شهر رمضان المبارك هو ربيع الدعاء، والدعاء مدرسة يستطيع الإنسان من خلالها أن يصقل ذاته، فأدعية شهر رمضان وخصوصًا دعاء أبي حمزة الثّمالي، تزوّدنا بمعرفة الله تبارك وتعالى، ومعرفة أنفسنا وصقلها بالمعارف إذا ما تلوناها بتدبّر وتمعّن، أمّا إذا قرأنا الأدعية دون أن نتوجّه إلى معانيها ونتدبّر فيها، ودون أن نتعمّق في كلماتها وأصولها، فإنَّها سوف تصبح بالنسبة إلينا كقراءة أيّ كتابٍ عاديّ لا يمتلك أيّ صفات استثنائية، لذلك فلننظر في شهر رمضان الكريم: كم اهتممنا بالدّعاء؟ وكم من الدّرجات ارتقينا؟ وليكن جهد الواحد منَّا مُنْصَبًّا على الحصول على درجات أعلى، وهذا لا يمكن حصوله إلّا من خلال السّعي المكثّف، وقراءة الآيات القرآنيّة، وقراءة الأدعية المأثورة، وقيام الليل، والتّهجّد في شهر رمضان المبارك.
إنَّ الظّروف مهيّأة لنا على أكمل وجهٍ في هذا الشّهر المبارك، قال الرّسول الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله): ((أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ أَبْوَابَ الْجِنَانِ فِي هَذَا الشَّهْرِ مُفَتَّحَةٌ، فَاسْأَلُوا رَبَّكُمْ أَنْ لا يُغَلِّقَهَا عَنْكُمْ، وَأَبْوَابَ النِّيرَانِ مُغَلَّقَةٌ، فَاسْأَلُوا رَبَّكُمْ أَنْ لا يُفَتِّحَهَا عَلَيْكُمْ، وَالشَّيَاطِينَ مَغْلُولَةٌ، فَاسْأَلُوا رَبَّكُمْ أَنْ لا يُسَلِّطَهَا عَلَيْكُمْ)) (1).
ولا يبقى لنا عذر حتَّى نستفيد من نفحات هذا الشّهر المبارك، فكلّ شيء مهيَّأ وهناك منهاج متكامل قد وضعه لنا المعصوم وخاصّة الدّعاء في شهر رمضان، ومن أهمّها دعاء أبي حمزة الثّمالي.
إنَّه من جملة الأدعية النَّادرة التي نفتخر بها نحن شيعة ومحبّو أهل البيت (عليهم السلام)، فهو من الأدعية عالية المضامين جدًّا، ويحتاج من الإنسان أن يتأمّل بعبارات الدّعاء، وأن يوفّق لقراءته كلَّ ليلة، أو على الأقل يقرأ مقطعًا من الدّعاء في كلّ ليلة، ويتدبّر فيه. فالدعاء عنهم (عليهم السلام) نور يهدي إلى كلّ خير.
فنحن نقرأ في أدعيتهم: ((اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد وَآلِهِ وَارْزُقْنِي الرَّغْبَةَ فِي الْعَمَـلِ لَكَ لآخِـرَتِي، حَتَّى أَعْرِفَ صِدْقَ ذلِكَ مِنْ قَلْبِي، وَحَتَّى يَكُونَ الْغَالِبُ عَلَيَّ الزُّهْدُ فِي دُنْيَايَ، وَحَتَّى أَعْمَلَ الحَسَنَاتِ شَوْقاً، وَآمَنَ مِنَ السَّيِّئاتِ فَرَقاً وَخَوْفاً، وَهَبْ لِي نُوراً أَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ، وَأَهْتَدِي بِهِ فِي الظُّلُماتِ، وَأَسْتَضِيءُ بِهِ مِنَ الشَّكِّ وَالشُّبُهَـاتِ..)) (2).
