0
settings
الوضع الليلي
moon
انماط الصفحة الرئيسية arrow
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

التوحيد

النظر و المعرفة

اثبات وجود الله تعالى و وحدانيته

صفات الله تعالى

الصفات الثبوتية

القدرة و الاختيار

العلم و الحكمة

الحياة و الادراك

الارادة

السمع و البصر

التكلم و الصدق

الأزلية و الأبدية

الصفات الجلالية ( السلبية )

الصفات - مواضيع عامة

معنى التوحيد و مراتبه

العدل

البداء

التكليف

الجبر و التفويض

الحسن و القبح

القضاء و القدر

اللطف الالهي

مواضيع عامة

النبوة

اثبات النبوة

الانبياء

العصمة

الغرض من بعثة الانبياء

المعجزة

صفات النبي

النبي محمد (صلى الله عليه وآله)

مواضيع متفرقة

القرآن الكريم

الامامة

الامامة تعريفها ووجوبها وشرائطها

صفات الأئمة وفضائلهم ومودتهم

العصمة

امامة الامام علي عليه السلام

إمامة الأئمة الأثني عشر

الأمام المهدي عجل الله فرجه الشريف

الرجعة

المعاد

تعريف المعاد و الدليل عليه

المعاد الجسماني

الموت و القبر و البرزخ

القيامة

الثواب و العقاب

الجنة و النار

الشفاعة

التوبة

فرق و أديان

علم الملل و النحل ومصنفاته

علل تكون الفرق و المذاهب

الفرق بين الفرق

الشيعة الاثنا عشرية

أهل السنة و الجماعة

أهل الحديث و الحشوية

الخوارج

المعتزلة

الزيدية

الاشاعرة

الاسماعيلية

الاباضية

القدرية

المرجئة

الماتريدية

الظاهرية

الجبرية

المفوضة

المجسمة

الجهمية

الصوفية

الكرامية

الغلو

الدروز

القاديانيّة

الشيخية

النصيرية

الحنابلة

السلفية

الوهابية

شبهات و ردود

التوحيـــــــد

العـــــــدل

النبـــــــوة

الامامـــــــة

المعـــاد

القرآن الكريم

الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام)

الزهراء (عليها السلام)

الامام الحسين (عليه السلام) و كربلاء

الامام المهدي (عليه السلام)

إمامة الائمـــــــة الاثني عشر

العصمـــــــة

الغلـــــــو

التقية

الشفاعة والدعاء والتوسل والاستغاثة

الاسلام والمسلمين

الشيعة والتشيع

اديان و مذاهب و فرق

الصحابة

ابو بكر و عمر و عثمان و مشروعية خلافتهم

نساء النبي (صلى الله عليه واله و سلم)

البكاء على الميت و احياء ذكرى الصاحين

التبرك و الزيارة و البناء على القبور

الفقه

سيرة و تاريخ

مواضيع عامة

مقالات عقائدية

مصطلحات عقائدية

أسئلة وأجوبة عقائدية

التوحيد

اثبات الصانع ونفي الشريك عنه

اسماء وصفات الباري تعالى

التجسيم والتشبيه

النظر والمعرفة

رؤية الله تعالى

مواضيع عامة

النبوة والأنبياء

الإمامة

العدل الإلهي

المعاد

القرآن الكريم

القرآن

آيات القرآن العقائدية

تحريف القرآن

النبي محمد صلى الله عليه وآله

فاطمة الزهراء عليها السلام

الاسلام والمسلمين

الصحابة

الأئمة الإثنا عشر

الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام

أدلة إمامة إمير المؤمنين

الإمام الحسن عليه السلام

الإمام الحسين عليه السلام

الإمام السجاد عليه السلام

الإمام الباقر عليه السلام

الإمام الصادق عليه السلام

الإمام الكاظم عليه السلام

الإمام الرضا عليه السلام

الإمام الجواد عليه السلام

الإمام الهادي عليه السلام

الإمام العسكري عليه السلام

الإمام المهدي عليه السلام

إمامة الأئمة الإثنا عشر

الشيعة والتشيع

العصمة

الموالاة والتبري واللعن

أهل البيت عليهم السلام

علم المعصوم

أديان وفرق ومذاهب

الإسماعيلية

الأصولية والاخبارية والشيخية

الخوارج والأباضية

السبئية وعبد الله بن سبأ

الصوفية والتصوف

العلويين

الغلاة

النواصب

الفرقة الناجية

المعتزلة والاشاعرة

الوهابية ومحمد بن عبد الوهاب

أهل السنة

أهل الكتاب

زيد بن علي والزيدية

مواضيع عامة

البكاء والعزاء وإحياء المناسبات

احاديث وروايات

حديث اثنا عشر خليفة

حديث الغدير

حديث الثقلين

حديث الدار

حديث السفينة

حديث المنزلة

حديث المؤاخاة

حديث رد الشمس

حديث مدينة العلم

حديث من مات ولم يعرف إمام زمانه

احاديث متنوعة

التوسل والاستغاثة بالاولياء

الجبر والاختيار والقضاء والقدر

الجنة والنار

الخلق والخليقة

الدعاء والذكر والاستخارة

الذنب والابتلاء والتوبة

الشفاعة

الفقه

القبور

المرأة

الملائكة

أولياء وخلفاء وشخصيات

أبو الفضل العباس عليه السلام

زينب الكبرى عليها السلام

مريم عليها السلام

ابو طالب

ابن عباس

المختار الثقفي

ابن تيمية

أبو هريرة

أبو بكر

عثمان بن عفان

عمر بن الخطاب

محمد بن الحنفية

خالد بن الوليد

معاوية بن ابي سفيان

يزيد بن معاوية

عمر بن عبد العزيز

شخصيات متفرقة

زوجات النبي صلى الله عليه وآله

زيارة المعصوم

سيرة وتاريخ

علم الحديث والرجال

كتب ومؤلفات

مفاهيم ومصطلحات

اسئلة عامة

أصول الدين وفروعه

الاسراء والمعراج

الرجعة

الحوزة العلمية

الولاية التكوينية والتشريعية

تزويج عمر من ام كلثوم

الشيطان

فتوحات وثورات وغزوات

عالم الذر

البدعة

التقية

البيعة

رزية يوم الخميس

نهج البلاغة

مواضيع مختلفة

الحوار العقائدي

* التوحيد

* العدل

* النبوة

* الإمامة

* المعاد

* الرجعة

* القرآن الكريم

* النبي محمد (صلى الله عليه وآله)

* أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله)

* فضائل النبي وآله

* الإمام علي (عليه السلام)

* فاطمة الزهراء (عليها السلام)

* الإمام الحسين (عليه السلام) وكربلاء

* الإمام المهدي (عجل الله فرجه)

* زوجات النبي (صلى الله عليه وآله)

* الخلفاء والملوك بعد الرسول ومشروعية سلطتهم

* العـصمة

* التقيــة

* الملائكة

* الأولياء والصالحين

* فرق وأديان

* الشيعة والتشيع

* التوسل وبناء القبور وزيارتها

* العلم والعلماء

* سيرة وتاريخ

* أحاديث وروايات

* طُرف الحوارات

* آداب وأخلاق

* الفقه والأصول والشرائع

* مواضيع عامة

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

بحث حول التحسين والتقبيح العقليان

المؤلف:  أبحاث الشيخ جعفر السبحاني بقلم الشيخ حسن محمد مكي العاملي

المصدر:  الإلهيّات على هدى الكتاب والسنّة والعقل

الجزء والصفحة:  ج1، ص 232 - 315

2026-09-21

24

+

-

20

ذهبت العدلية إلى أنّ هناك أفعالا يدرك العقل من صميم ذاته من دون استعانة من الشرع أنها حسنة ، يجب القيام بها ، أو قبيحة يجب التنزه عنها. ولو أمر الشارع بالأولى ونهى عن الثّانية ، فهو كاشف عما يدركه العقل ومرشد إليه. وليس للشرع أن يعكس القضية بأن يحسّن ما قبّحه العقل ، أو يقبّح ما حسّنه.

وقالت الأشاعرة ، لا حكم للعقل في حسن الأشياء وقبحها ، ولا يتسم فعل بالحسن أو القبح بذاته قبل ورود الشرع ، فلأجل ذلك لا حسن إلّا ما حسّنه الشارع ، ولا قبيح إلّا ما قبحه. فلو كان الظلم قبيحا ، فلأن الشارع نهى عنه ، ولو كان العدل حسنا فلأنه أمر به. ولو عكس وجعل العدل قبيحا والظلم حسنا ، لكان كما قال.

ثم إنّ القائلين بالحسن والقبح العقليين يقسّمون الأفعال من حيث الاتصاف بهما إلى أقسام ثلاثة :

الأول : ما يكون الفعل بنفسه علّة تامة للحسن والقبح ، وهذا ما يسمّى بالحسن والقبح الذاتيين ، مثل العدل والظلم. فالعدل بما هو عدل ، لا يكون إلّا حسنا أبدا ، ومتى ما وجد لا بدّ أن يمدح فاعله ويعدّ محسنا ، وكذلك الظلم بما هو ظلم لا يكون إلّا قبيحا ومتى ما وجد ففاعله مذموم ومسيء. ويستحيل أن يكون العدل قبيحا والظلم حسنا.

الثاني : ما لا يكون الفعل علّة تامة لأحدهما ، بل يكون مقتضيا للاتصاف بهما ، بحيث لو خلّي الفعل ونفسه ، فإمّا أن يكون حسنا كتعظيم الصديق بما هو هو أو يكون قبيحا كتحقيره. ولكنه لا يمتنع أن يكون التعظيم مذموما لعروض عنوان عليه كما إذا كان سببا لظلم ثالث ، أو يكون التحقير ممدوحا لعروض عنوان عليه كما إذا صار سببا لنجاته. ولا ينحصر المثال بهما بل الصدق والكذب أيضا من هذا القبيل. فالصدق الذي فيه ضرر على المجتمع قبيح ، كما أنّ الكذب الذي فيه نجاة الإنسان البريء حسن. وهذا بخلاف العدل والظلم فلا يجوز أن يتّسم العدل ـ بما هو عدل ـ بالقبح ، والظلم ـ بما هو ظلم ـ بالحسن.

الثالث ـ ما لا علّية له ولا اقتضاء فيه في نفسه للاتصاف بأحدهما ، وإنما يتبع الجهات الطارئة والعناوين المنطبقة عليه ، وهذا كالضّرب فإنّه حسن للتأديب ، وقبيح للإيذاء.

هذا هو التقسيم الرائج بينهم. والغرض المطلوب في هذا البحث هو تبيين أنّ هناك أفعالا يدرك العقل إذا طالعها ، بقطع النظر عن كل الجهات الطارئة عليها ، أنّها حسنة يجب أن يمدح فاعلها أو قبيحة يجب أن يذمّ. ولا نقول إنّ كل فعل من الأفعال داخل في هذا الإطار.

وبعبارة أخرى : إنّ النزاع بين الفريقين دائر بين الإيجاب الجزئي والسلب الكلّي ، فالعدلية يقولون بالأول والأشاعرة بالثاني.

في إطلاقات الحسن والقبح: لا شك أنّ للحسن والقبح معنى واحدا ، وإنما الكلام في ملاك كون الشيء حسنا أو قبيحا. وهو يختلف باختلاف الموارد ، فقد ذكر للحسن والقبح ملاكات نوردها فيما يلي :

1 ـ ملاءمة الطبع ومنافرته. فالمشهد الجميل ـ بما أنّه يلائم الطبع ـ يعدّ حسنا ، كما أنّ المشهد المخوف ، ـ بما أنّه منافر للطبع ـ يعدّ قبيحا. ومثله الطعام اللذيذ والصوت الناعم ، فإنهما حسنان كما أنّ الدواء المرّ ونهيق الحمار قبيحان. والحسن والقبح بهذا الملاك ليسا محل البحث والاختلاف. أضف إلى ذلك أنّهما لا يمكنهما الثبات والدوام ، لاختلاف الطبائع.

2 ـ موافقة الغرض والمصلحة الشخصيّة والنوعيّة ومخالفتهما. فقتل إنسان لعدائه حسن ، حيث إنّه موافق لأغراض القاتل الشخصية. ولكنه قبيح لأصدقاء المقتول وأهله ، لمخالفته لأغراضهم ومصالحهم الشخصية. هذا في المجال الشخصي. وأمّا في المجال النوعي ، فإنّ العدل بما أنّه حافظ لنظام المجتمع ومصالح النوع فهو حسن وبما أنّ الظلم هادم للنظام ومخالف لمصلحة النوع فهو قبيح. وهذا أيضا خارج عن مجال البحث بين العدليّة والأشاعرة ، فإنّ المصالح الشخصيّة لا تصحح توصيف الفعل بالحسن والقبح على وجه الدوام ، لما عرفت من اختلاف الأغراض والمصالح الشخصية. فربّ فعل كالقتل حسن عند فرد أو جمع وقبيح عند آخرين والبحث إنّما هو عن الحسن والقبح الذاتيين اللذين لا يتغير الاتصاف بهما عند قوم دون قوم ، وجيل دون جيل ، بل يكون حكما ثابتا للفعل أبدا.

وأمّا المصالح النوعيّة ـ كبقاء النظام وانهدامه ـ فهي وإن كانت تصبغ الفعل بالحسن والقبح على وجه الثبات والدوام ، لكن لا يصحّ توصيف الحسن والقبح في هذا المورد بالذاتيين. لأنّ المراد بالذاتي كون ملاحظة نفس الفعل ـ مع غضّ النظر عن غيره ـ موجبا لإدراك العقل حسنه أو قبحه ، وليس الأمر كذلك في توصيف الفعل بالحسن أو القبح لأجل المصالح والمفاسد النوعية ، فإنّ لتلك الأغراض الخارجة عن حقيقة الفعل دخالة في إدراك العقل وتوصيفه. فلأجل ذلك يجب أن يكون مثل ذلك خارجا عن محل النزاع، ولو اعترف الأشاعرة بحسن العدل وقبح الظلم من هذه الزاوية ، فلا يمكن عدهم موافقين للعدلية.

3 ـ كون الشيء كمالا للنفس أو نقصا لها ، كالعلم والجهل ، فالأول زين لها والثاني شين. ولكنّ التحسين والتقبيح بهذا المعنى لا غبار عليه وليس محلا للنقاش. إذ لا أظن أنّ أحدا على أديم الأرض ينكر كون العلم والشجاعة والفصاحة كمالا وحسنا ، والجهل والجبن والفهاهة نقصا وقبيحا.

فهذه الملاكات الثلاثة على فرض كونها ملاكات للاتصاف بالحسن والقبح ، خارجة عن حريم البحث ، وإنّما البحث بين العدلية وغيرهم في الملاك الرابع التالي :

4 ـ ما استحق من الأفعال مدح فاعله عدّ عند العقلاء حسنا ، وما استحق منها ذما عدّ عندهم قبيحا. وذلك بملاحظة الفعل نفسه من حيث هو هو ، من دون ضم شيء إليه ، ومن دون أن يلاحظ كونه مشتملا على نفع شخصي أو نوعي ، فيستقل العقل بحسنه ووجوب فعله ، أو قبحه ووجوب تركه.

وإن شئت قلت : إذا وقع الفعل في إطار العقل البشري من دون فرق بين الأفراد ، ومع غض النظر عن أي شيء آخر غير الفعل نفسه ، وجده العقل موصوفا بالحسن وقابلا للمدح ، أو على العكس. وهذا كما إذا لاحظ جزاء الإحسان بالإحسان فيحكم بحسنه ، وجزاءه بالإساءة فيحكم بقبحه. فالعقل في حكمه هذا ، لا يلاحظ سوى نفس الموضوع ، من دون أن يتصور كونه يتضمن صلاحا أو فسادا. فمبحث الحسن والقبح الذاتيين ، لا يهدف إلّا إلى هذا القسم.

والأقسام الثلاثة الأولى خارجة عن مجال البحث ، كما أنّ التحسين والتقبيح العاديين ، كتحسين خروج الجندي بالبزّة العسكرية وتقبيح خروج العالم باللباس غير المناسب ، خارجان أيضا عن محل البحث.

وربما يتوهم أنّ للتحسين والتقبيح ملاكا خامسا ، هو أنّ الحسن ما استحق الثواب عند الله ، والقبيح ما استحق العقاب عنده. ولكنه خارج عن مجال البحث أيضا ، كيف وقد بحث عن أصل التحسين والتقبيح البراهمة الذين لا يدينون بشريعة فضلا عن الاعتقاد بالثواب والعقاب في الآخرة ، فكيف يكون هذا ملاك البحث. نعم قد اتخذ هذا الوجه سنادا من أراد أن ينكر الحسن والقبح ، بحجة أنّ العلم باستحقاق الثواب والعقاب على الفعل خارج عن نطاق العقل ، وداخل في مجال الشرع.

ومما قدمنا يعلم ما فيه.

ولأجل زيادة البيان في تعيين محل النزاع بين الأشاعرة والعدلية نأتي بالتوضيح التالى :

إنّ كثيرا من الباحثين عن التحسين والتقبيح العقليين ، يعلّلون حسن العدل والإحسان ، وقبح الظلم والعدوان ، باشتمال الأول على مصلحة عامة وباشتمال الثاني على مفسدة كذلك. ولأجل تلك النتائج عم الاعتراف بحسن الأول وقبح الثاني الجميع. ولكنك عرفت أنّ ملاك البحث أوسع من ذلك ، وأنّ المسألة مركزة على لحاظ نفس الفعل مع غض النظر عن تواليه وتوابعه ، هل يدرك العقل حسنه أو قبحه ، أو لا؟ وهل العقل يمدح إحسان المحسن بالإحسان ، ويذم جزاء المحسن بالإساءة أو لا؟ وهل العقل يقبح تكليف الإنسان بما لا يطيقه ، أو لا؟ وهل العقل يحسّن عمل العامل بالميثاق ، أو لا؟ فالنقاش على هذا الصعيد لا بالنظر إلى الأغراض والمصالح ، فرديّة كانت أم اجتماعيّة.

فالقائلون بالتقبيح والتحسين العقليين يقولون : إنّ كل عاقل مميّز ، يجد من صميم ذاته حسن بعض الأفعال وقبح بعضها الآخر ، وإنّ هذه الأحكام نابعة من صميم القوة العاقلة والهويّة الإنسانيّة المثاليّة.

وأول من قام بتحرير محل النزاع على الوجه الذي قررناه هو المحقق اللاهيجي في تأليفه الكلامية. وأوضح دليل على صواب تحريره هو أن الغرض من طرح هذه المسألة التوصل إلى التعرف على أفعاله سبحانه ، وأنّ العقل هل يستطيع أن يستكشف وصف أفعاله ، أو لا؟ وأنّ ما هو حسن عند العقل أو قبيح عنده هل هو كذلك عند الله تعالى؟ ولا يمكن ذلك الاستكشاف إلّا بكون المدار في التحسين والتقبيح على ملاحظة نفس الفعل بما هو هو.

وعلى ذلك فلا معنى للبحث عن التحسين والتقبيح بالملاكات السّابقة من الملاءمة والمنافرة للطبع ، أو موافقة الغرض ومخالفته ، أو كونه حافظا وهادما للنظام والمجتمع ، وإلّا لبطلت الغاية التي طرحت لأجلها تلك المسألة وهي التعرف على أفعال الباري سبحانه.

هل التّحسين والتّقبيح العقليّان من المشهورات؟

ربما يظهر من بعض الحكماء والمتكلمين أنّ التحسين والتقبيح العقليين من المشهورات التي اتفقت عليها آراء العقلاء وتسمى ب «الآراء المحمودة».

وقال الشيخ الرئيس في (الإشارات) : فأما المشهورات ... ومنها الآراء المسماة ب «المحمودة» ، وربما خصصناها باسم «المشهورة» ، إذ لا عمدة لها إلّا الشهرة. وهي آراء لو خلّي الإنسان وعقله المجرد ، ووهّمه وحسّه ، ولم يؤدّب بقبول قضاياها والاعتراف بها ، ولم يمل الاستقراء بظنه القوي إلى حكم ، لكثرة الجزئيات ، ولم يستدع إليها ما في طبيعة الإنسان من الرحمة والخجل والأنفة والحميّة وغير ذلك ، لم يقض بها الإنسان طاعة لعقله أو وهمه أو حسّه. مثل حكمنا إنّ سلب مال الإنسان قبيح وإنّ الكذب قبيح لا ينبغي أن يقدم عليه. ومن هذا الجنس ما يسبق إلى وهم كثير من الناس ، وإن صرف كثيرا عنه الشرع من قبح ذبح الحيوان ، اتباعا لما في الغريزة من الرقة لمن تكون غريزته كذلك ، وهم أكثر الناس.

وليس شيء من هذا يوجبه العقل الساذج ، ولو توهم نفسه وأنّه خلق دفعة تام العقل ولم يسمع أدبا ولم يطع انفعالا نفسانيا أو خلقيا ، لم يقض في أمثال هذه القضايا بشيء ، بل أمكنه أن يجهله ويتوقف فيه. وليس كذلك حال قضائه بأنّ الكلّ أعظم من الجزء ـ إلى أن قال ـ : فالمشهورات إمّا من الواجبات وإما من التأديبات الصلاحية ، وما يتطابق عليه الشرائع الإلهية ، وإمّا خلقيّات وانفعاليّات ، وإمّا استقرائيات وإما اصطلاحيّات ، وهي إمّا بحسب الإطلاق ، وإما بحسب أصحاب صناعة وملة» (1).

فها إنّك ترى أنّ الشيخ الرئيس يعدّ كون سلب مال الإنسان قبيحا ، من القضايا المشهورة وأنّه ليس له مدرك سوى آراء العقلاء وأن الإنسان لو خلي وعقله ، ولم يؤدب بقبول قضاياها ، لم يقض بقبحه.

وقد وافقه على ذلك المحقق الطوسي في شرحه على الإشارات.

يلاحظ عليه : إنّ القياس ينقسم إلى أقسام خمسة :

1 ـ برهاني ، 2 ـ جدلي ، 3 ـ خطابي ، 4 ـ شعري ، 5 ـ سفسطي.

والأول منها يتركب من اليقينيّات وأصولها ستة :

1 ـ الأوليّات،   2 ـ المشاهدات، 3 ـ التجربيّات،

4 ـ الحدسيّات،  5 ـ المتواترات، 6 ـ الفطريات.

وأما الثاني ـ أعني القياس الجدلي ـ فيتألف من المشهورات والمسلّمات ، سواء أكانت عند الكل أم عند طائفة خاصة.

وعلى ذلك فالمشهورات من مبادي الجدل ، وهو يقابل القياس البرهاني. فلو جعل التحسين والتقبيح العقليان من المشهورات وأدخل في القياس الجدلي وعرف بأنّه لا مدرك له إلّا الشهرة التي لو خلي الإنسان وعقله المجرّد ووهمه وحسّه ، ولم يؤدّب بقبول قضاياها لم يقض بها ، يلزم إنكار التحسين والتقبيح العقليين وإثبات العقلائي منهما. وهو غير ما يتبناه القائلون بالعقلي.

أضف إليه أنّ جعلهما من المشهورات وإخراجهما من القياس البرهاني وإدخالهما تحت القياس الجدلي يبطل جميع الأحكام والآثار التي تترتب على القول بالعقلي ، كما أوضحناه. إذ على هذا ، لا يكون التحسين والتقبيح برهانيا ، فلا يكون ما يترتب عليه مبرهنا به بل يعدّ من المشهورات التي تطابقت عليها آراء العقلاء. ومن الممكن جدا اتفاق العقلاء على ضدها ، فعند ذلك يكون الحسن قبيحا والقبيح حسنا.

فإن قلت : إنّ الشيخ الرئيس جعل المشهورات أعم مما هو من مبادي الجدل ، فأدخل فيها الأوليّات حيث قال في صدر كلامه : «أمّا المشهورات من هذه الجملة فمنها أيضا هذه الأوليات ونحوها مما يجب قبوله ومنها الآراء المسماة ب (المحمودة) وربما خصصناها باسم (المشهورة) إذ لا عمدة لها إلّا الشهرة».

قلت : ما ذكرتم صحيح ، فإنّ المشهورات عنده أعمّ من اليقينيات وغيرها حتى أنّ الأوليات لها اعتباران ، فمن حيث انه يعترف بها عموم الناس تعدّ مشهورات ، ومن حيث إنه يحكم بها محض العقل ويجب قبولها يقينيات. وفي مقابل هذا القسم ، قسم آخر للمشهورات وهي غير يقينيات ويتوقف العقل الصرف في الحكم بها ، ولكن لعموم النّاس بها اعتراف وتسمى «آراء محمودة» ، وربما يخصص هذا القسم باسم المشهورات. فالمشهورات تقال بالاشتراك المعنوي على ما يعمّ اعتراف الناس بها ، ولها قسمان : يقينيّات، وغير يقينيّات. ولكن الشيخ ومن تبعه عدّوا التحسين والتقبيح من القسم الثاني ، وهو يستلزم إنكار التحسين والتقبيح العقليين وما بني عليه من الأحكام ، فلاحظ.

ما هو الملاك للحكم بحسن الأفعال وقبحها؟

إذا كان محل النزاع ما ذكرنا من إدراك العقل حسن الفعل أو قبحه بالنظر إلى ذاته مع غض النظر عما يترتب عليه من التوالي ، فيقع الكلام في أنّ العقل كيف يقضي بالحسن والقبح ، وما هو الملاك في قضائه؟ إنّ الملاك لقضاء العقل هو أنه يجد بعض الأفعال موافقا للجانب الأعلى من الإنسان والوجه المثالي في الوجود البشري ، وعدم موافقة بعضها الآخر لذلك.

وإن شئت قلت : إنّه يدرك أنّ بعض الأفعال كمال للموجود الحي المختار ، وبعضها الآخر نقص له ، فيحكم بحسن الأول ولزوم الاتصاف به ، وقبح الثاني ولزوم تركه. ولو عمّم الطبع ـ فيما ذكرنا من الملاكات ـ لهذا المعنى أي الطبع الأعلى في الإنسان ، لكان هذا المعنى داخلا في لملاك الأول.

توضيح ذلك : إنّ الحكماء قسموا العقل إلى عقل نظري وعقل عملي ، فقد قال المعلم الثاني : «إنّ النظرية هي التي بها يحوز الإنسان علم ما ليس من شأنه أن يعمله إنسان ، والعملية هي التي يعرف بها ما من شأنه أن يعمله الإنسان بإرادته».

وقال الحكيم السبزواري في توضيحه : «إنّ العقل النظري والعقل العملي من شأنهما التعقّل ، لكن النظري شأنه العلوم الصرفة غير المتعلقة بالعمل مثل : الله موجود واحد ، وأنّ صفاته عين ذاته ، ونحو ذلك.

والعملي شأنه العلوم المتعلقة بالعمل مثل : «التوكّل حسن» و «الرضا والتسليم والصبر محمودة». وهذا العقل هو المستعمل في علم الأخلاق ، فليس العقلان كقوتين متباينتين أو كضميمتين ، بل هما كجهتين لشيء واحد وهو الناطقة» (2).

ثم ، كما أنّ في الحكمة النظرية قضايا نظرية تنتهي إلى قضايا بديهية ، ولو لا ذلك لعقمت القياسات وصارت غير منتجة ، فهكذا في الحكمة العملية ، قضايا غير معلومة لا تعرف إلّا بالانتهاء إلى قضايا ضرورية ، وإلّا لما عرف الإنسان شيئا من قضايا الحكمة العملية. فكما أنّ العقل يدرك القضايا البديهيّة في الحكمة النظرية من صميم ذاته فهكذا يدرك بديهيات القضايا في الحكمة العملية من صميم ذاته بلا حاجة إلى تصور شيء آخر.

مثلا : إنّ تصديق كلّ القضايا النظرية يجب أن ينتهي إلى قضية امتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما ، بحيث لو ارتفع التصديق بها لما أمكن التصديق بشيء من القضايا ، ولذا تسمى ب «أمّ القضايا» وذلك كاليقين بأنّ زوايا المثلث تساوي زاويتين قائمتين ، فإنّه لا يحصل إلّا إذا حصل قبله امتناع صدق نقيض تلك القضية ، أي عدم مساواتها لهما. وإلّا فلو احتمل صدق النقيض لما حصل اليقين بالنسبة. ولأجل ذلك اتفقت كلمة الحكماء على أن إقامة البرهان على المسائل النظرية إنما تتم إذا انتهى البرهان إلى أمّ القضايا التي قد عرفت.

وعلى ضوء هذا البيان نقول : كما أنّ للقضايا النظرية في العقل النظري قضايا بديهية أو قضايا أوليّة تنتهي إليها ، فهكذا القضايا غير الواضحة في العقل العملي ، يجب أن تنتهي إلى قضايا أولية وواضحة عنده بحيث لو ارتفع التصديق بهذه القضايا في الحكمة العملية لما صح التصديق بقضية من القضايا فيها.

فمن تلك القضايا البديهية في العقل العملي ، مسألة التحسين والتقبيح العقليين الثابتين لجملة من القضايا بوضوح ، مثل قولنا «العدل حسن» و «الظلم قبيح» و «جزاء الإحسان بالإحسان حسن» و «جزاؤه بالإساءة قبيح».

فهذه القضايا قضايا أوليّة في الحكمة العملية والعقل العملي يدركها من صميم ذاته ومن ملاحظة القضايا بنفسها. وفي ضوء التصديق بها يسهل عليه التصديق بما يبنى عليها في مجال العقل العملي من الأحكام غير البديهية ، سواء أكانت مربوطة بالأخلاق أولا ، أم تدبير المنزل ثانيا ، أم سياسة المدن ثالثا ، التي يبحث عنها في الحكمة العملية.

ولنمثل على ذلك : إنّ العالم الأخلاقي يحكم بلزوم تكريم الوالدين والمعلمين وأولي النعمة ، وذلك لأنّ التكريم من شئون جزاء الإحسان بالإحسان ، وهو حسن بالذات ، والإهانة لهم من شئون جزاء الإحسان بالإساءة وهو قبيح بالذات.

والباحث عن أحكام تدبير المنزل يحكم بلزوم القيام بالوظائف الزوجية من الطرفين وقبح التخلف عنها ، ذلك لأن القيام بها قيام بالعمل بالميثاق ، والتخلف عنها تخلف عنه ، والأول حسن بالذات والثاني قبيح بالذات.

والعالم الاجتماعي الذي يبحث عن حقوق الحاكم والحكومة على المجتمع يحكم بأنّه يجب أن تكون الضرائب معادلة لدخل الأفراد ، وذلك لأن الخروج عن تلك الضابطة ظلم على الرعيّة وهو قبيح بالذات.

وقس على ذلك كلّ ما يرد عليك من الأبحاث في الحكمة العملية ، سواء أكانت راجعة إلى الفرد (الأخلاق)، أو إلى المجتمع الصغير (البيت) ، أو إلى المجتمع الكبير (السياسة). فكل ما يرد فيها ويبحث عنه الباحثون ، بما أنّه من شئون العقل العملي ، يجب أن ينتهي الحكم فيه إيجابا وسلبا ، صحة وبطلانا إلى القضايا الواضحة البديهية في مجال ذلك العقل.

إلى هنا انتهينا إلى أنّه يجب انتهاء الأحكام غير الواضحة ابتداء في مجال العقلين (النظري والعملي) إلى أحكام بديهية مدركة ابتداء بلا مئونة شيء منهما. وذلك دفعا للدور والتسلسل الذي استند إليه علماء المنطق والحكمة في القسم الأول ، أي الحكمة النظرية. والدليل واحد سار في الجميع.

إذا عرفت ما ذكرنا ، يقع الكلام في أمر آخر وهو تعيين الملاك لدرك العقل صحة القضايا البديهية أو بطلانها في مجال العقلين ، فنقول :

إنّ الملاك في مجال العقل النظري عبارة عن انطباق القضية مع التكوين وعدم انطباقها ، فالعقل ، يدرك من صميم ذاته أن اجتماع النقيضين شيء غير متحقق في الخارج ، وأنّه لا يمكن الحكم بكون شيء موجودا وفي الوقت نفسه الحكم بكونه معدوما ، يدرك ذلك بلا حاجة إلى تجربة واستقراء.

وأما الملاك في العقل العملي فهو عبارة عن درك مطابقة القضية وملاءمتها للجانب المثالي من الإنسان غير الجانب الحيواني ، أو منافرتها له.

فالإنسان بما هو ذو فطرة مثالية ، يتميز بها عن الحيوانات ، يجد بعض القضايا ملائمة لذلك الجانب العالي أو منافية له. فيصف الملائم بالحسن ولزوم العمل ، والمنافي بالقبح ولزوم الاجتناب. ولا يدرك القضايا بهذين الوصفين لشخصه فقط أو لصنف خاص من الإنسان أو لكل من يطلق عليه الإنسان ، بل يدرك حسن صدورها أو قبحه لكل موجود عاقل مختار سواء وقع تحت مظلة الإنسانية أو خارجها. وذلك لأن المقوم لقضائه بأحد الوصفين نفس القضية بما هي هي من غير خصوصية للمدرك. فهو يدرك أنّ العدل حسن عند الجميع ومن الجميع ، والظلم قبيح كذلك ، ولا يختص حكمه بأحدهما بزمان دون زمان ولا جيل دون جيل.

إلى هنا تم تبيين الأمرين اللذين لهما دور في الحكم بالتحسين والتقبيح العقليين ويجب أن لا يخلط أحدهما بالآخر لكون الأول مقدمة للثاني ، وهما :

أ ـ انتهاء كل القضايا في مجال العقلين إلى قضايا بديهية دفعا للمحذور.

ب ـ تبيين ملاك درك العقل صحة تلك القضايا البديهية في مجال العقلين.

