث المرأة نصف إرث الرجل.
وفي هذا التبرير تأمل، من حيث إنّ الثروة ليست علامة الكمال، وإلا لكان الفرد الغني أفضل من الفقير. في حين أن هذا المطلب ليس فقط لا يوافـق سـيـرة وسنة الإمام أمير المؤمنين عليه السلام بل لا يناسب أصل العقيدة وكيان الدين.
إن التحليل العقلي العميق لذلك الإمام عليه السلام حول أصل المال ووفرتـه وفقدانه، والنتيجة الفاخرة لذلك التحليل هي أن المستفيدين المترفين والمتمتعين بالنعمة الوافرة والمال الكثير هم الذين أهانهم الله.
وقطرة من ذلك البحر تتمثل في ما قاله ذلك الإمام عليه السلام بعد بيانه لنزاهة الأنبياء السابقين عن زخارف الدنيا، حيث قال عن براءة الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) من تلك الزخارف زويت عنه زخارفها مع عظيم زلفته فلينظر ناظر بعقله: أكرم الله محمدا بذلك أم أهانه؟ فإن قال أهانه فقد كذب والله العظيم. بالافك العظيم وإن قال أكرمه فليعلم أن الله قد أهان غيره حيث بسط الدنيا له وزواها عن أقرب الناس منه[14].
وعلى هذا فإن مال الدنيا وثروتها ليسا هما الكمال وصاحب الثروة لا يعد كاملا.
ولا شك في أن (السعي في الانتاج) و(القناعة في الاستهلاك) عن عنصران محوريان لتكامل المجتمع إلا أن أصل الثراء الفاحش من المال ليس كاملا.
كما قال الامام عليه السلام: أيضا قد حقر الدنيا وصغرها وأهون بها وهونها وعلم أن الله قد زواها عنه اختيارا وبسطها لغيره احتقارا[15].
وبهذا التحليل يتضح أن وجدان المال ليس كمالا وفقدانه ليس نقصا بل إن الكمال والنقص يجب البحث عنهما في معارف الحكمة العلمية وفي تقوى الله.
إذن فالعلة الثانية أيضا عليلة كالعلة السابقة.
وعلة نقص عقل المرأة هي أن شهادة أمرأتين بمنزلة شهادة رجل واحد.
وليس المقصود من العقل في هذا التعليل هو ذلك العقل المتعالي الذي يتمنى كل مؤمن تحصيله اذ إن ذلك العقل الذي قيل عنه ما عبد به الرحمن واكتسب به الجنان[16] هو أم الكمالات الانسانية بل المقصود به هو قدرة الحفظ وضبط الوقائع والأقوال والأفعال المشهوده في موقع الحادثة التي يجب على الشاهد أن يستودعها كلها في ذاكرته بصورة كاملة كي يستطيع أداء الشهادة التي تحملها في محكمة القضاء ولما كانت النساء يندر وجودها الفعال في مواقع الحوادث فمن الممكن أن تزول بعض زوايا الواقعة من ذهنها وفي مثل هذه الوضعية المحتملة تقوم المرأة الثاني التي ترافقها وهي التي قد حفظت تمام زوايا القصة بتذكير المرأة الناسية لا رجل آخر كان شاهدا تحمليا لمسرح الحادثة وهو الآن من يؤدي الشهادة للمحكمة.
وآية: (وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ...) [البقرة: 282] هي التي تدعم وتسند الخطبة العلوية.
إذن فيعض النساء تتمتع بذاكرة قوية تمكنها من أن تحفظ مسرح الحادثة بنفسها كما تستطيع أن تذكر بعضا آخر من النساء أيضا ولا تحتاج الى تذكيرها من قبل الرجال فما هو الضرر الذي يمكن أن يصيب العقل المحدود والممدوح من مثل هذا النسيان؟
فهذه العلة أيضا عليلة.
وعندما يكون تعليل أحد الاحكام مصحوبا بالإبهام الداخلي ولا يتوفر سبيل لحل ذلك الابهام فإن مثل هذا التعليل لا يصلح لاثبات المدعى السابق ولا لتصحيح الاستنتاج اللاحق لأن صدر وسياق الحديث المذكور يتوقفان على التعليل المتوسط لهما.
ب. النتيجة: تتمثل النتيجة النهائية للخطبة بما يلي: فاتقوا شرار النساء وكونوا من خيارهن على حذر ولا تطيعوهن في المعروف حتى لا يطعمن في المنكر[17].
إن سر قصور الاستدلال بهذا الحديث يكمن في أن الاستنتاج الوارد في ذيلة مرهون بتعليل عليل يتناقض محتواه مع سائر الاحاديث النورانية المتقنة لذلك الامام الهمام عليه السلام رغم امكانية تطبيقه على بعض الافراد نظير ما قيل حول نقصان عقل وقصر همة وقبح منظر البعض فتام الرواء ناقص العقل وماد القامة قصير الهمة وزاكي العمل قبيح المنظر الذي لا يتضمن تعليلا جامعا ولا تحليلا كلياً[18].
إذن فأفضل ما يمكن للمرء قوله في قبال هذا الحديث هو أن يقول: لست أدري واحالة علمه الى أهله ومصدره.
تنبيه: إن كل أنواع الحريات المعقولة والمقبولة الممنوحة للنساء في أوربا هي نتيجة تعليم الأنبياء السابقين خصوصا السيد المسيح عليه السلام وان كل انواع التحلل والابتعاد عن العفاف والنزعات غيره المشروعة والإباحية والتي ابتدعها الغرب هي ثمرة ضلالات المفكرين المنحرفين عن تعاليم المسيحية.
كما يجب عدم اغفال هذه الملاحظة القيمة وهي أن الاسلام هو الدين الالهي الوحيد لتمام الانبياء وأن كل واحد من الانبياء السابقين قد قم قوانينه الأصلية بما يتناسب مع ظروفه من حيث الزمان والمكان والقوميات والقبائل حتى اكتملت القوانين على يد الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله) المقتدرة.
[1] الجامع لأحكام القرآن، مج 2، ج 3، ص 111.
[2] تفسير العياشي، ج 1، ص 115.
[3] تفسير العياشي، ج 1، ص 115.
[4] تفسير القمي، ج 1، ص 74. وراجع أيضاً: وسائل الشيعة، ج 22، ص 222.
[5] راجع: تفسير العياشي، ج 1، ص 115.
[6] مجمع البیان، ج 1-2، ص 574؛ تفسير البحر المحيط، ج 1، ص198.
[7] مجمع البیان، ج 1-2، ص 575.
[8] من لا يحضره الفقيه، ج 3، ص 274، ح 2؛ تفسير كنز الدقائق، ج 1، ص 543.
[9] من لا يحضره الفقيه ج 3 ص274 ح تفسير كنز الدقائق ج1 ص543
[10] من لا يحضره الفقيه ج3 ص272 ح 1
[12] نهج البلاغة الخطبة :80
[13] نهج البلاغة الخطبة 13، الفقرات 1، 5 و6.
[14] نهج البلاغة الخطبة 160 الفقرتان 32-33
[15] نهج البلاغة الخطبة 109 الفقرتان 35-36
[16] الكافي ج1 ص11 بحار الانوار ج33 ص170
[17] نهج البلاغة الاية الخطبة 80
[18] نهج البلاغة الخطبة 234