الأولى: أنا مستحقّ التأديب، ولكن لا يكن ذلك التّأديب بالعقوبة؛ لأنَّه لا يمكن تحمّله، ولعلّه ممكن تحمّل عقوبة أخرى غير عقوبتك. ولا تمكر لي في حيلتك، فأنا لا أستطيع ردّ حيلتك أبداً، بعد ذلك (من أين لي الخير) ولا يوجد إلّا من عندك، فإلى أين أفرّ؟ ولا يوجد باب آخر، والنجاة كذلك (من أين لي النّجاة) لا تُستطاع هذه النّجاة إلّا بك. ففي الدّعاء نجد أنَّ الإمام (عليه السلام) يطلب أشياء كثيرة من الله تعالى في هذا الدعاء، ويحاول أن يغلق أبوابًا كثيرة، ويصحّح سلوك الإنسان مستقبلاً، فلا بُدّ من مدخل يبقى في الذّهن، ولا بُدّ أن نسلّم أنَّه لا يوجد شيء إلّا من الله تعالى أبداً، ويعزّز الإمام (عليه السلام) هذا المقام إذ قال: ((لاَ الَّذِي أَحْسَنَ اسْتَغْنَى عَنْ عَوْنِكَ وَرَحْمَتِكَ، وَلاَ الَّذِي أَسَاءَ وَاجْتَرَأَ عَلَيْكَ وَلَمْ يُرْضِكَ خَرَجَ عَنْ قُدْرَتِكَ)) (1).
الثانية: التّمسّك بالله تعالى حتّى ولو أحسنّا، فنحن لا يمكن أن نستغني عن الله تعالى، وهذا أمر نكرره في كلّ يومٍ في صلاتنا: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، وهذا العون الذي نستعينه بالله تعالى هو الإعانة على الطاعة، وترك المعاصي، ونحن بدون عون الله تعالى في الطاعة لا توفيق ولا قدرة لنا على العمل، وكمثال على ذلك، حينما أريد الذهاب الى المسجد، وأنا فاقد القدمين فذلك لا يمكن، وحينما أريد أن أتصدّق وأكون فاقدًا للمال، فكيف أتصدّق، وهكذا بقيّة الأعمال والأفعال.
لذلك لنحاول أن نستفيد من شهر رمضان المبارك وخاصّة في أعمال البر، وقضيّة البر من أهم القضايا التي أوصيكم بها، فلا تُقصّروا في البر في كل المجالات، وخاصّة في مجال الأخلاق؛ فهناك بعض الأمراض الروحيّة التي تنتابنا جميعاً، ونحتاج الى علاجها.
الثالثة: الإنسان الغافل مذموم، والنّاسي مذموم، لكن المتغافل ممدوح، والمتناسي ممدوح، والمتجاهل ممدوح؛ لأنَّ هذه الصفات هي فضائل وليست رذائل، فالإنسان عندما تسمع منه كلمة في حقّك سلبيّة ينبغي أن تتغافل عنه، وتترفّع عنه؛ حتّى إذا أراد أن يعتذر كن كأنّك لم تسمعه، وهذا هو السّموّ في الأخلاق، أن تتغافل عن صديقك إذا أساء، لا أن تبتكر فرية وتتّهمه بها، هنا الفرق بين هذا وذاك كالفرق بين السماء والأرض.
هناك فرق بين التّغافل والتّسامح وترك الأحقاد والانتقام وعدم إظهار الإساءة مطلقًا، فهذا يمكن أن نُسمّيه السّمو في الخلق، وبين صناعة التّهم والفرية، وتصديق السّاعين بالفتن والنّميمة والبُهتان، وترتيب الأثر عليها والقطيعة مع أخي، وفي الحقيقة هناك بعض الرّوايات الشَّريفة مرعبة في هذا المجال، عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَأَبِي عَبْدِ الله (عليها السلام) قَالا: ((أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ إِلَى الْكُفْرِ أَنْ يُوَاخِيَ الرَّجُلَ عَلَى الدِّينِ فَيُحْصِيَ عَلَيْهِ عَثَرَاتِهِ وَزَلاتِهِ لِيُعَنِّفَهُ بِهَا يَوْماً مَا)) (2)، وفي رواية أخرى عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ الله (عليه السلام) يَقُولُ: ((قَالَ رَسُولُ الله (صلى الله عليه وآله): يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُخْلِصِ الإيمَانَ إِلَى قَلْبِهِ، لا تَذُمُّوا الْمُسْلِمِينَ وَلا تَتَبَّعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَاتِهِمْ تَتَبَّعَ الله عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ الله تَعَالَى عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي بَيْتِهِ)) (3).
إنَّ الترفع عن الإساءة من حالات التّربية، والأدب، ولذلك النبي (صلى الله عليه وآله) قال: ((أَدَّبَنِي رَبِّي فأَحْسَنَ تَأْدِيبِي)) (4)، والتغاضي عن الإساءة من جملة ما أدّب اللهُ تعالى رسولَه (صلى الله عليه وآله)، وهذا خلق واضح نجده حتّى مع أنفسنا فنحن نسيء ولكن الله تعالى يسامحنا، ويعلم كم نرتكب من الذنوب، ويغفر لنا، ويعلم نوايانا ولكنّه لا ينتقم منّا، مع أنّنا نستحقّ العِقاب؛ لأنَّ الله تعالى ليس من شيمته الانتقام، ولذلك النّبي (صلى الله عليه وآله) تعلّم من الله تعالى، فكم شخص أساء للنبي (صلى الله عليه وآله) ولكن بمجرد أن يُسلِم فإنَّه (صلى الله عليه وآله) يُعرِض عنه ويسامحه، ويتغاضى عنه، فلا توجد هناك مسألة شخصيّة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مصباح المتهجّد وسلاح المتعبّد: 2 / 582.
(2) المحاسن: 1 / 140.
(3) الكافي: 2 / 354.
(4) بحار الأنوار: 68 / 382.