وقد اتضح بذلك أنّ المدعي للتحسين والتقبيح العقليين الذاتيين في غنى عن البرهنة لما يتبنّاه ، كما أنّ المدعي لامتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما كذلك. والعجب أنّ الحكماء والمتكلمين اتفقوا على أنّه يجب انتهاء القضايا النظرية في العقل النظري إلى قضايا بديهية ، وإلّا عقمت الأقيسة ولزم التسلسل في مقام الاستنتاج ، ولكنهم غفلوا عن إجراء ذلك الأصل في جانب العقل العملي ولم يقسموا القضايا العملية إلى فكرية وبديهية ، أو نظرية وضرورية. كيف والاستنتاج والجزم بالقضايا غير الواضحة الواردة في مجال العقل العملي لا يتم إلّا إذا انتهى العقل إلى قضايا واضحة في ذلك المجال. وقد عرفت أنّ المسائل المطروحة في الأخلاق ، مما يجب الاتصاف به أو التنزّه عنه ، أو المطروحة في القضايا البيتية والعائلية التي يعبر عنها بتدبير المنزل ، أو القضايا المبحوث عنها في علم السياسة وتدبير المدن ، ليست في الوضوح على نمط واحد ، بل لها درجات ومراتب. فلا ينال العقل الجزم بكل القضايا العملية إلّا إذا كانت هناك قضايا بديهية واضحة تبتني عليها القضايا المجهولة العملية حتى يحصل الجزم بها ويرتفع الإبهام عن وجهها. ولأجل ذلك نحن في غنى عن التوسع في طرح أدلة القائلين بالتحسين والتقبيح ولا نذكر إلّا النّزر اليسير منها.

فكما أنهم غفلوا عن تقسيم القضايا في الحكمة العملية إلى القسمين ، فهكذا غفلوا عن تبيين ما هو الملاك لدرك العقل صحة بعض القضايا أو بطلانها في ذلك المجال. ويوجد في كلمات المتكلمين في بيان الملاك والمعيار أمور غير تامة يقف عليها من راجع الكتب الكلامية.

أدلة القائلين بالتّحسين والتّقبيح العقليين:

الدليل الأول : هو ما أشار إليه المحقق الطّوسي بقوله : «ولانتفائهما مطلقا لو ثبتا شرعا» (3). أي إنّا لو قلنا بأنّ الحسن والقبح يثبتان من طريق الشرع ، يلزم من ذلك عدم ثبوتهما بالشرع أيضا.

توضيحه : إنّ الحسن والقبح لو كانا بحكم العقل ، بحيث كان العقل مستقلا في إدراك حسن الصدق وقبح الكذب ، فلا إشكال في أنّ ما أمر به الشارع يكون حسنا وما نهى عنه يكون قبيحا ، لحكم العقل بأنّ الكذب قبيح ، والشارع لا يرتكب القبيح ، ولا يتصور في حقه ارتكابه.

وأما لو لم يستقل العقل بذلك ، فلو أمر الشارع بشيء أو نهى عنه أو أخبر بحسن الصدق وقبح الكذب فلا يحسن لنا الجزم بكونه صادقا في كلامه حتى نعتقد بمضمونه لاحتمال عدم صدق الشارع في أمره أو إخباره فإن الكذب حسب الفرض لم يثبت قبحه بعد ، حتى لو قال الشارع بأنّه لا يكذب لم يحصل لنا اليقين بصدقه حتى في هذا الإخبار. فيلزم على قول الأشعري أن لا يتمكن الإنسان من الحكم بحسن شيء لا عقلا ولا شرعا.

وإن شئت قلت : لو لم يستقل العقل بحسن بعض الأفعال وقبح بعضها الآخر ، كالصدق والكذب ، وأخبرنا الله سبحانه عن طريق أنبيائه بأنّ الفعل الفلاني حسن أو قبيح ، لم نجزم بصدق كلامه لتجويز الكذب عليه.

ثم إنّ الفاضل القوشجي الأشعري أجاب عن هذا الاستدلال بقوله «إنّا لا نجعل الأمر والنهي دليلي الحسن والقبح ليرد ما ذكر بل نجعل الحسن عبارة عن كون الفعل متعلق الأمر والمدح ، والقبح عن كونه متعلق النهي والذم» (4).

يلاحظ عليه : إنّ البحث تارة يقع في التسمية والمصطلح فيصح أن يقال إنّ ما وقع متعلق الأمر والمدح حسن ، وما وقع متعلق النهي والذم قبيح. والعلم بذلك لا يتوقف إلّا على سماعها من الشرع. وأخرى يقع في الوقوف على الحسن الواقعي أو القبح كذلك عند الشرع ، فهذا مما لا يمكن استكشافه من مجرد سماع تعلق الأمر والنهي بشيء إذ من المحتمل أن يكون الشارع عابثا في أمره ونهيه. ولو قال إنّه ليس بعابث، لا يثبت به نفي احتمال العابثية عن فعله وكلامه ، لاحتمال كونه هازلا أو كاذبا في كلامه.

فلأجل ذلك يجب أن يكون بين الإدراكات العقلية شيء لا يتوقف درك حسنه وقبحه على شيء ، وأن يكون العقل مستقلا في دركه ، وهو حسن العدل وقبح الظلم وحسن الصدق وقبح الكذب حتى يستقل العقل بذلك على أنّ كل ما حكم به الشرع فهو صادق في قوله. فيثبت عندئذ أنّ ما تعلق به الأمر حسن شرعا ، وما تعلق به النهي قبيح شرعا. وهذا ما يهدف إليه المحقق الطوسي من أنّه لو لا استقلال العقل في بعض الأفعال ما ثبت حسن ولا قبح بتاتا.

الدليل الثاني ـ ما أشار إليه المحقق الطوسي أيضا بقوله : «ولجاز التعاكس» (5) أي في الحسن والقبح.

توضيحه : إنّ الشارع على القول بشرعية الحسن والقبح ، يجوز له أن يحسن أو يقبّح ما حسّنه العقل أو قبّحه. وعلى هذا يلزم جواز تقبيح الإحسان وتحسين الإساءة وهو باطل بالضرورة. فإنّ وجدان كل إنسان يقضي بأنّه لا يصح أن يذمّ المحسن أو يمدح المسيء. قال أمير المؤمنين (عليه ‌السلام) : «ولا يكوننّ المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء» (6). والإمام يهدف بكلمته هذه إيقاظ وجدان عامله ، ولا يقولها بما أنّها كلام جديد غفل عنه عامله.

الدليل الثالث ـ لو كان الحسن والقبح شرعيين لما حكم بهما البراهمة والملاحدة الذين ينكرون الشرائع ، ويحكمون بذلك مستندين إلى العقل. وهؤلاء الماديون والملحدون المنتشرون في أقطار واسعة من شرق الأرض ومغربها يرفضون الشرائع والدين من أساسه ، ويعترفون بحسن أفعال وقبح بعضها الآخر.

ولأجل ذلك يغرّون شعوب العالم بطرح مفاهيم خدّاعة ، بدعاياتهم الخبيثة ، من قبيل دعم الصلح والسلام العالميين ، وحفظ حقوق البشر والعناية بالأسرى والسجناء ونبذ التمييز العنصري ، إلى غير ذلك مما يستحسنه الذوق الإنساني والعقل البشري في جميع الأوساط ، يطرحون ذلك ليصلوا من خلاله إلى أهدافهم ومصالحهم الشخصية. ولو لا كون هذه المفاهيم مقبولة عند عامة البشر لما استخدمها دعاة المادية والإلحاد في العالم.

والحاصل أنّ هناك أفعالا لا يشكّ أحد في حسنها سواء ورد حسنها من الشرع أم لم يرد. كما أنّ هناك أفعالا قبيحة عند الكل ، سواء ورد قبحها من الشرع أم لا. ولأجل ذلك لو خيّر العاقل الذي لم يسمع بالشرائع ، ولا علم شيئا من الأحكام ، بل نشأ في البوادي ، خالي الذهن من العقائد كلّها ، بين أن يصدق ويعطى دينارا ، أو يكذب ويعطى دينارا ، ولا ضرر عليه فيهما فإنه يرجّح الصدق على الكذب. ولو لا قضاء الفطرة بحسن الصدق وقبح الكذب لما فرق بينهما ، ولما اختار الصدق دائما.

وهذا يعرب عن أنّ العقل له قدرة الحكم والقضاء في أمور ترجع إلى الفرد والمجتمع ، فيحكم بحسن إطاعة وليه المنعم وقبح مخالفته ، وأنّ المحسن والمسيء ليسا بمنزلة سواء ، ونحو ذلك.

الدليل الرابع ـ لو كان الحسن والقبح باعتبار السمع ، لما قبح من الله تعالى شيء. ولو كان كذلك لما قبح منه إظهار المعجزات على أيدي الكاذبين. وتجويز ذلك يسدّ باب معرفة الأنبياء ، فإنّ أيّ نبي أتى بالمعجزة عقيب الادّعاء ، لا يمكن تصديقه مع تجويز إظهار المعجزة على يد الكاذب في دعواه.

وهذه النتيجة الباطلة من أهم وأبرز ما يترتب على إنكار القاعدة. وبذلك سدّوا باب معرفة النبوّة.

والعجب أنّ الفضل بن روزبهان حاول الإجابة عن هذا الدليل بقوله : «عدم إظهار المعجزة على يد الكذابين ليس لكونه أمرا قبيحا عقلا ، بل لعدم جريان عادة الله ، الجاري مجرى المحال العادي ، بذلك. فعند ذلك لا ينسد باب معرفة الأنبياء ، لأنّ العلم العادي حكم باستحالة هذا الإظهار» (7).

فإنّه يلاحظ عليه ، إنّه من أين وقف على تلك العادة ، وأنّ الله لا يجري الإعجاز على يد الكاذب. ولو كان التصديق متوقفا على إحرازها ، لزم أن يكون المكذبون بنبوة نوح أو من قبله ومن بعده ، معذورين في إنكارهم لنبوّة الأنبياء ، إذ لم تثبت عندهم تلك العادة ، لأنّ العلم بها إنما يحصل من تكرر رؤية المعجزة على يد الصادقين دون الكاذبين.

ويمكن أن يقال : إنّ تحصيل جريان عادة الله بأن لا يظهر المعجزة على يد الكاذب ، يجب أن يستند إلى مصدر ، فإن كان المصدر هو العقل فهو معزول عند الأشاعرة. وإن كان هو السمع فالمفروض أنّه يحتمل أن يكون الشرع كاذبا في هذا الادعاء ، بل لا سمع قبل ثبوت نبوّة النبي.

وحصيلة البحث : إنّ منكر الحسن والقبح منكر لما هو من البديهيات. ولا يصحّ الكلام معه ، لأن النزاع ينقطع إذا بلغ إلى مقدمات ضرورية وهؤلاء ينازعون فيها.

ليت شعري ، إذا لم يحكم العقل بامتناع التكليف بما لا يطاق ، وجوّز أن ينهى الله سبحانه العبد عن الفعل ويخلق فيه اضطرارا ويعاقبه عليه ، فقل : ها ، أيّ أمر يدركه العقل؟!!.

قيل : اجتمع النظّام والنجّار للمناظرة ، فقال النّجّار : لم تدفع أن يكلف الله عباده ما لا يطيقون؟.

فسكت النظّام ، فقيل له : لم سكت؟

قال : كنت أريد بمناظرته أن ألزمه القول بتكليف ما لا يطاق ، فإذ التزمه ولم يستح ، فبم ألزمه؟.

وبذلك تعرف مدى وهن ما ذكره أبو الحسن الأشعري في لمعه ، وإليك نصه :

«فإن قال قائل : هل لله تعالى أن يؤلم الأطفال في الآخرة؟ قيل له : لله تعالى ذلك ، وهو عادل إن فعله» .. إلى أن قال ... «ولا يقبح منه أن يعذّب المؤمنين ، ويدخل الكافرين الجنان. وإنما نقول إنّه لا يفعل ذلك ، لأنه أخبرنا إنه يعاقب الكافرين وهو لا يجوز عليه الكذب في خبره» (8).

أدلة الأشاعرة على نفي التحسين والتقبيح العقليين:

الدليل الأول ـ الله مالك كل شيء يفعل في ملكه ما يشاء

استدل الأشعري على مقالته بقوله : «والدّليل على أنّ كل ما فعله فله فعله ، أنّه المالك ، القاهر ، الذي ليس بمملوك ، ولا فوقه مبيح ، ولا آمر ، ولا زاجر ، ولا حاظر ، ولا من رسم له الرسوم ، وحدّ له الحدود. فإذا كان هذا هكذا ، لم يقبح منه شيء ، إذ كان الشيء إنّما يقبح منّا ، لأنّا تجاوزنا ما حدّ ورسم لنا ، وأتينا ما لم نملك إتيانه. فلمّا لم يكن الباري مملوكا ولا تحت آمر ، لم يقبح منه شيء. فإن قال : فإنما يقبح الكذب لأنه قبّحه ، قيل له : أجل ، ولو حسّنه لكان حسنا ، ولو أمر به لم يكن عليه اعتراض.

فإن قالوا : فجوّزوا عليه أن يكذب ، كما جوزتم أن يأمر بالكذب.

قيل لهم : ليس كل ما جاز أن يأمر به ، جاز أن يوصف به» (9).

يلاحظ عليه : أمّا أوّلا ـ فإننا نسأل الشيخ الأشعري إنّه سبحانه إذا أولم طفله في الآخرة وعذّبه بألوان التعذيب ، مع كون الطفل بريئا لم يصدر منه ذنب ، ورأى الأشعري ذلك بأم عينه في الآخرة ، هل يرى ذلك عين العدل ، ونفس الحسن؟! أو أنه يجد ذلك الفعل ، من وجدانه ، أمرا منكرا؟.

ومثله ما لو فعل بالأشعري نفس ما فعل بطفله مع كونه مؤمنا ، فهل يرضي بذلك في أعماق روحه ، ويراه نفس العدل ، غير متجاوز عنه ، بحجة أنّ الله سبحانه مالك الملك يفعل في ملكه ما يشاء؟ أو أنه يقضي بخلاف ذلك؟

وأمّا ثانيا : فلا شك أنّه سبحانه مالك الملك والملكوت يقدر على كل أمر ممكن ـ كما عرفت ـ من غير فرق بين الحسن والقبيح ، فعموم قدرته لكل ممكن ممّا لا شبهة فيه ، ولكن حكم العقل بأنّ الفعل الفلاني قبيح لا يصدر عن الحكيم ، ليس تحديدا لملكه وقدرته. وهذا هو المهم في حلّ عقدة الأشاعرة الذين يزعمون أنّ قضاء العقل وحكمه في أفعاله سبحانه نوع دخالة في شئون ربّ العالمين ، ولكن الحق غير ذلك.

توضيحه : إنّ العقل بفضل التجربة ، أو بفضل البراهين العقلية ، يكشف عن القوانين السّائدة على الطبيعة، كما يكشف عن القوانين الرياضية ، فلو قال العقل : إنّ كل زوج ينقسم إلى متساويين ، فهل يحتمل أنّ العقل بذلك فرض حكمه على الطبيعة ، أو يقال إنّ الطبيعة كانت تحمل ذلك القانون والعقل كشفه وبيّنه؟ فإذا كان هذا هو الفرق بين فرض الحكم وكشفه في عالم الطبيعة ، فليكن هو الفارق بين إدراكه حسن الفعل وقبحه وأنّ أيّ فعل يصدر منه وأيّه لا يصدر منه ، وفرضه الحكم على الله سبحانه فرضا يحدد سعة قدرته وإرادته وفعله. فليس العقل هنا حاكما وفارضا على الله سبحانه ، بل هو ـ بالنظر إلى الله تعالى وصفاته التي منها الكمال والغنى ـ يكشف عن أنّ الموصوف بمثل هذه الصفات وخاصة الحكمة ، لا يصدر منه القبيح ، ولا الأخلاق بما هو حسن.

وبعبارة أخرى : إنّ العقل يكشف عن أنّ المتّصف بكل الكمال ، والغنى عن كل شيء ، يمتنع أن يصدر منه الفعل القبيح ، لتحقّق الصّارف عنه وعدم الداعي إليه ، وهذا الامتناع ليس امتناعا ذاتيا حتى لا يقدر على الخلاف ، ولا ينافي كونه تعالى قادرا عليه بالذات ، ولا ينافي اختياره في فعل الحسن وترك القبيح ، فإن الفعل بالاختيار ، والترك به أيضا. وهذا معنى ما ذهبت إليه العدلية من أنّه يمتنع عليه القبائح. ولا يهدف به إلى تحديد فعله من جانب العقل ، بل الله بحكم أنّه حكيم ، التزم وكتب على نفسه أن لا يخل بالحسن ولا يفعل القبيح. وليس دور العقل هنا إلّا دور الكشف والتبيين بالنظر إلى صفاته وحكمته.

وباختصار : إنّ فعله سبحانه ـ مع كون قدرته عامة ـ ليس فوضويا ومتحررا عن كل سلب وإيجاب ، وليس التحديد مفروضا عليه سبحانه من ناحية العقل ، وإنما هو واقعية وحقيقة كشف عنه العقل ، كما كشف عن القوانين السائدة على الطبيعة والكون. فتصوّر أنّ فعله سبحانه متحرر عن كل قيد وحدّ ، بحجة حفظ شأن الله سبحانه ، وسعة قدرته ، أشبه بالمغالطة ، فإنّ حفظ شأنه سبحانه غير فرض انحلال فعله عن كل قيد وشرط.