لذلك ونحن في مشهد أبي الفضل (عليه السلام)، وفي رحاب شخصيته المباركة، ندعو إلى قراءة ومعرفة هذه الشخصيّة أيضًا من خلال نصوصهم (عليهم السلام): ((سَلامُ اللهِ وَسَلامُ مَلائِكَتِهِ المُقَرَّبينَ وَاَنْبِيائِهِ المُرْسَلينَ وَعِبادِهِ الصّالِحينَ وَجَميعِ الشُّهَداءِ وَالصِّدّيقينَ، وَالزَّاكِياتُ الطَّيِّباتُ فيـما تَغْتَدي وَتَرُوحُ عَلَيْكَ يَا بْنَ أميرِ المُؤْمِنينَ، اَشْهَدُ لَكَ بِالتَّسْليمِ وَالتَّصْديقِ وَالْوَفاءِ وَالنَّصيحَةِ لِخَلَفِ النَّبِيِّ (صلى الله عليه وآله) المُرْسَلِ، وَالسِّبْطِ المُنْتَجَبِ، وَالدَّليلِ الْعالِمِ، وَالْوَصِيِّ المُبَلِّغِ، وَالمَظْلُومِ المُهْتَضَمِ، فَجَزاكَ اللهُ عَنْ رَسُولِهِ وَعَنْ أميرِ المُؤْمِنينَ وَعَنِ الحَسَنِ وَالحُسَيْنِ صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِمْ أفْضَلَ الجَزاءِ بِما صَبَرْتَ وَأحْتَسَبْتَ وَأعَنْتَ فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ...)) (3).
فنحن عندما نكون بجواره لا بُدَّ أن نُحاذر، وأن نخاف، وأن نحتاط، وأن نستغلّ الفرصة؛ حتَّى لا تأتي على الإنسان ساعة يندم فيها على عشرات السنوات من الحياة، فقد يمرض الإنسان فجأة، ويندم على خمسين سنة قضاها في الصّحّة؛ لأنَّه لم يستفد منها، وأحيانًا كثيرة يُدخل الإنسان نفسه فيما لا ينبغي فيغيب عنه ما ينبغي له أن يفعل.
دعاء أبي حمزة الثمالي كلمات لا نمتلك أمامها إلَّا الدهشة والخشوع لله تعالى، إنَّه بمثابة فرصة قد عرضت أمامنا قد نوفّق إذا استثمرناها وفق المطلوب.
لو تأمّلنا في فقرات الدعاء سنقف مذهولين: ((سَيِّدِي لَعَلَّكَ عَنْ بَابِكَ طَرَدْتَنِي، وَعَنْ خِدْمَتِكَ نَحَّيْتَنِي، أَوْ لَعَلَّكَ رَأَيْتَنِي مُسْتَخِفّا بِحَقِّكَ فَأَقْصَيْتَنِي، أَوْ لَعَلَّكَ رَأَيْتَنِي مُعْرِضاً عَنْكَ فَقَلَيْتَنِي، أَوْ لَعَلَّكَ وَجَدْتَنِي فِي مَقَامِ الْكَاذِبِينَ [الْكَذَّابِينَ] فَرَفَضْتَنِي، أَوْ لَعَلَّكَ رَأَيْتَنِي غَيْرَ شَاكِرٍ لِنَعْمَائِكَ فَحَرَمْتَنِي، أَوْ لَعَلَّكَ فَقَدْتَنِي مِنْ مَجَالِسِ الْعُلَمَاءِ فَخَذَلْتَنِي، أَوْ لَعَلَّكَ رَأَيْتَنِي فِي الْغَافِلِينَ فَمِنْ رَحْمَتِكَ آيَسْتَنِي، أَوْ لَعَلَّكَ رَأَيْتَنِي آلِفَ مَجَالِسِ الْبَطَّالِينَ فَبَيْنِي وَبَيْنَهُمْ خَلَّيْتَنِي، أَوْ لَعَلَّكَ لَمْ تُحِبَّ أَنْ تَسْمَعَ دُعَائِي فَبَاعَدْتَنِي، أَوْ لَعَلَّكَ بِجُرْمِي وَجَرِيرَتِي كَافَيْتَنِي، أَوْ لَعَلَّكَ بِقِلَّةِ حَيَائِي مِنْكَ جَازَيْتَنِي، فَإِنْ عَفَوْتَ يَا رَبِّ فَطَالَما عَفَوْتَ عَنِ المُذْنِبِينَ قَبْلِي؛ لِأَنَّ كَرَمَكَ أَيْ رَبِّ يَجِلُّ عَنْ مُكَافَاةِ المُقَصِّرِينَ، وََأَنَا عَائِذٌ بِفَضْلِكَ هَارِبٌ مِنْكَ إِلَيْكَ مُتَنَجِّزٌ [مُنْتَجِزٌ] مَا وَعَدْتَ مِنَ الصَّفْحِ عَمَّنْ أَحْسَنَ بِكَ ظَنّاً، إِلَهِي أَنْتَ أَوْسَعُ فَضْلاً وَأَعْظَمُ حِلْماً مِنْ أَنْ تُقَايِسَنِي بِعَمَلِي، أَوْ أَنْ تَسْتَزِلَّنِي بِخَطِيئَتِي، وَمَا أَنَا يَا سَيِّدِي وَمَا خَطَرِي هَبْنِي بِفَضْلِكَ سَيِّدِي)) (4)، يشكو الدّاعي حرمانه من قضايا كثيرة، فلماذا حرمت؟
((اللهُمَّ تُبْ عَلَيَّ حَتَّى لا أَعْصِيَكَ، وَأَلْهِمْنِي الخَيْرَ وَالْعَمَلَ بِهِ، وَخَشْيَتَكَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَا أَبْقَيْتَنِي يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ، اللهُمَّ إِنِّي كُلَّمَا قُلْتُ قَدْ تَهَيَّأْتُ وَتَعَبَّأْتُ [تَعَبَّيْتُ] وَقُمْتُ لِلصَّلاةِ بَيْنَ يَدَيْكَ وَنَاجَيْتُكَ أَلْقَيْتَ عَلَيَّ نُعَاسا إِذَا أَنَا صَلَّيْتُ، وَسَلَبْتَنِي مُنَاجَاتَكَ إِذَا أَنَا نَاجَيْتُ، مَا لِي كُلَّمَا قُلْتُ قَدْ صَلَحَتْ سَرِيرَتِي وَقَرُبَ مِنْ مَجَالِسِ التَّوَّابِينَ مَجْلِسِي عَرَضَتْ لِي بَلِيَّةٌ أَزَالَتْ قَدَمِي وَحَالَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ خِدْمَتِكَ)) (5).
إنَّ في أدعيتهم (عليهم السلام) الكثير من الجواهر والدرر لو استطاع الإنسان أن يفوز بها لبلغ المراتب العظيمة في هذه الحياة، ومن هذه الدرر الاستعاذة الواردة عنهم (عليهم السلام) في أدعيتهم والتي تكون مساوقة للاستعاذة من الشيطان: ((اللهُمَّ اِنّي اَعُوذُ بِكَ مِنْ نَفْس لا تَشْبَعُ، وَمِنْ قَلْب لا يَخْشَعُ، وَمِنْ عِلْمٍ لا يَنْفَعُ، وِمِنْ صلاةٍ لا تُرْفَعُ، وَمِنْ دُعاءٍ لا يُسْمَعُ)) (6).
لعل الإنسان لم تدمع عينه قط في صلاته أربعين سنة، وعندما تسألني، أقول: هذا لم يعرف من الصّلاة شيئًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الأمالي للصدوق: ص 95.
(2) الصحيفة السجّاديّة: ص 108 ــ 110.
(3) كامل الزيارات: ص 256.
(4) مصباح المتهجّد وسلاح المتعبّد: 2 / 588.
(5) المصدر نفسه.
(6) من لا يحضره الفقيه: 1 / 335.