من أبرز مصاديق حكمته تعالى ـ الثابتة بفضل القول بالتحسين والتقبيح العقليين ـ عدله ، بمعنى قيامه بالقسط وأنّه لا يجور ولا يظلم وسنفرده بالبحث مع بيان مكانته في التشريع الإسلامي. ويترتب عليه بعض النتائج منها :
أ ـ قبح العقاب بلا بيان: إذا كان الله تعالى عادلا ، فإنه لا يعاقب عباده من دون أن يبين لهم تكاليفهم ، فإنّ ذلك ظلم يحكم العقل بقبحه ولزوم تنزّه الواجب عنه. من دون فرق بين أن لا يقع البيان أصلا ، أو يقع ولا يصل إليهم لأسباب وعوامل معينة. وهذا الأصل مما اتفق عليه الأصوليون وبنوا عليه أصالة البراءة في الشبهات غير المقترنة بالعلم الإجمالي.
نعم ، المسألة تبتنى على التحسين والتقبيح العقليين إذا لم تثبت البراءة من الشرع بواسطة الكتاب والسنة، والمفروض أنّ البحث فيها بعده.
ب ـ قبح التكليف بما لا يطاق: من نتائج حكم العقل بعدله تعالى، حكمه بلزوم وجود التمكّن والقدرة في العبد للإتيان بما يكلّفون به ، وأنّ تكليفهم وإلزامهم بما هو فوق طاقتهم ظلم وهو قبيح لا يصدر عن الحكيم ، ولأجل أهمية هذا البحث نفرده أيضا ببحث مستقل بعد عرض هذه النتائج.
ج ـ مدى تأثير القضاء والقدر في مصير الإنسان: من جملة المسائل المترتبة على عدله تعالى ، تأثير القضاء والقدر في مصير الإنسان ، وهذه المسألة مع كونها من المسائل الأصولية في العقيدة الإسلامية ، مما وقع فيه الجدل والنقاش إلى درجة التكفير وإراقة الدماء بين المسلمين في العصور الأولى. ويتفرع عليها مسألة البداء أو تغيير المصير بالأعمال الصالحة أو الطالحة. وحيث إنّ الوقوف عليهما يتوقف على الإسهاب والتفصيل في مباحثهما ، خصصنا كلّا منهما بفصل خاص من فصول الكتاب.
د ـ اختيار الإنسان: من جملة المسائل المترتبة على عدله تعالى ، اختيار الإنسان في أفعال نفسه ، وذلك أنّ كونه مجبورا مسيّرا فيما يقوم به ، ظلم وجور. وحيث إنّ هذه المسألة أيضا من المسائل التي كثر فيها الجدال وتعددت فيها الآراء بين إفراط وتفريط ، أفردناها بالبحث في فصل مستقلّ من الكتاب ، مع ما يتفرع عليها من البحوث حول الحسنة والسيئة ، والهداية والضلالة وغير ذلك.
هـ ـ المصحح للعقاب الأخروي: من جملة التساؤلات التي طرحت حول عدله سبحانه، ما هو المصحح للعقاب الأخروي؟ وذلك من جهتين:
الأولى ـ لما ذا العقاب الأخروي؟ هل هو للتّشفي أو الانتقام وكلاهما نقص تعالى الله عنه.
الثانية ـ إنّ مقتضى القانون العقلي أن تكون العقوبة على مقدار الجرم ، والتخلف عن ذلك ظلم وجور تنزّه
الله عنه ، فلم يخلّد الكافرون والمجرمون في النار أبدا؟
وسنجيب عنهما بعد التعرّض للبحث عن عدله تعالى (1).
______________
(1) وهناك جملة أخرى من التساؤلات حول حكمته وعدله تعالى، أجاب عنها الأستاذ دام ظله في موسوعته «الله خالق الكون»، فلاحظ ص 97 ـ 99. وص 269 ـ 281.