وبالتأمل فيما ذكرنا يظهر ضعف سائر ما استدلّ به القائلون بنفي التحسين والتقبيح العقليين. ولا بأس بالإشارة إلى بعض أدلتهم التي أقامها المتأخرون عن أبي الحسن الأشعري.

الدليل الثاني : لو كان التحسين والتقبيح ضروريا لما وقع الاختلاف قالوا : لو كان العلم بحسن الإحسان وقبح العدوان ضروريا لما وقع التّفاوت بينه وبين العلم بأنّ الواحد نصف الاثنين ، لكنّ التالي باطل بالوجدان.

وأجاب عنه المحقق الطّوسي بقوله : «ويجوز التفاوت في العلوم لتفاوت التصور»(10).

توضيحه : إنّه قد تتفاوت العلوم الضرورية بسبب التفاوت في تصور أطرافها. وقد قرر في صناعة المنطق أنّ للبديهيات مراتب : فالأوليّات أبده من المشاهدات بمراتب. والثانية أبده من التجربيات والثالثة أبده من الحدسيات ، والرابعة أبده من المتواترات ، والخامسة أبده من الفطريّات. والضابط في ذلك أنّ ما لا يتوقف التصديق به على واسطة سوى تصور الطرفين فهو أبده من غيره ، وذلك مثل الأوليات (11)، وهكذا.

فلو صحّ ما ذكره الأشاعرة من الملازمة ، لزم أن لا تكون الحدسيات من اليقينيات.

وباختصار ، إنّ العلوم اليقينية ، مع كثرتها ليست على نمط واحد ، بل لها مراتب ودرجات ، وهذا شيء يلمسه الإنسان إذا مارس علومه ويقينياته وعلى ذلك فلا مانع من أن يقع الاختلاف في بعض العلوم الضرورية لدوافع خاصة ، وهي في المقام تصوّر أنّ الحكم بالحسن والقبح تحديد لسلطته سبحانه ، فلأجل ذلك رفضت الأشاعرة هذا العلم الضروري للحفاظ على عموم سلطته تعالى.

الدليل الثالث : لو كان الحسن والقبح عقليين لما تغيرا

إنّ الحسن والقبح لو كانا عقليين لما اختلفا ، أي لما حسن القبيح ولما قبح الحسن ، والتّالي باطل ، فإنّ الكذب قد يحسن والصدق قد يقبح وذلك فيما إذا تضمن الكذب إنقاذ نبي من الهلاك ، والصدق إهلاكه.

فلو كان الكذب قبيحا لذاته لما كان واجبا ولا حسنا عند ما استفيد به عصمة دم نبي عن ظالم يقصد قتله (12).

وأجاب عنه المحقق الطّوسي بقوله : «وارتكاب أقل القبيحين مع إمكان التخلّص»(13).

وتوضيحه : إنّ الكذب في هذه الصّورة على قبحه إلّا أنّ ترك إنقاذ النبي أقبح من الكذب ، فيحكم العقل بارتكاب أقلّ القبيحين تخلّصا من ارتكاب الأقبح. على أنّه يمكن التخلص عن الكذب بالتعريض (أي التورية).

وباختصار : إنّ تخليص النبي أرجح من حسن الصدق فيكون تركه أقبح من الكذب فيرجح ارتكاب أدنى القبيحين وهو الكذب لاشتماله على المصلحة العظيمة ، على الصدق.

أضف إلى ذلك ، أنّ الاستدلال مبني على كون قبح الكذب وحسن الصدق ، كقبح الظّلم وحسن العدل ، ذاتيين لا يتغيران. وأمّا على ما مرّ من أنّ الأفعال بالنسبة إلى الحسن والقبح على أقسام منها ما يكون الفعل علة تامة لأحدهما ، فلا يتغير حسنه ولا قبحه بعروض العوارض كحسن الإحسان وقبح الإساءة. ومنها ما يكون مقتضيا لأحدهما ، فهو موجب للحسن لو لم يعرض عليه عنوان آخر ، وهكذا في جانب القبح. وقد تقدم أنّ حسن الصّدق وقبح الكذب من هذا القبيل. ومنها ما لا يكون علة ولا مقتضيا لأحدهما كالضرب ، جزاء أو إيذاء.

إلى هنا خرجنا بهذه النتيجة وهي أنّ هناك أفعالا يستقل العقل بحسنها وقبحها ، ويقضي بهما من دون أن يستعين بالشرع ، ويرى حسنها وقبحها مطّردا في جميع الفاعلين ، من غير اختصاص بالخالق أو المخلوق. وقد ذكرنا ملاك قضائه وهو ملاءمة الفعل أو منافرته للشخصية العلوية المثالية التي خلق الإنسان عليها.

ثم إنّ القول بالتحسين والتقبيح العقليين إنما يتم على القول بأنّ الإنسان فاعل مختار ، وأمّا على القول بأنّه مجبور في أفعاله ، فالبحث عنهما منفي بانتفاء موضوعه ، لأن شيئا من أفعال المجبور لا يتصف بالحسن ولا بالقبح عقلا. وبما أنّ الأشاعرة يصوّرون الإنسان فاعلا مجبورا ، فلازم مقالتهم نفي التحسين والتقبيح العقليين ، وسيوافيك كون الإنسان فاعلا مختارا غير مجبور ، كما سيوافيك نقد ما استدل به الأشاعرة على مقالة الجبر (14).

التّحسين والتقبيح في الكتاب العزيز: إنّ التدبّر في آيات الذكر الحكيم يعطي أنّه يسلّم استقلال العقل بالتحسين والتقبيح خارج إطار الوحي ، ثم يأمر بالحسن وينهي عن القبيح.

1 ـ قال سبحانه : (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (15).

2 ـ (قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ) (16).

3 ـ (يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ) (17).

4 ـ (وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ)(18).

فهذه الآيات تعرب بوضوح عن أنّ هناك أمورا توصف بالإحسان والفحشاء والمنكر والبغي والمعروف قبل تعلّق الأمر أو النهي بها ، وأنّ الإنسان يجد اتصاف الأفعال بأحدها ناشئا من صميم ذاته ، كما يعرف سائر الموضوعات كالماء والتراب. وليس عرفان الإنسان بها موقوفا على تعلّق الشرع وإنما دور الشرع هو تأكيد إدراك العقل بالأمر بالحسن والنهي عن القبيح.

أضف إلى ذلك أنّه سبحانه يتخذ وجدان الإنسان سندا لقضائه فيما تستقل به عقليّته :

5 ـ يقول تعالى : (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) (19).

6 ـ ويقول سبحانه : (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ* ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ)(20).

7 ـ ويقول سبحانه : (هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ) (21).

فالتدبّر في هذه الآيات لا يدع مجالا لتشكيك المشكّكين في كون التحسين والتقبيح من الأمور العقلية التي يدركها الإنسان بالحجة الباطنيّة من دون حاجة إلى حجة ظاهرية.

تحتل مسألة التحسين والتقبيح العقليين مكانة مرموقة في الأبحاث الكلامية وذلك أن أجلّ ما تثبته هذه المسألة حكمة الباري تعالى وأنّه منزّه عن فعل ما لا ينبغي ، وبه تنحل الكثير من المشاكل الكلامية وغيرها. وإليك فيما يلي بيان بعض منها.

1 ـ وجوب المعرفة:

اتفق المتكلمون ـ ما عدا الأشاعرة ـ على لزوم معرفة الله سبحانه على كل إنسان لزوما عقليا ، بمعنى أنّ العقل يحكم بحسن المعرفة وقبح تركها ، لما في المعرفة من أداء شكر المنعم ، وهو حسن ، وفي تركها من الوقوع في الضّرر المحتمل ، وهو قبيح. هذا إذا قلنا باستقلال العقل ، وإلّا لما ثبت وجوب المعرفة ، لا عقلا ـ لأنه حسب الفرض معزول عن الحكم ـ ولا شرعا ، لأنه لم يثبت الشرع بعد.

2 ـ وجوب تنزيه فعله سبحانه عن العبث:

ممّا يترتب على هذه المسألة تنزيه أفعاله سبحانه عن العبث ولزوم اقترانها بالغايات والأغراض وهذه المسألة من المسائل التي تشاجرت فيها العدلية والأشاعرة فالأولى على الإيجاب والثانية على السلب. وللحكماء فيها رأي خاص أيضا ، ولذلك فإنّا نفردها بالبحث بعد عرض هذه النتائج.

3 ـ لزوم تكليف العباد:

إذا كان فعله سبحانه منزّها عن العبث ، يستقل العقل بالحكم بلزوم إيصال كل مكلف إلى الغايات التي خلق لها ، وذلك بتكليفهم بما يوصلهم إلى الكمال ، وزجرهم عمّا يمنعهم عنه ، حتى لا يتركوا سدى ، وتتفتح في ضوء التكليف طاقاتهم الروحية. وعلم الإنسان بالحسن والقبح لا يكفي في استكماله ، إذ هناك أمور تصده عن بلوغ الغاية أو توصله إليها وهي مجهولة له ، ولا تعلم إلّا من طريق الوحي والشرع.

4 ـ لزوم بعث الأنبياء:

إنّ مسألة لزوم إرسال الرسل أيضا ، تبتني على هذه المسألة ، فالعقل الذي يدرك بأنّ الإنسان لم يخلق سدى بل خلق لغاية ، يدرك بأنه لا يصل إليها إلّا بالهداية التشريعية الإلهية ، فيستقل بلزوم بعث الدعاة من الله تعالى لهداية البشر (22).

5 ـ لزوم النظر في برهان مدّعي النبوّة:

لا شكّ أنّ الأنبياء الحقيقيين يبعثون بمعاجز وبيّنات ، فإذا ادّعى إنسان السّفارة من الله تعالى إلى النّاس ، فهل يجب على الناس النظر في دعواه وبرهانه؟ على استقلال العقل في مجال التحسين والتقبيح ، يجب النظر والإصغاء دفعا للضرر المحتمل. وأمّا على القول بعدمه ، فلا يجب ذلك عقلا ـ لأنه حسب الفرض معزول ـ ولا شرعا ، لعدم ثبوته بعد. ونتيجة ذلك أنّ التارك للنظر معذور ، لأنه لم يهتد إلى حقيقة الأمر!.

6 ـ العلم بصدق دعوى النبوّة:

إذا اقترنت دعوة المتنبّئ بالمعاجز والبيّنات الواضحة ، فلو قلنا باستقلال العقل في مجال الحسن والقبح ، حكمنا بصدقه ، لقبح إعطاء البيّنات للمدعي الكذّاب ، لما فيه من إضلال النّاس. وأمّا إذا عزلنا العقل عن الحكم في المقام ، فلا دليل على كونه نبيّا صادقا ، والشرع بعد لم يثبت حتى يحكم بصدقه.

7 ـ الخاتمية واستمرار أحكام الإسلام:

إنّ استقلال العقل بالتحسين والتقبيح ، بالمعنى الذي عرفت من الملاءمة للفطرة العلوية والمنافرة لها ، أساس الخاتميّة وبقاء أحكام الإسلام وخلودها إلى يوم القيامة. وذلك أنّ الفطرة مشتركة بين جميع أفراد البشر ولا تتبدل بتبدل الحضارات وتطوّر المدنيّات ، فإنّ تبدلها لا يمسّ فطرة الإنسان ولا يغيّر جبلّته ، فيصبح ما تستحسنه الفطرة أو تستقبحه خالدا إلى يوم القيامة ، ولا يتطرق التبدل والتغيّر إليه (23).

8 ـ ثبات الأخلاق:

إنّ مسألة ثبات الأخلاق في جميع العصور والحضارات أو تبدلها تبعا لاختلافها ، مما طرح مؤخرا عند الغربيين ودارت حوله المناقشات وأبديت فيه الآراء ، فمن قائل بثبات أصولها ، ومن قائل بتبدلها وتغيّرها حسب تغيّر الأنظمة والحضارات. ولكن المسألة لا تنحل إلّا في ضوء التحسين والتقبيح العقليين الناشئين من قضاء الجبلّة الإنسانية العالية والفطرة الثابتة ، فعند ذاك تتّسم أصول الأخلاق بسمة الثبات والخلود. وأما ما يتغير بتغير الحضارات فإنما هو العادات والتقاليد العرفية.

خذ على ذلك مثلا «إكرام المحسن» ، فإنه أمر يستحسنه العقل ، ولا يتغير حكم العقل هذا أبدا ، وإنما الذي يتغير بمرور الزمان ، وسائل الإكرام وكيفياته. فإذا ، الأصول ثابتة ، والعادات والتقاليد ـ التي ليست إلّا لباسا للأصول ـ هي المتغيّرة.

9 ـ الحكمة في البلايا والمصائب والشرور:

من المسائل المشهورة في الحكمة الإلهية مسألة البلايا والشرور ، فإنّ وجود هذه الحوادث أوجد إشكالات على حكمته بل علمه تعالى ، فهي بظاهرها تدل على انعدام النّظام في الكون من جهة ، وتنافي حكمته بمعنى إتقان أفعاله من جهة ثانية ، وتنافي حكمته ـ على نحو الإطلاق ـ أعني كون فعله منزها عمّا لا ينبغي من جهة ثالثة ، وتنافي حكمته ـ على نحو الخصوص ـ أعني عدله تعالى وقيامه بالقسط من جهة رابعة. وحيث إنها من المسائل الطويلة الذيل ، التي وقع فيها البحث والنقاش سواء في علم الكلام أو الفلسفة والحكمة الإلهية ، فإنّا نفردها بالبحث بعد العرض الإجمالي لهذه النتائج.

10 ـ الله عادل لا يجور:

من أبرز مصاديق حكمته تعالى ـ الثابتة بفضل القول بالتحسين والتقبيح العقليين ـ عدله ، بمعنى قيامه بالقسط وأنّه لا يجور ولا يظلم وسنفرده بالبحث مع بيان مكانته في التشريع الإسلامي. ويترتب عليه بعض النتائج منها :

أ ـ قبح العقاب بلا بيان: إذا كان الله تعالى عادلا ، فإنه لا يعاقب عباده من دون أن يبين لهم تكاليفهم ، فإنّ ذلك ظلم يحكم العقل بقبحه ولزوم تنزّه الواجب عنه. من دون فرق بين أن لا يقع البيان أصلا ، أو يقع ولا يصل إليهم لأسباب وعوامل معينة. وهذا الأصل مما اتفق عليه الأصوليون وبنوا عليه أصالة البراءة في الشبهات غير المقترنة بالعلم الإجمالي.

نعم ، المسألة تبتنى على التحسين والتقبيح العقليين إذا لم تثبت البراءة من الشرع بواسطة الكتاب والسنة، والمفروض أنّ البحث فيها بعده.

ب ـ قبح التكليف بما لا يطاق: من نتائج حكم العقل بعدله تعالى ، حكمه بلزوم وجود التمكّن والقدرة في العبد للإتيان بما يكلّفون به ، وأنّ تكليفهم وإلزامهم بما هو فوق طاقتهم ظلم وهو قبيح لا يصدر عن الحكيم ، ولأجل أهمية هذا البحث نفرده أيضا ببحث مستقل بعد عرض هذه النتائج.

ج ـ مدى تأثير القضاء والقدر في مصير الإنسان: من جملة المسائل المترتبة على عدله تعالى ، تأثير القضاء والقدر في مصير الإنسان ، وهذه المسألة مع كونها من المسائل الأصولية في العقيدة الإسلامية ، مما وقع فيه الجدل والنقاش إلى درجة التكفير وإراقة الدماء بين المسلمين في العصور الأولى. ويتفرع عليها مسألة البداء أو تغيير المصير بالأعمال الصالحة أو الطالحة. وحيث إنّ الوقوف عليهما يتوقف على الإسهاب والتفصيل في مباحثهما ، خصصنا كلّا منهما بفصل خاص من فصول الكتاب.

د ـ اختيار الإنسان: من جملة المسائل المترتبة على عدله تعالى ، اختيار الإنسان في أفعال نفسه ، وذلك أنّ كونه مجبورا مسيّرا فيما يقوم به ، ظلم وجور. وحيث إنّ هذه المسألة أيضا من المسائل التي كثر فيها الجدال وتعددت فيها الآراء بين إفراط وتفريط ، أفردناها بالبحث في فصل مستقلّ من الكتاب ، مع ما يتفرع عليها من البحوث حول الحسنة والسيئة ، والهداية والضلالة وغير ذلك.

هـ ـ المصحح للعقاب الأخروي: من جملة التساؤلات التي طرحت حول عدله سبحانه ، ما هو المصحح للعقاب الأخروي؟ وذلك من جهتين:

الأولى ـ لما ذا العقاب الأخروي؟ هل هو للتّشفي أو الانتقام وكلاهما نقص تعالى الله عنه.

الثانية ـ إنّ مقتضى القانون العقلي أن تكون العقوبة على مقدار الجرم ، والتخلف عن ذلك ظلم وجور تنزّه الله عنه ، فلم يخلّد الكافرون والمجرمون في النار أبدا؟.

وسنجيب عنهما بعد التعرّض للبحث عن عدله تعالى (24).

(ثمرات التّحسين والتقبيح العقليين)

1- أفعال الله سبحانه معللة بالغايات: ذهبت الأشاعرة إلى أن أفعاله سبحانه ليست معللة بالأغراض وأنه لا يجب عليه شيء ولا يقبح منه شيء واستدلوا على ذلك بوجوه :

الوجه الأول

لو كان فعله تعالى لغرض لكان ناقصا لذاته مستكملا بتحصيل ذلك الغرض لأنه لا يصلح غرضا للفاعل إلا ما هو أصلح له من عدمه وهو معنى الكمال (25).

وأجابت العدلية بأنّ أفعاله تعالى معللة بالمصالح والحكم تفضلا على العباد فلا يلزم الاستكمال ولا وجوب الأصلح. واختاره صاحب المقاصد وتبعته الماتريدية (26).

توضيح الجواب :

هل الغاية ، غاية للفاعل أو للفعل؟

إن الأشعري خلط بين الغرض الراجع إلى الفاعل ، والغرض الراجع إلى فعله ، فالاستكمال موجود في الأول دون الثاني ، والقائل بكون أفعاله معلّلة بالأغراض والغايات والدواعي والمصالح ، إنما يعني بها الثاني دون الأول ، والغرض بالمعنى الأول ينافي كونه غنيا بالذات وغنيا في الصفات وغنيا في الأفعال ، والغرض بالمعنى الثاني يوجب خروج فعله عن كونه عبثا ولغوا ، وكونه سبحانه عابثا ولاغيا فالجمع بين كونه غنيا غير محتاج إلى شيء ، وكونه حكيما منزها عن العبث واللغو ، بالقول باشتمال أفعاله على مصالح وحكم ترجع إلى العباد والنظام لا إلى وجوده وذاته ، كما لا يخفى.

تفسير العلة الغائية: العلة الغائية التي هي إحدى أجزاء العلة التامة ، يراد منها في مصطلح الحكماء ، ما تخرج الفاعل من القوة إلى الفعل ، ومن الإمكان إلى الوجوب ، وتكون متقدمة صورة وذهنا ومتأخرة وجودا وتحققا ، فهي السبب لخروج الفاعل عن كونه فاعلا بالقوة إلى كونه فاعلا بالفعل. مثلا : النجار لا يقوم بصنع الكرسي إلا لغاية مطلوبة مترتبة عليه ، ولو لا تصور تلك الغاية لما خرج عن كونه فاعلا بالقوة ، إلى ساحة كونه فاعلا بالفعل. وعلى هذا فللعلة الغائية دور في تحقق المعلول وخروجه من الإمكان إلى الفعلية ، لأجل تحريك الفاعل نحو الفعل ، وسوقه إلى العمل.

ولا نتصور العلة الغائية بهذا المعنى في ساحته ، لغناه المطلق في مقام الذات والوصف والفعل ، فكما أنه تام في مقام الوجود ، تام في مقام الفعل ، فلا يحتاج في الإيجاد إلى شيء وراء ذاته. وإلا فلو كانت فاعلية الحق ، كفاعلية الإنسان ، فلا يقوم بالإيجاد والخلق إلا لأجل الغاية المترتبة عليه ، فيكون ناقصا في مقام الفاعلية مستكملا بشيء وراء ذاته ، وهو لا يجتمع مع غناه المطلق.

هذا ما ذكره الحكماء ، وهو حق لا غبار عليه. وقد استغلته الأشاعرة في غير موضعه واتخذوه حجة لتوصيف فعله عاريا عن أية غاية وغرض ، وجعلوا فعله كفعل العابثين واللاعبين ، يفعل (العياذ بالله) بلا غاية ، ويعمل بلا غرض ، ولكن الاحتجاج بما ذكره الحكماء لإثبات ما قالته ، واضح البطلان ، لأن إنكار العلة الغائية بهذا المعنى ، لا يلازم أن لا يترتب على فعله مصالح وحكم ينتفع بها العباد وينتظم بها النظام ، وإن لم تكن مؤثرة في فاعلية الحق وعليّته ، وذلك لأنه سبحانه فاعل حكيم ، والفاعل الحكيم لا يختار من الأفعال الممكنة إلا ما يناسب ذلك ، ولا يصدر منه ما يضاده ويخالفه.

وبعبارة ثانية : لا يعني من ذلك أنه قادر على أحد الفعلين دون الآخر ، وأنّه في مقام الفاعلية يستكمل بالغاية ، فيقوم بهذا دون ذاك ، بل هو سبحانه قادر على كلا الأمرين ، ولا يختار منهما إلا ما يوافق شأنه ، ويناسب حكمته ، وهذا كالقول بأنه سبحانه يعدل ولا يجور ، فلسنا نعني من ذلك أنه تام الفاعلية بالنسبة إلى العدل دون الجور ، بل نعني أنه تام القادرية لكلا العملين. لكن عدله وحكمته ، ورأفته ورحمته ، تقتضي أن يختار هذا دون ذلك مع سعة قدرته لكليهما.

هذه هي حقيقة القول بأن أفعال الله لا تعلل بالأغراض والغايات والمصالح ، مع كون أفعاله غير خالية من المصالح والحكم من دون أن يكون هناك استكمال.

الوجه الثّاني: ثم إنّ أئمة الأشاعرة لما وقفوا على منطق العدلية في المقام وأنّ المصالح والحكم ليست غايات للفاعل بل غايات للفعل ، وأنّها غير راجعة إلى الفاعل ، بل إلى العباد والنظام ، طرحوه على بساط البحث فأجابوا عنه. وإليك نص كلامهم :

فإن قيل : لا نسلم الملازمة ، وإنّ الغرض قد يكون عائدا إلى غيره.

قيل له : نفع غيره والإحسان إليه إن كان أولى بالنسبة إليه تعالى من عدمه ، جاء الإلزام لأنه تعالى يستفيد حينئذ بذلك النفع والإحسان ، ما هو أولى به وأصلح ، وإن لم يكن أولى بل كان مساويا أو مرجوحا لم يصلح أن يكون غرضا له (27).

وقد جاء بنفس هذا البيان «الفضل بن روزبهان» في رده على «نهج الحق» للعلامة الحلي وقال :

إنّه لا يصلح غرضا للفاعل إلا ما هو أصلح له من عدمه وذلك لأن ما يستوي وجوده وعدمه بالنظر إلى الفاعل أو كان وجوده مرجوحا بالقياس إليه لا يكون باعثا على الفعل وسببا لإقدامه عليه بالضرورة فكل ما يكون غرضا وجب أن يكون وجوده أصلح للفاعل وأليق به من عدمه فهو معنى الكمال فإذن يكون الفاعل مستكملا بوجوده ناقصا بدونه (28).

يلاحظ عليه : أن المراد من الأصلح والأولى به ، ما يناسب شئونه فالحكيم لا يقوم إلا بما يناسب شأنه كما أن كل فاعل غيره يقوم بما يناسب المبادي الموجودة فيه. فتفسير الأصلح والأولى بما يفيده ويكمله ، تفسير في غير موضعه.

ومعنى أنه لا يختار إلا الأصلح والأولى ليس بمعنى أن هناك عاملا خارجيا عن ذاته ، يحدد قدرته ومشيئته ويفرض عليه إيجاد الأصلح والأولى ، بل مقتضى كماله وحكمته ، هو أن لا يخلق إلا الأصلح ، والأولى ويترك اللغو والعبث فهو سبحانه لما كان جامعا للصفات الكمالية ومن أبرزها كونه حكيما ، صار مقتضى ذلك الوصف ، إيجاد ما يناسبه وترك ما يضاده ، فأين هو من حديث الاستكمال والاستفادة والإلزام والفرض؟ كل ذلك يعرب عن أن المسائل الكلامية طرحت في جو غير هادئ وأن الخصم لم يقف على منطق الطرف الآخر.

والحاصل : إنّ ذاته سبحانه تامّة الفاعلية بالنسبة إلى كلا الفعلين : الفعل المقترن بالحكمة ، والخالي عنها، وذلك لعموم قدرته سبحانه للحسن والقبيح. ولكن كونه حكيما يصده عن إيجاد الثاني ويخص فعله بالأول ، وهذا صادق في كل فعل له قسمان : حسن وقبيح. مثلا : الله قادر على إنعام المؤمن وتعذيبه ، وتام الفاعلية بالنسبة إلى الكل ولكن لا يصدر منه إلا القسم الحسن منهما لا القبيح ، فكما لا يستلزم القول بصدور خصوص الحسن دون القبيح (على القول بهما) كونه ناقصا في الفاعلية ، فهكذا القول بصدور الفعل المقترن بالمصلحة دون المجرد عنها ، وإنعام المؤمن ليس مرجوحا ولا مساويا لتعذيبه بل أولى به وأصلح لكن معنى صلاحه وأولويته لا يهدف إلى استكماله أو استفادته منه ، بل يهدف إلى أنه المناسب لذاته الجامعة للصفات الكمالية ، المنزهة عن خلافها. فجماله وكماله ، وترفعه عن ارتكاب القبيح ، يطلب الفعل المناسب له ـ وهو المقارن للحكمة ـ والتجنب عن مخالفه.

الوجه الثالث :

وهناك دليل ثالث للأشاعرة حاصله أن غرض الفعل خارج عنه ، يحصل تبعا له وبتوسطه. وبما أنه تعالى فاعل لجميع الأشياء ابتداء ، فلا يكون شيء من الكائنات إلّا فعلا له ، لا غرضا لفعل آخر لا يحصل إلّا به ، ليصلح غرضا لذلك الفعل. وليس جعل البعض غرضا أولى من البعض (29).

وكان عليه أن يقرر الدليل بصورة كاملة ويقول : لو كان البعض غاية للبعض فإما أن ينتهي إلى فعل لا غاية له ، فقد ثبت المطلوب. أو لا ، فيتسلسل ، وهو محال.

يلاحظ عليه :

لا يشك من أطلّ بنظره إلى الكون ، بأنّ بعض الأشياء بما فيها من الآثار ، خلق لأشياء أخر. فالغاية من إيجاد الموجودات الدانية كونها في خدمة العالية منها وأما الغاية من خلق العالية فهي إبلاغها إلى حد تكون مظاهر ومجالي لصفات ربّها وكمال بارئها.

إذا نظرنا إلى الكون بالنظر التجزيئي ، نرى هناك أوائل الأفعال وثوانيها وثوالثها و... فيقع الداني في خدمة العالي ويكون الغرض من إيجاد العالي إيصاله إلى كماله الممكن الذي هو أمر جميل بالذات. ولا يتطلّب إيجاد الجميل بالذات غاية سوى وجوده ، لأن الغاية منطوية في وجوده.

هذا إذا نظرنا إلى الكون بالنظر التجزيئي.

وأما إذا نظرنا إلى الكون بالنظر العامّ فالغاية للنظام الجملي ليست أمرا خارجا عن وجود النظام حتى يسأل عنها بالنحو الوارد في الدليل ، بل هي عبارة عن الخصوصيات الموجودة فيه وهي بلوغ النظام بأبعاضه وأجزائه إلى الكمال الممكن ، والكمال الممكن المتوخى من الإيجاد ، خصوصية موجودة في نفس النظام ويعدّ صورة فعلية له ، فالله سبحانه خلق النظام وأوجد فعله المطلق ، حتى يبلغ ما يصدق عليه فعله ، كلا أو بعضا ، إلى الكمال الذي يمكن أن يصل إليه ، فليست الغاية شيئا مفصولا عن النظام ، حتى يقال : ما هي الغاية لهذه الغاية حتى يتسلسل أو يصل إلى موجود لا غاية له.

وبما أن إيصال كل ممكن إلى كماله ، غاية ذاتية لأنه عمل جميل بالذات ، فيسقط السؤال عن أنه لما ذا قام بهذا ، لأنه حين أوصل كل موجود إلى كماله الممكن فالسؤال يسقط إذا انتهى إلى السؤال عن الأمر الجميل بالذات.

فلو سئلنا عن الغاية لأصل الإيجاد وإبداع النظام ، لقلنا بأن الغرض من الإيجاد عبارة عن إيصال كل ممكن إلى كماله الممكن. ثم إذا طرح السؤال عن الهدف من إيصال كل ممكن إلى كماله الممكن ، لكان السؤال جزافيا ساقطا لأن العمل الحسن بالذات ، يليق أن يفعل ، والفعل والغاية نفس وجوده.

فالإيجاد فيض من الواجب إلى الممكن ، وإبلاغه إلى كماله فيض آخر ، يتم به الفيض الأول ، فالمجموع فيض من الفياض تعالى إلى الفقير المحتاج ولا ينقص من خزائنه شيء ، فأي كمال أحسن وأبدع من هذا، وأي غاية أظهر من ذلك ، حتى تحتاج إلى غاية أخرى وهذا بمثابة أن يسأل لما ذا يفعل الله الأفعال الحسنة بالذات ، فإن الجواب مستتر في نفس السؤال وهو أنه فعلها لأنّها حسنة بالذات وما هو حسن بالذات ، نفسه الغاية ولا يحتاج إلى غاية أخرى.

ولأجل تقريب الأمر إلى الذهن نمثل بمثال : إذا سألنا الشاب الساعي في التحصيل وقلنا له لما ذا تبذل الجهود في طريق تحصيلك؟ فيجيب : لنيل الشهادة العلمية ، فإذا أعدنا السؤال عليه وقلنا : ما هي الغاية من تحصيلها؟ يجيبنا : للاشتغال في إحدى المراكز الصناعية أو العلمية ، أو الإدارية. فإذا أعدنا عليه السؤال وقلنا ما هي الغاية من الاشتغال فيها؟ يقول : لتأمين وسائل العيش مع الأهل والعيال. فلو سألناه بعدها عن الغاية من طلب الرفاه وتأمين سبل العيش ، لوجدنا السؤال جزافيا لأن ما تقدم من الغايات وأجاب عنها غايات عرضية لهذه الغاية المطلوبة بالذات ، فإذا وصل الكلام إلى الأخيرة يسقط السؤال.

القرآن وأفعاله سبحانه الحكيمة

والعجب من غفلة الأشاعرة عن النصوص الصريحة في هذا المجال يقول سبحانه : (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ) (30).

وقال عز من قائل (وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ) (31).

وقال سبحانه : (وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلاً ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ) (32).

وقال سبحانه : (وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (33) إلى غير ذلك من الآيات التي تنفي العبث عن فعله وتصرح باقترانه بالحكمة والغرض.

وأهل الحديث وبعدهم الأشاعرة الذين اشتهروا بالتعبد بظواهر النصوص تعبدا حرفيا غير مفوضين معانيها إلى الله سبحانه ولا مؤوّليها ، لا مناص لهم إلا تناس الآيات الماضية أو تأويلها وهم يفرون منه وينسبونه إلى مخالفيهم.

عطف مذهب الحكماء على مذهب الأشاعرة: ومن الخطأ الواضح ، عطف مذهب الحكماء على مذهب الأشاعرة وتصوير أن الطائفتين تقولان بأن أفعال الله سبحانه غير معللة بالأغراض ، وهو خطأ محض كيف وهذا صدر المتألهين يخطّئ الأشاعرة ويقول : إنّ من المعطلة قوما جعلوا فعل الله تعالى خاليا عن الحكمة والمصلحة ، ومع أنك قد علمت أن للطبيعة غايات (34). وقال أيضا : إنّ الحكماء ما نفوا الغاية والغرض عن شيء من أفعاله مطلقا بل إنما نفوا في فعله المطلق إذا لوحظ الوجود الإمكاني جملة واحدة ، غرضا زائدا على ذاته تعالى وأما ثواني الأفعال والأفعال المخصوصة والمقيدة فاثبتوا لكل منها غاية مخصوصة كيف وكتبهم مشحونة بالبحث عن غايات الموجودات ومنافعها كما يعلم من مباحث الفلكيات ومباحث الأمزجة والمركبات وعلم التشريح وعلم الأدوية وغيرها (35).

وعلى ذلك فنظرية الحكماء تتلخص في أمرين :

1 ـ أن أفعاله غير متصفة بالعبث واللغو وأن هنا مصالح وحكما تترتب على فعله ، يستفيد بها العباد ، ويقوم بها النظام.

2 ـ إذا لوحظ الوجود الإمكاني على وجه الإطلاق فليس لفعله غرض خارج عن ذاته ، لأن المفروض ملاحظة الوجود الإمكاني جملة واحدة والغرض الخارج عن الذات لو كان أمرا موجودا فهو داخل في الوجود الإمكاني وليس شيئا وراءه.

ويقولون : ليس الغرض شيئا خارجا عن الذات وإنما الغرض نفس ذاته ، لئلا يكون ناقص الفاعلية لأن الحاجة إلى شيء خارج عن ذاته في القيام بالفعل ، آية كونه ناقصا في الفاعلية ، والمفروض أنه سبحانه تام في فاعليته ، غني في ذاته وفعله عن كل شيء سوى ذاته (36).

ثم إنّ لهم بيانا فلسفيا ممزوجا بالدليل العرفاني يهدف إلى كون الغرض من الخلق هو ذاته سبحانه وبه فسروا قوله سبحانه :

(ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ). وقوله في الحديث القدسي : «كنت كنزا مخفيا فأحببت أن أعرف فخلقت الخلق لكي أعرف» والله سبحانه هو غاية الغايات. ومن أراد الوقوف على برهانهم فليرجع إلى أسفارهم (37).

(ثمرات التحسين والتقبيح العقليين)

2- البلايا والمصائب والشرور وكونه حكيما: إنّ مسألة البلايا والمصائب والشرور ، من المسائل المشهورة الذائعة الصيت في الحكمة الإلهية ، ولها صلة بالمباحث التالية :

1 ـ إذا كان الدليل على وجود الخالق المدبر هو النظام السائد في الكون. فكيف يفسّر وجود بعض الظواهر غير المتوازنة العاصية عن النظام كالزلازل والسيول والطوفانات ، فإنها من أبرز الأدلة على عدم النظام.

2 ـ لو كان الصانع تعالى حكيما في فعله ، متقنا في عمله ، واضعا كل شيء في محله ، منزّها فعله عمّا لا ينبغي ، فكيف تفسّر هذه الحوادث التي لا تنطبق مع الحكمة سواء أفسّرت بمن يصنع الأشياء المتقنة أو من يكون فعله منزها عمّا لا ينبغي.

3 ـ إذا كان الخالق عادلا وقائما بالقسط فكيف يجتمع عدله سبحانه مع هذه الحوادث التي تبتلع النفوس البريئة في آن واحد ، وتخرّب الديار وتدمرها. إلى غير ذلك.

وعلى ذلك فالبحث عن المصائب والبلايا والشرور يرتبط بالمسائل المتقدمة ، ونحن نطرح هذه المسألة بعد أن أقمنا الدليل على كونه حكيما.

إنّ البحث عن الشرور ، ليس مسألة جديدة كشف عنها فلاسفة الغرب ومنهم الفيلسوف «هيوم» الإنكليزي، كما ربما يتخيله بعض من لا خبرة له بالفلسفة الإسلامية ، بل والإغريفية ، فإن هذه المسألة قد طرحت بين القدامى من فلاسفة الإغريق ، والمتأخرين من فلاسفة الإسلام.

فقد اشتهر قول أرسطو : «إنّ الموجودات الممكنة بالقسمة العقلية في بادئ الاحتمال تنقسم إلى خمسة أقسام :

1 ـ ما هو خير كله لا شرّ فيه أصلا.

2 ـ ما فيه خير كثير مع شرّ قليل.

3 ـ ما فيه شرّ كثير مع خير قليل.

4 ـ ما يتساوى فيه الخير والشرّ.

5 ـ ما هو شر مطلق لا خير فيه أصلا».

ثم صرّحوا بأنّ الأقسام الثلاثة الأخيرة غير موجودة في العالم ، وإنما الموجود من الخمسة المذكورة هو قسمان (38).

وقد بحث الفيلسوف الإسلامي صدر الدين الشيرازي (ت 979 ه‍ ، م 1050 ه‍) عن مسألة الخير والشر والمصائب والبلايا في كتابه القيّم «الأسفار الأربعة» في ثمانية فصول بحثا علميا ، كما بحث عنها الحكيم السبزواري في قسم الفلسفة من شرح المنظومة بحثا متوسطا. وقد سبقهما عدة من الأجلّاء كما تبعهما ثلة أخرى من المفكرين الإسلاميين. ونحن نقتبس فيما يلي ما ذكره هؤلاء المحققون بتحليل وتشريح خاص فنقول :

إنّ مسألة الشرور والبلايا دفعت بعض الطوائف في التاريخ وحتى اليوم إلى الاعتقاد بالتعدد في الخالق ، وهو الاتجاه المسمى بالثّنويّة ، حيث تصوّر أنّ إله الخير هو غير إله الشّر ، هروبا من الإشكال المذكور، ولأجل ذلك عرفوا بالثّنوية. وبما أنّهم يعتقدون بأنّ الإلهين مخلوقان للإله الواجب الواحد ، فهم من أهل التثليث على هذا الاعتبار.

وعلى كل تقدير فالإجابة عن مشكلة الشرور تتحقق بوجهين :

الأول ـ تحليلها تحليلا فلسفيا كليا. الثاني ـ تحليلها تحليلا تربويا مؤثرا في تكامل النفوس.

فعلى من يريد الإسهاب في البحث أن يلج البابين ، وهاك البيان :

البحث الأول ـ التحليل الفلسفي لمسألة الشرور: حاصل هذا التحليل أنّ ما يظنه بعض الناس من أنّ هناك حوادث غير منتظمة ، أو ضارّة مدمّرة ، فإنما هو ناشئ من نظراتهم الضيّقة المحدودة إلى هذه الأمور. ولو نظروا إلى هذه الحوادث في إطار «النظام الكوني العام» لأذعنوا بأنها خير برمتها ، ويكون موقف المسألة كما قاله الحكيم السبزواري :

ما ليس موزونا لبعض من نغم

                    ففي نظام الكلّ كلّ منتظم.

هذا إجمال الجواب ، وأما تفصيله فيتوقف على بيان أمرين :

الأمر الأول ـ النّظرة الضيّقة إلى الظواهر:

إنّ وصف الظواهر المذكورة بأنّها شاذّة عن النظام ، وأنّها شرور لا تجتمع مع النظام السائد على العالم أولا ، وحكمته سبحانه ـ بالمعنى الأعم ـ ثانيا ، وعدله وقسطه ثالثا ، ينبع من نظرة الإنسان إلى الكون من خلال نفسه ، ومصالحها ، وجعلها محورا وملاكا لتقييم هذه الأمور. فعند ما ينظر إلى الحوادث ويرى أنّها تعود على شخصه وذويه بالإضرار ، ينبري من فوره إلى وصفها بالشرور والآفات. وما هذا إلّا لأنه يتوجه إلى هذه الظواهر من منظار خاص ويتجاهل غير نفسه في العالم ، من غير فرق بين من مضى من غابر الزمان ومن يعيش في الحاضر في مناطق العالم أو سوف يأتي ويعيش فيها. ففي النّظرة الأولى تتجلى تلك الحوادث شرا وبليّة. ولكن هذه الحوادث في الوقت نفسه وبنظرة ثانية تنقلب إلى الخير والصلاح وتكتسي خلع الحكمة والعدل والنّظم. ولبيان ذلك نحلل بعض الحوادث التي تعد في ظاهرها من الشرور فنقول :

إنّ الإنسان يرى أنّ الطوفان الجارف يكتسح مزرعته ، والسيل العارم يهدم منزله ، والزلزلة الشديدة تزعزع بنيانه ، ولكنه لا يرى ما تنطوي عليه هذه الحوادث والظواهر من نتائج إيجابية في مجالات أخرى من الحياة البشرية.

وما أشبه الإنسان في مثل هذه الرؤية المحدودة بعابر سبيل يرى جرّافة تحفر الأرض ، أو تهدم بناء محدثة ضوضاء شديدا ومثيرة الغبار والتراب في الهواء ، فيقضي من فوره بأنه عمل ضار وسيئ وهو لا يدري بأنّ ذلك يتم تمهيدا لبناء مستشفى كبير يستقبل المرضى ويعالج المصابين ويهيئ للمحتاجين إلى العلاج وسائل المعالجة والتمريض.

ولو وقف على تلك الأهداف النبيلة لقضى بغير ما قضى ، ولوصف ذلك التهديم بأنه خير ، وأنه لا ضير فيما حصل من الضوضاء ، وتصاعد من الأغبرة.

إنّ مثل هذا الإنسان المحدود النظر في تقييمه ، مثل الخفاش الذي يؤذيه النور لأنه يقبض بصره ، بينما يبسط هذا النور ملايين العيون على آفاق الكون ويسهل للإنسان مجالات السعي والحياة. أفهل يكون قضاء الخفاش على النور بأنه شرّ ملاكا لتقييم هذه الظواهر الطبيعية المفيدة؟ كلا ، لا.

الأمر الثّاني ـ الظواهر حلقات في سلسلة طويلة: إنّ النظر إلى ظاهرة من الظواهر ، منعزلة عن غيرها ، نظرة ناقصة ومبتورة. لأنّ الحوادث حلقات مترابطة متسلسلة في سلسلة ممتدة ، فما يقع الآن منها يرتبط بما وقع في أعماق الماضي وبما سيقع في المستقبل ، في سلسلة من العلل والمعاليل والأسباب والمسبّبات.

ومن هنا لا يصحّ القضاء على ظاهرة من الظواهر بحكم مع غض النظر عما سبقها ، وما يلحقها ، بل القضاء الصحيح يتحقق بتقييمها جملة واحدة والنظر إليها نظرا كليا لا جزئيا. فإنّ كل حادثة على البسيطة أو في الجو ترتبط ارتباطا وثيقا بما سبقها أو يلحقها من الحوادث. حتى أنّ ما يهب من النسيم ويعبث بأوراق المنضدة التي أمامك يرتبط ارتباطا وثيقا بما حدث أو سيحدث في بقاع العالم. فلا بد للمحقق أن يلاحظ جميع الحوادث بلون الارتباط والتّشكل. فعند ذاك يتغير حكمه ويتبدل قضاؤه ولن يصف شيئا بالشذوذ ، ولن يسم شيئا بأنّه من الشرور.

إذا عرفت هذين الأمرين فلنأت ببعض الأمثلة التي لها صلة بهما :

1 ـ إذا وقعت عاصفة على السواحل فإنها تقطع الأشجار وتدمر الأكواخ وتقلب الأثاث ، فتوصف عند ساكني الساحل بالشر والبلية ، ولكنها في الوقت نفسه تنطوي على آثار حيويّة لمنطقة أخرى.

فهي مثلا توجب حركة السفن الشّراعيّة المتوقفة في عرض البحر بسبب سكون الريح. وبهذا تنقذ حياة المئات من ركّابها اليائسين من نجاتهم ، وتوصلهم إلى شواطئ النجاة ، فهي موصوفة عند ركّاب السفينة بالخير.

2 ـ إنّ الرياح وإن كانت ربما تهدم بعض المساكن إلّا أنها في نفس الوقت تعتبر وسيلة فعالة في عملية التلقيح بين الأزهار وتحريك السحب المولدة للمطر وتبديد الأدخنة المتصاعدة من فوهات المصانع والمعامل التي لو بقيت وتكاثفت لتعذرت أو تعسّرت عملية التنفس لسكان المدن والقاطنين حول تلك المصانع. إلى غير ذلك من الآثار الطيبة لهبوب الرياح ، التي تتضاءل عندها بعض الآثار السيئة أو تكاد تنعدم نهائيا.

3 ـ الزلازل وإن كانت تسبب بعض الخسائر الجزئية أو الكلية في الأموال والنفوس ، إلا أنها توصف بالخير إذا وقفنا على أنّ علّتها ـ على بعض الفروض ـ جاذبية القمر التي تجذب قشرة الأرض نحو نفسها ، فيرتفع قاع البحر ويوجب ذلك الزلازل في مناطق مختلفة من اليابسة. فإنّ هذا في نفس الوقت يوجب أن تصعد مياه البحار والأنهار فتفيض على الأراضي المحيطة بها وتسقي المزارع والسهول فتجدد فيها الحياة وتجود بخير العطاء.

ويترتب على الزلازل آثار نافعة أخرى يقف عليها الإنسان المتفحص في تلك المجالات ، فهل يبقى مجال مع ملاحظة هذين الأمرين للقضاء العاجل بأنّ تلك الحوادث شرور وبلايا لا يترتب عليها أيّة فائدة؟.

إنّ علم الإنسان المحدود هو الذي يدفعه إلى أن يقضي في الحوادث بتلك الأقضية الشاذة ، ولو وقف على علمه الضئيل ونسبة علمه إلى ما لا يعلمه لرجع القهقرى قائلا : (رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلاً سُبْحانَكَ) (39). ولأذعن بقوله تعالى : (وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً) (40). وقوله سبحانه : (يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا) (41).

ولهذا السبب نجد أنّ العلماء الموضوعيين الذين لم تبهرهم منجزات العلوم ولم يغرّهم ما حصل لهم من التقدم ، يعترفون بقصور العلم البشري ويحذرون من التسرع في القضاء والحكم على الأشياء. كيف وهذا العالم الإنكليزي الأستاذ (وليم كروكش) مكتشف إشعاع المادة ، والمخترع لكثير من أدوات التجارب الكيميائية قال : «من بين جميع الصفات التي عاونتني في مباحثي النفسية ، وذلّلت لي طرق اكتشافاتي الطبيعية ، وكانت تلك الاكتشافات أحيانا غير منتظرة ، هو اعتقادي الراسخ بجهلي» (42).

إلى غير ذلك من الكلمات المأثورة عن كبار المفكرين وأعاظم الفلاسفة والمعنيين بتحليل الظواهر الطبيعية، فإنك تراهم يعترفون بجهلهم وعجزهم عن الوقوف على أسرار الطبيعة. وهذا هو المخ الكبير في عالم البشرية الشيخ الرئيس يقول : «بلغ علمي إلى حدّ علمت أني لست بعالم».

تحليل فلسفي آخر للشرور: قد وقفت على التحليل الفلسفي الماضي ، وهناك تحليل فلسفي آخر لمشكلة البلايا والمصائب ولعله أدق من سابقه ، وحاصله:

إنّ الشر أمر قياسي ليس له وجود نفسي وإنما يتجلى عند النفس إذا قيس بعض الحوادث إلى بعض آخر، وإليك بيانه:

إنّ القائلين بالثّنوية يقولون إنّ الله سبحانه خير محض ، فكيف خلق العقارب السّامة والحيّات القاتلة والحيوانات المفترسة والسباع الضواري. ولكنهم غفلوا عن أنّ اتصاف هذه الظواهر بالشرور اتصاف قياسي وليس باتصاف نفسي ، فالعقرب بما هو ليس فيه أي شر ، وإنما يتصف به إذا قيس إلى الإنسان الذي يتأذّى من لسعته ، فليس للشرّ واقعية في صفحة الوجود ، بل هو أمر انتزاعي تنتقل إليه النفس من حديث المقايسة ، ولولاها لما كان للشرّ مفهوم وحقيقة. وإليك توضيح هذا الجواب.

إنّ الصفات على قسمين : منها ما يكون له واقعية كموصوفه ، مثل كون الإنسان موجودا ، أو أنّ كل متر يساوي مائة سنتيمتر. فاتصاف الإنسان بالوجود والمتر بالعدد المذكور ، أمران واقعيان ثابتان للموجود ، توجه إليه الذهن أم لا. حتى لو لم يكن على وجه البسيطة إلّا إنسان واحد أو متر كذلك فالوصفان ثابتان لهما.

ومنه ما لا يكون له واقعية إلّا أنّ الإنسان ينتقل إلى ذلك الوصف ، أو بعبارة صحيحة ينتزعه الذهن بالمقايسة ، كالكبر والصغر ، فإنّ الكبر ليس شيئا ذا واقعية للموصوف وإنما يدرك بالقياس إلى ما هو أصغر منه.

مثلا : الأرض توصف بالصغر تارة إذا قيست إلى الشمس ، وبالكبر أخرى إذا قيست إلى القمر. ولأجل ذلك لا يدخلان في حقيقة الموصوف ، وإلا لما صح وصف الأرض بوصفين متعارضين.

إذا عرفت انقسام الأوصاف إلى القسمين ، فعليك تحليل مفهوم الشر على ضوء هذا البيان فنقول : إنّ كون العقرب موجودا وذا سمّ ، من الأمور الحقيقية. وأما كونه شرّا ، فليس جزءا من وجوده ، وإنما يتصف به سمّ العقرب إذا قيس إلى الإنسان وتضرره به أو فقدانه لحياته بسببه ، وإلّا فانه يعدّ كمالا للعقرب وموجبا لبقائه. فإذا كان كذلك سهل عليك حلّ عقدة الشرور من جوانبها المختلفة.

أما من جانب التوحيد في الخالقية وأنّه ليس من خالق في صفحة الوجود إلّا الله سبحانه وهو خير محض ليس للشر إليه سبيل ، فكيف خلق هذه الموجودات المتسمة بالشر ، فالجواب أنّ المخلوق هو ذوات هذه الأشياء وما لها من الصفات الحقيقية ، وأما اتصافها بالشر فليس أمرا حقيقيا محتاجا إلى تعلق العلّة ، بل هو أمر قياسي يتوجه إليه الإنسان عند المقايسة.

وإلى هذا المعنى تؤول كلمات الفلاسفة القدامى إذ قالوا :

«1 ـ الشر أمر عدمي ، وليس أمرا موجودا محتاجا إلى العلّة.

2 ـ الشّر ليس مجعولا بالذات بل مجعول بالعرض.

3 ـ إذا تصفحت جميع الأشياء الموجودة في هذا العالم المسمّاة عند الجمهور شرورا ، لم تجدها في أنفسها شرورا ، بل هي شرور بالعرض خيرات بالذات» (43).

ونحو ذلك الأخلاق الذميمة فإنها كلها كمالات للنفوس السّبعيّة والبهيمية وليست بشرور للقوى الغضبية والشّهويّة. وإنما شرّيّة هذه الأخلاق الرذيلة بالقياس إلى النفوس الضعيفة العاجزة عن ضبط قواها عن الإفراط والتفريط وعن سوقها إلى مسلك الطاعة الّذي تناط به السعادة الباقية.

وكذلك الآلام والأوجاع والغموم والهموم فهي من حيث كونها إدراكات ، ومن حيث وجودها أو صدورها من العلل الفاعلة لها ، خيرات كمالية ، وإنما هي شرور بالقياس إلى متعلقاتها.

وأمّا من جانب توصيفه سبحانه بالحكمة والإتقان في الفعل والعمل ، فليس في خلق هذه الحوادث والموجودات شيء يخالف الحكمة ، فإنه سبحانه خلق العقارب والحيّات والضواري والسباع بأحسن الخلقة وأعطاها ما يكفيها في الحياة (الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى) (44). وإنما تتسم هذه الحوادث والموجودات بالشر ويتراءى أنها خلاف الحكمة من حديث المقايسة ، وهو أمر ذهني لا خارجي.

إلى هنا خرجنا بهذه النتيجة وهي أنّ هناك عاملين دفعا الإنسان إلى تصور أنّ الشّر ، أمر عيني خارجي يعد إيجاده على خلاف الحكمة والعدل وأنّه عصيان عن النظم وهما :

1 ـ النّظرة إلى الأشياء من منظر الأنانية وتناسي سائر الموجودات.

2 ـ تصور أنّ الشر له عينية خارجية كالموصوف ، والغفلة عن أنّه أمر عدمي يتوجه إليه الذهن عند المقايسة.

وقد حان وقت البحث عن التحليل التربوي للشرور الذي يسهّل التصديق بعدم كون إيجادها على فرض كونها أمورا عينية في الخارج ـ لأجل هذه الآثار التربوية ـ مخالفا للحكمة والعدل.

البحث الثّاني ـ التّحليل التربوي لمسألة الشرور

إنّ لهذه الحوادث آثارا تربوية مهمة في حياة البشر المادية تارة ، وفي إزاحة الغرور والغفلة عن الضمائر والعقول ثانيا. ولأجل هذه الفوائد صحّ إيجادها ، سواء قلنا بأنّ الشّر موجود بالذات ، كما عليه المعترض ، أو موجود بالعرض ، كما حققناه.

وإليك فيما يلي توضيح هذه الآثار واحدة بعد الأخرى.

أ ـ المصائب وسيلة لتفجير الطّاقات:

إنّ البلايا والمصائب خير وسيلة لتفجير الطاقات وتقدّم العلوم ورقي الحياة البشرية ، فها هم علماء الحضارة يصرّحون بأن أكثر الحضارات لم تزدهر إلا في أجواء الحروب والصراعات والمنافسات حيث كان الناس يلجئون فيها إلى استحداث وسائل الدفاع في مواجهة الأعداء المهاجمين ، أو إصلاح ما خرّبته الحروب من دمار وخراب. ففي مثل هذه الظروف تتحرك القابليات بجبران ما فات ، وتتميم ما نقص ، وتهيئة ما يلزم. وفي المثل السائر: «الحاجة أمّ الاختراع».

وبعبارة واضحة : إذا لم يتعرض الإنسان للمشاكل في حياته فإن طاقاته ستبقى جامدة هامدة لا تنمو ولا تتفتح ، بل نمو تلك المواهب وخروج الطاقات من القوة إلى الفعلية ، رهن وقوع الإنسان في مهب المصائب والشدائد.

نعم ، لا ندّعي بأنّ جميع النتائج الكبيرة توجد في الكوارث وإنما ندّعي أنّ عروضها يهيئ أرضية صالحة للإنسان للخروج عن الكسل. ولأجل ذلك ، نرى أنّ الوالدين الذين يعمدان إلى إبعاد أولادهما عن الصعوبات والشدائد لا يدفعان إلى المجتمع إلّا أطفالا يهتزون لكل ريح كالنبتة الغضّة أمام كل نسيم.

وأما اللذان ينشئان أولادهما في أجواء الحياة المحفوفة بالمشاكل والمصائب فيدفعان إلى المجتمع أولادا أرسخ من الجبال في مهب العواصف.

قال الإمام علي بن أبي طالب : «ألا إنّ الشّجرة البرّيّة أصلب عودا ، والرّوائع الخضرة أرقّ جلودا ، والنباتات البدويّة أقوى وقودا وأبطأ خمودا» (45).

وإلى هذه الحقيقة يشير قوله سبحانه : (فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً)(46).

وقوله تعالى : (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً* إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) (47).

وقوله تعالى : (فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ* وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ) (48) أي تعرّض للنّصب والتعب بالإقدام على العمل والسعي والجهد بعد ما فرغت من العبادة ، وكأنّ النصر والمحنة حليفان لا ينفصلان وأخوان لا يفترقان.

ب ـ المصائب والبلايا جرس إنذار

إنّ التمتع بالمواهب الماديّة والاستغراق في اللذائذ والشهوات يوجب غفلة كبرى عن القيم الأخلاقية ، وكلما ازداد الإنسان توغّلا في اللذائذ والنعم ، ازداد ابتعادا عن الجوانب المعنوية. وهذه حقيقة يلمسها كل إنسان في حياته وحياة غيره ، ويقف عليها في صفحات التاريخ. فإذن لا بد لانتباه الإنسان من هذه الغفلة من هزّة وجرس إنذار يذكّره ويوقظ فطرته وينبهه من غفلته. وليس هناك ما هو أنفع في هذا المجال من بعض الحوادث التي تقطع نظام الحياة الناعمة بشيء من المزعجات حتى يدرك عجزه ويتخلى عن غروره ويخفف من طغيانه. ونحن نجد في الكتاب العزيز التصريح بصلة الطغيان بإحساس الغنى ، إذ يقول عزوجل : (إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى) (49).

ولأجل هذا يعلل القرآن الكريم بعض النوازل والمصائب بأنها تنزل لأجل الذكرى والرجوع إلى الله ، يقول سبحانه : (وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنا أَهْلَها بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ) (50).

ويقول أيضا : (وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ)(51).

هكذا تكون البلايا والمصائب سببا ليقظة الإنسان وتذكرة له ، فهي بمثابة صفع الطبيب وجه المريض المبنّج لإيقاظه ، الذي لو لا صفعته لانقطعت حياة المريض.

فقد خرجنا بهذه النتيجة وهي أنّ التكامل الأخلاقي رهن المحن والمصائب ، كما أنّ التفتح العقلي رهن البلايا والنوازل.

والإنسان الواعي يتخذها وسيلة للتخلي عن الغرور ، كما يتخذها سلما للرقي إلى مدارج الكمال العلمي ، وقد لا يستفيد منها شيئا فيعدّها مصيبة وكارثة في الحياة.

ج ـ البلايا سبب للعودة الى الحق:

إنّ للكون هدفا ، كما أنّ لخلق الإنسان هدفا كذلك ، وليس الهدف من خلقة الإنسان إلّا أن يتكامل ويصل إلى ما يمكن الوصول إليه. وليس الهدف من بعث الأنبياء وإنزال الكتب إلّا تحقيق هذه الغاية السامية. ولما كانت المعاصي والذنوب من أكبر الأسباب التي توجب بعد الإنسان عن الهدف الذي خلق من أجله ، وتعرقل مسيرة تكامله ، كانت البلايا والمصائب خير وسيلة لإيقاف الإنسان العاصي على نتائج عتوه وعصيانه حتى يعود إلى الحق ويرجع إلى الطريق الوسطى. وإلى هذه النكتة يشير قوله سبحانه : (ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (52). ويقول سبحانه في آية أخرى : (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ) (53).

د ـ البلايا سبب لمعرفة النّعم وتقديرها: إنّ بقاء الحياة على نمط واحد يوجب أن لا تتجلى الحياة لذيذة محبوبة ، وهذا بخلاف ما إذا تراوحت بين المرّ والحلو والجميل والقبيح ، فلا يمكن معرفة السلامة إلّا بالوقوف على العيب. ولا الصّحة إلّا بلمس المرض ، ولا العافية إلّا عند نزول البلاء. ولا تدرك لذة الحلاوة إلّا بتذوق المرارة.

فجمال الحياة وقيمة الطبيعة ينشئان من التنوع والانتقال من حال الى حال ومن وضع إلى آخر. ولأجل ذلك نلمس أنّ خالق الطبيعة جعل الوديان إلى جانب الجبال ، والأشواك جانب الورود ، والثّمار المرّة جنب الحلوة ، والماء الأجاج جنب العذب الفرات ، إلى غير ذلك من مظاهر التضاد والتباين التي تضفي على الطبيعة بهاء وجمالا ، وكمالا وجلالا.

هذه هي الآثار التربوية للمصائب والبلايا ، وتكفي في تسويغ نزولها ، وتبرير تحقيقها في الحياة البشرية.

البلايا المصطنعة للأنظمة الطاغوتية: إنّ هناك من المحن ما ينسبه الإنسان الجاهل إلى خالق الكون ، والحال أنّها من كسب نفسه ونتيجة منهجه. بل الأنظمة الطاغوتية هي التي سببت تلك المحن وأوجدت تلك الكوارث ، ولو كانت هناك أنظمة قائمة على قيم إلهية لما تعرض البشر لتلك المحن.

فالتقسيم الظالم للثروات هو الذي صار سببا لتجمع الثروة عند ثلّة قليلة ، وانحسارها عن جماعات كثيرة ، كما صار سببا لتمتع الطائفة الأولى بكل وسائل الوقاية والحماية من الأمراض والحوادث وحرمان الطائفة الثانية منها. فهذه البلايا المصطنعة خارجة عن إطار البحث ، فلا تكون موقظة للفكر ولا مزكية للنفوس ، بل تهيء أرضية صالحة للانتفاضات والثورات.

إلى هنا خرجنا بهذه النتيجة وهي أنّ الظواهر غير المتوازنة بحسب النظرة السطحية متوازنة بالقياس إلى مجمل النّظام ولها آثار اجتماعيّة وتربويّة ولا مناص في الحياة البشريّة منها فلا تعد مناقضة للنّظم السائد ولا لحكمة الخالق ولا لعدله وقسطه سبحانه وتعالى.

(ثمرات التّحسين والتقبيح العقليّين)

3- الله عادل لا يجور: إنّ مقتضى التّحسين والتّقبيح العقليين ـ على ما عرفت ـ هو أنّ العقل ـ بما هو هو ـ يدرك أنّ هذا الشيء ـ بما هو هو ـ حسن أو قبيح، وأن أحد هذين الوصفين ثابت للشيء ـ بما هو هو ـ من دون دخالة ظرف من الظروف أو قيد من القيود، ومن دون دخالة درك مدرك خاص.

وعلى ذلك فالعقل في تحسينه وتقبيحه يدرك واقعية عامة، متساوية بالنسبة إلى جميع المدركين والفاعلين ، من غير فرق بين الممكن والواجب. فالعدل حسن ويمدح فاعله عند الجميع ، والظلم قبيح يذمّ فاعله عند الجميع. وعلى هذا الأساس فالله سبحانه ، المدرك للفعل ووصفه ـ أعني استحقاق الفاعل للمدح أو الذم ـ من غير خصوصية للفاعل ، كيف يقوم بفعل ما يحكم بأنّ فاعله مستحق للذم ، أو يقوم بفعل ما يحكم بأنه يجب التنزه عنه؟

وعلى ذلك فالله سبحانه عادل ، لأن الظلم قبيح ومما يجب التنزّه عنه ، ولا يصدر القبيح من الحكيم ، والعدل حسن ومما ينبغي الاتصاف به ، فيكون الاتصاف بالعدل من شئون كونه حكيما منزها عما لا ينبغي.

وإن شئت قلت : إنّ الإنسان يدرك أنّ القيام بالعدل كمال لكل احد.

وارتكاب الظلم نقص لكل أحد. وهو كذلك ـ حسب إدراك العقل ـ عنده سبحانه. ومعه كيف يجوّز أن يرتكب الواجب خلاف الكمال ، ويقوم بما يجرّ النقص إليه (54).

دفع إشكال: ربما يقال إنّ كون الشيء حسنا أو قبيحا عند الإنسان ، لا يدل على كونه كذلك عند الله سبحانه، فكيف يمكن استكشاف أنه لا يترك الواجب ولا يرتكب القبيح؟

والإجابة عنه واضحة ، وذلك أنّ مغزى القاعدة السالفة هو أنّ الإنسان يدرك حسن العدل وقبح الظلم لكلّ مدرك شاعر ، ولكلّ عاقل حكيم ، من غير فرق بين الظروف والفواعل. وهذا نظير درك الزوجية للأربعة ، فالعقل يدرك كونها زوجا عند الجميع ، لا عند خصوص الممكن ، فليس المقام من باب إسراء حكم الإنسان الممكن إلى الواجب تعالى ، بل المقام من قبيل استكشاف قاعدة عامة ضرورية بديهية عند جميع المدركين من غير فرق بين خالقهم ومخلوقهم. ولا يختص هذا الأمر بهذه القاعدة ، بل جميع القواعد العامة في الحكمة النظرية كذلك.

وعلى هذا يثبت تنزهه سبحانه عن كل قبيح ، واتصافه بكل كمال في مقام الفعل ، فيثبت كونه تعالى حكيما لا يرتكب اللغو وما يجب التنزه عنه ، وبالتالي فهو عادل لا يجور ولا يظلم ولا يعتدي.

العدل في الذّكر الحكيم: تضافرت الآيات الكريمة مركزة على قيامه سبحانه بالقسط ، نورد فيما بلي بعضا منها : قال سبحانه : (شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ)(55).

وكما شهد على ذاته بالقيام بالقسط ، عرّف الغاية من بعثة الأنبياء بإقامة القسط بين الناس.

قال سبحانه : (لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) (56).

كما صرّح بأن القسط هو الركن الأساس في محاسبة العباد يوم القيامة ، إذ يقول سبحانه : (وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً) (57).

وما في هذه الآيات وغيرها إرشادات إلى ما يدركه العقل من صميم ذاته ، بأنّ العدل كمال لكل موجود حيّ مدرك مختار ، وأنّه يجب أن يتصف الله تعالى به في أفعاله في الدنيا والآخرة ، ويجب أن يقوم سفراؤه به.

العدل في التشريع الإسلامي: وهذه المكانة التي يحتلها العدل ـ التي عرفت أنه لولاه لارتفع الوثوق بوعده ووعيده وانخرم الكثير من العقائد الإسلامية ـ هي التي جعلته سبحانه يعرّف أحكامه ويصف تشريعاته بالعدل ، وأنه لا يشرّع إلّا ما كان مطابقا له.

يقول سبحانه : (وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها وَلَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ)(58).

فالجزء الأول من الآية ناظر إلى عدله سبحانه بين العباد في تشريع الأحكام ، كما أنّ الجزء الثاني ناظر إلى عدله يوم الجزاء في مكافاته ، هذا.

وإن شعار الذكر الحكيم هو : (وَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)(59). وهو يكشف عن عدالته سبحانه في التشريع والجزاء.

العدل في روايات أئمة أهل البيت

اشتهر عليّ (عليه ‌السلام) وأولاده بالعدل ، وعنه أخذت المعتزلة ، حتى قيل : «التوحيد والعدل علويان والتشبيه والجبر أمويان». وإليك بعض ما أثر عنهم (عليهم ‌السلام).

1 ـ سئل عليّ (عليه ‌السلام) عن التوحيد والعدل ، فقال : «التوحيد أن لا تتوهّمه والعدل أن لا تتّهمه» (60) وقد فرض كونه سبحانه عادلا فطلب معناه.

قال ابن أبي الحديد : «هذان الركنان هما ركنا علم الكلام وهما شعار أصحابنا المعتزلة لنفيهم المعاني القديمة التي يثبتها الأشعري وأصحابه ، ولتنزيههم الباري سبحانه عن فعل القبيح ، ومعنى قوله : «أن لا تتوهمه» : أن لا تتوهمه جسما أو صورة أو في جهة مخصوصة أو مالئا لكل الجهات ، كما ذهب إليه قوم ، أو نورا من الأنوار ، أو قوة سارية في جميع العالم كما قاله قوم ، أو من جنس الأعراض التي تحل الحالّ أو تحل المحل وليس بعرض ، كما قاله النصارى ، أو تحله المعاني والأعراض فمتى توهم على شيء من هذا فقد خولف التوحيد.

وأما الركن الثاني فهو «أن لا تتهمه» : أي أن لا تتهمه في أنّه أجبرك على القبيح ويعاقبك عليه ، حاشاه من ذلك ولا تتهمه في أنّه مكّن الكذّابين من المعجزات فأضل بهم الناس ، ولا تتهمه في أنّه كلّفك ما لا تطيقه وغير ذلك من مسائل العدل التي تذكرها أصحابنا مفصلة في كتبهم ، كالعوض عن الألم فإنه لا بدّ منه ، والثواب على فعل الواجب فإنه لا بد منه ، وصدق وعده ووعيده فإنه لا بد منه.

وجملة الأمر أنّ مذهب أصحابنا في العدل والتوحيد مأخوذ عن أمير المؤمنين (عليه ‌السلام). وهذا الموضع من المواضع التي قد صرّح فيها بمذهب أصحابنا بعينه ، وفي فرش كلامه من هذا النمط ما لا يحصى» (61).

2 ـ روى (الصدوق) عن الصادق (عليه ‌السلام) أنّ رجلا قال له : إنّ أساس الدين التوحيد والعدل ، وعلمه كثير ، ولا بدّ لعاقل منه ، فاذكر ما يسهل الوقوف عليه ويتهيّأ حفظه. فقال (عليه‌ السلام) : «أمّا التّوحيد فأن لا تجوّز على ربّك ما جاز عليك ، وأمّا العدل فأن لا تنسب إلى خالقك ما لامك عليه» (62).

3 ـ وقال علي (عليه‌ السلام) : «وأشهد أنّه عدل عدل ، وحكم فصل» (63).

4 ـ وقال (عليه‌ السلام) : «الذي صدق في ميعاده ، وارتفع عن ظلم عباده ، وقام بالقسط في خلقه ، وعدل عليهم في حكمه» (64).

5 ـ وقال صلوات الله عليه : «الذي أعطى حلمه فعفا ، وعدل في كل ما قضى»(65).

6 ـ وقال (عليه ‌السلام) : «اللهمّ احملني على عفوك ، ولا تحملني على عدلك» (66).

إلى غير ذلك من المأثورات عن أئمة أهل البيت ، وسيوافيك قسم منها عند البحث عن القضاء والقدر ، والبحث عن الجبر والاختيار.

(ثمرات التحسين والتقبيح العقليين)

4- ما هو المصحح لعقوبة العبد؟ لقد تضافرت النصوص السماوية على عقوبة المجرمين والتنكيل بالظالمين وعندئذ يقع الكلام في مقامين:

الأول : ما هو الغرض من العقوبة؟ فهل هو التّشفي كما في قوله سبحانه : (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً) (67)؟ ولكن هذه الغاية منتفية في جانب الحق سبحانه لأنه أجلّ من أن يكون له هذا الداعي لاستلزامه طروء الانفعال إلى ذاته. أو لاعتبار الآخرين؟ وهذا إنّما يصح في دار التكليف لا في دار الجزاء. يقول سبحانه : (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (68).

فقوله : (وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) قرينة على أنّ الغاية من جلد الزانية والزاني هو اعتبار الآخرين ، أو أنه أحد الغايات.

الثاني : إنّ من السنن العقلية المقررة مساواة العقوبة للجرم كما وكيفا ، غير أن هذه المعادلة منتفية في العقوبات الأخروية ، فإنّ قسما من المجرمين يخلدون في النار مع أن معصيتهم أقل مدة من مدة التعذيب.

قال سبحانه : (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ)(69).

وقال سبحانه : (وَعَدَ اللهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ) (70).

قال المفيد : «اتّفقت الإمامية على أن الوعيد بالخلود في النار متوجه إلى الكفّار خاصة دون مرتكبي الذنوب من أهل المعرفة بالله تعالى والإقرار بفرائضه من أهل الصلاة»(71).

وقال الصدوق في عقائده : «اعتقادنا في النار أنه لا يخلد فيها إلّا أهل الكفر والشرك ، فأما المذنبون من أهل التوحيد فيخرجون منها بالرحمة التي تدركهم» (72).

وأما الجواب : عن السؤال الأول ، فنقول : إن السؤال عن غاية العقوبة ، وإنها هل هي للتشفي أو لإيجاد الاعتبار في غير المعاقب إنما يتوجه على العقوبات التي تترتب على العمل عن طريق التقنين والتشريع، فللتعذيب في ذلك المجال إحدى الغايتين : التشفّي أو الاعتبار.

وأما إذا كانت العقوبة أثرا وضعيا للعمل بالوجهين الآتيين ، فالسؤال ساقط ، لأن هناك ضرورة وجودية بين وجود المجرم والعقوبة التي تلابس وجوده في الحياة الأخروية ، فعند ذلك لا يصح أن يسأل عن أن التعذيب لما ذا ، وإنما يتجه السؤال مع إمكان التفكيك ، والوضع والرفع ، كالعقوبات الاتفاقية.

ثم إنّ الملازمة الخارجية بين الإنسان والعقوبة تتصور على وجهين :

الأول : إنّ كلا من الأعمال الإجرامية أو الصالحة التي تصدر من الإنسان في عالم الطبيعة توجد في النفس ملكة مناسبة لها ، بسبب تكرار العمل وممارسته. وهذه الملكات النفسانية ليست شيئا مفصولا عن وجود الإنسان ، بل تشكل حاقّ وجوده وصميم ذاته. فالإنسان الصالح والطالح إنما يحشران بهذه الملكات التي اكتسباها في الحياة الدنيوية عن طريق الطاعة والمعصية ، ولكل ملكة أثر خاص يلازمها. وإن شئت قلت : إنّ كل نفس مع ما اكتنفها من الملكات تكون خلّاقة للصور التي تناسبها ، إما الجنة والروح والريحان ، أو النار ولهيبها وعذابها. فعلى ذلك يكون الثواب والعقاب مخلوقين للنفس قائمين بها على نحو لا يتمكن من ترك الإيجاد. وهذا كالإنسان الصالح الذي ترسخت فيه الملكات الصالحة في هذه الدنيا ، فإنه لا يزال يتفكر في الأمور الصالحة ، ولا تستقر نفسه ولا تهدأ إلّا بالتفكر فيها ، وفي مقابله الإنسان الطالح الذي ترسخت فيه الملكات الخبيثة عن طريق الأعمال الشيطانية في الحياة الدنيوية فلا يزال يتفكر في الأمور الشرّيرة والرديئة ، ولو أراد إبعاد نفسه عن التفكر فيما يناسب ملكتها لم يقدر على ذلك.

ويظهر من العلامة (الطباطبائي) أنّ الثواب والعقاب الأخرويين من الحقائق التي يكتسبها الإنسان بأعماله الصحيحة والفاسدة ، وهما موجودان في هذه النشأة غير أنّ الأحجبة تحجز بينه وبين ما أعد لنفسه من الجنة والنار ، قال : «إن ظاهر الآيات أنّ للإنسان في الدنيا وراء الحياة التي يعيش بها فيها حياة أخرى سعيدة أو شقية ، ذات أصول وأعراق ، يعيش بها فيها وسيطلع ويقف عليها عند انقطاع الأسباب وارتفاع الحجب».

إلى أن قال : «إنّ الأعمال تهيء بأنفسها أو باستلزامها وتأثيرها أمورا مطلوبة أو غير مطلوبة أي خيرا أو شرا هي التي سيطلع عليها الإنسان يوم يكشف عن ساق» (73).

وقد استظهر ما ذكره من عدة آيات ذكرها في كتابه.

وعلى ضوء ما ذكرنا ، فالإنسان الوارد إلى الحياة الجديدة إنما يردها بملكات طيبة أو خبيثة ، ولها لوازم تطلبها ضرورة وجوبا شاء أم لم يشاء. وهذه اللوازم تتجلى بصورة النعم والنقم لكل من الطائفتين.

فعند ذلك يسقط السؤال عن الهدف من التعذيب. وهذا نظير من شرب السم فيقتل ، أو شرب الدواء النافع فيبرأ ، فلا يصح السؤال عن الهدف من القتل والإبراء.

الثاني : إنّ من المقرر في محله أنّ لعمل الإنسان صورتين ، صورة دنيوية وصورة أخروية ، فعمل الإنسان يتجلى في كل ظرف بما يناسبه ، فالصلاة لها صورتها الخاصة في هذه الحياة من حركات وأذكار ، ولكن لها صورة أخرى في الحياة الأخروية.

كما أنّ الصوم له وجود خاص في هذا الظرف يعبر عنه بالإمساك عن المفطرات ، وله وجود آخر في العالم الأعلى يعبر عنه بكونه جنّة من النار. وهكذا سائر الأعمال من صالحها وطالحها. وهذا ما أخبر عنه الكتاب العزيز ، يقول سبحانه : (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً) (74).

وقال سبحانه : (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ ، بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ ، سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ) (75).

وقال سبحانه : (يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ) (76).

إلى غير ذلك من الآيات التي تدل على حضور نفس العمل يوم القيامة ، لكن باللباس الأخروي ، وهذا يعرب عن أنّ لفعل الإنسان واقعية تتجلى في ظرف بصورة وفي آخر بأخرى.

وهذه الأعمال تلازم وجوده ولا تنفك عنه ، فإذا كان عمل كل إنسان يعد من ملازمات وجوده ، وملابسات ذاته ، فالسؤال عن أنّ التعذيب لما ذا ، يكون ساقطا ، إذ السؤال إنما يتوجه إذا كان التفكيك أمرا ممكنا.

والفرق بين الوجهين واضح : ففي الوجه الأول تكون نفس الإنسان الصالح أو الطالح خلّاقة لثوابه وعقابه وجنته وناره حسب الملكات التي اكتسبتها في هذه الدنيا بحيث لا يمكن لصاحب هذه الملكة السكون والهدوء إلّا بفعل ما يناسبها. وفي الوجه الثاني يكون العمل متجليا في الآخرة بوجوده الأخروي من دون أن يكون للنفس دور في تلك الحياة في تجلّي هذه الأعمال بتلك الصور بل هي من ملازمات وجود الإنسان المحشور ، فلا يحشر الإنسان وحده بل يحشر مع ما يلازم وجوده ويقارنه ويلابسه ولا ينفك عنه. وباختصار تكون رابطة الجزاء مع الإنسان في القسم الأول رابطة إنتاجية بحيث تكون النفس منتجة ومولّدة للجزاء الحسن والسيئ. وأما في الثاني فهي من ملازمات وجود الإنسان وملابساته من دون انتاج.

قال تعالى : (وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً) (77).

ولعلك لو نظرت إلى الآيات التي تحكي عن حضور نفس العمل في الآخرة ، وأضفت إليها «احتمال كون هذه الأعمال بصورها الأخروية من ملازمات ذات الإنسان صالحه وطالحه» لسهل عليك الإجابة عن السؤال من أنّ التعذيب لما ذا. قال سبحانه : (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً) (78) وقال سبحانه : (وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً) (79). وقال سبحانه : (عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ) (80). وقال سبحانه حاكيا عن لقمان : (يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّماواتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللهُ) (81).

فليس الحاضر يوم الجزاء إلّا نفس العمل الذي يعبّر عنه بتجسم الأعمال وتحققها بالصور المناسبة لذلك الظرف.

ولعل ما ورد في الآيات والروايات من أنّ العمل الصالح حرث الآخرة أو مطلق العمل كذلك إشارة إلى هذا الجواب. فذات العمل طاعة كان أو عصيانا ، حبّ يزرعه الإنسان في حياته الدنيوية ، وهذا الحبّ ينمو ويتكامل ويصير حرثا له في الآخرة يحصده بحسب ما زرع ، قال سبحانه : (مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ، وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ) (82).

قال أمير المؤمنين (عليه ‌السلام) : «العمل الصالح حرث الآخرة» (83).

كل ذلك يعرب عن أنّ رابطة الجزاء مع الإنسان رابطة العلية والمعلولية.

فالإنسان بوجوده علة لجزائه ، إما بخلقه وإيجاده أو كونه زارعا في هذه الدنيا زرعا يحصد جناه في الآخرة ، وليس بينه وبين حرثه انفكاك. فإذا كانت الرابطة بهذه الصورة (العلية والمعلولية) لم يكن للسؤال مجال.

نعم ، لا يصحّ لمتشرع ملمّ بالكتاب والسنّة أن يحصر النّعمة والنّقمة في هذين القسمين وينكر جنة مفصولة أو عذابا كذلك عن وجود الإنسان وعمله ، فإن الظاهر أنّ لكل من الجنة والنار وجودين مستقلين يرد إليهما الإنسان حسب أعماله. ومع ذلك كله ، لا مانع من أن يكون هناك تعذيب أو تنعيم بأحد المعنيين الماضيين. ولمّا كان الإشكال عقليا ، كفى في رفعه ما ذكرنا من الوجهين.

وأما الجواب عن السؤال الثاني فنقول :

إنّ ما ذكر من السّنة العقلية من التطابق بين الجرم والعقوبة كمّا وكيفا ، إنما يرتبط بالعقوبات الجعلية ، وأما إذا كانت العقوبة أثرا وضعيا للعمل فلا نجد تلك المطابقة في الكم ولا في الكيف.

فالسائق الغافل لحظة واحدة ربما يتحمل خسارات نفسية ومالية تدوم مدة عمره. والإنسان الذي يستر بذرة شوك أو بذرة ورد تحت التراب ، يحصد الأشواك والورود ما دام العمر ، فالعمل كان آنيا والنتيجة دائمية، فليست المعادلة محفوظة بين العمل وثمرته.

فإذا كان عمل الإنسان في هذه الحياة بذورا لما يحصده في الآخرة فلا مانع من أن تكون النتيجة دائمية والعمل آنيا أو قصير المدة. وهذا بنفسه كاف في ردّ الإشكال ، وقد عرّفه سبحانه نتيجة عمله في الآخرة وأنّ أعماله القصيرة سوف تورث حسرة طويلة أو دائمة وأنّ عمله هنا سينتج له في الآخرة أشواكا تؤذيه أو ورودا تطيّبه ، وقد أقدم على العمل عن علم واختيار ، فلو كان هناك لوم فاللوم متوجه إليه ، قال سبحانه حاكيا عن الشيطان : (وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) (84).

وفيما مرّ من الآيات التي تعدّ الجزاء الأخروي حرثا للإنسان تأييد لهذا النظر.

على أنّ من المحتمل أنّ الخلود في العذاب مختص بما إذا بطل استعداد الرحمة وإمكان الإفاضة. قال تعالى : (بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ) (85).

ولعل قوله : (وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ) إحاطتها به إحاطة توجب زوال أي قابلية واستعداد لنزول الرحمة ، والخروج عن النقمة (86).

وكيف كان ، فيظهر صحة ما ذكرنا إذا أمعنت النظر فيما تقدم في الجواب عن السؤال الأول وهو أنّ الجزاء إمّا مخلوق للنفس أو يلازم وجود الإنسان وفي مثله لا تجري السنة العقلية كما هو واضح.

(ثمرات التحسين والتقبيح والعقليين)

5- التكليف بما لا يطاق محال: إنّ الوجدان السليم والعقل البديهي يحكم بامتناع التكليف بما لا يطاق ، أما إذا كان الآمر إنسانا ، فهو بعد وقوفه على عجز المأمور لا تنقدح الإرادة الجدّية في لوح نفسه وضمير روحه. ولأجل ذلك يكون مرجع التكليف بما لا يطاق إلى كون نفس التكليف محالا.

وأما إذا كان الآمر هو الله سبحانه ، فالأمر فيه واضح من وجهين :

الأول : التكليف بما لا يطاق أمر قبيح عقلا ، فيستحيل عليه سبحانه من حيث الحكمة أن يكلّف العبد بما لا قدرة له عليه ، ولا طاقة له به. كأن يكلّف الزّمن بالطيران إلى السماء ، أو إدخال الجمل في خرم الابرة ، من غير فرق بين كون نفس التكليف بالذات ممكنا ، ولكن كان خارجا عن إطار قدرة المخاطب ، كالطيران إلى السماء ، أو كان نفس التكليف بما هو هو محالا من غير فرق بين إنسان وإنسان. كدخول الجسم الكبير في الجسم الصغير من دون أن يتوسّع الصغير أو يتصغّر الكبير.

الثاني : الآيات الصريحة في أنّه سبحانه لا يكلف الإنسان إلّا وسعه ، وقدر طاقته ، قال سبحانه : (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها) (87). وقال تعالى : (وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) (88).

وقال عزّ من قائل : (وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً) (89). والظلم هو الإضرار بغير المستحق ، وأي إضرار أعظم من هذا ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

هذا ملخص القول في هذا الأصل ، وقد بسط فيه الكلام الأصوليون وغيرهم في كتبهم الخاصة بفنهم.

ومع هذه البراهين المشرقة نرى أنّ الأشاعرة سلكوا غير هذا المسلك وجوّزوا التكليف بما لا يطاق. وبذلك أظهروا العقيدة الإسلامية ، عقيدة مخالفة للوجدان والعقل السليم والفطرة. ومن المأسوف عليه أنّ المستشرقين أخذوا عقائد الإسلام عن المتكلمين الأشعريين ، فإذا بهم يصفونها بكونها على خلاف العقل والفطرة لأنهم يجوزون التكليف بما لا يطاق.

والمهم هو تحليل ما استدلوا به من الآيات (90).

أدلة الأشاعرة على التكليف بما لا يطاق

إنّ الأشاعرة ـ بدلا من الرجوع إلى العقل في هذا المجال ـ استدلوا بآيات تخيلوا دلالتها على ما يرتئونه مع انها بمنأى عما يتبنونه في المقام. وإليك تلك الآيات مع بيان استدلالهم وتحليله.

الآية الأولى ـ قوله تعالى : (أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ) (91).

وجه الاستدلال : إنهم قد أمروا أن يسمعوا الحق وكلّفوا به مع أنهم (ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ) : فدلّ ذلك على جواز التكليف بما لا يطاق. ودلّ على أنّ من لم يقبل الحق ولم يسمعه على طريق القبول لم يكن مستطيعا.

يلاحظ عليه : إنّ الاستدلال ضعيف جدا. يظهر ضعفه بتفسير جمل الآية واحدة بعد الأخرى.

أ ـ قوله تعالى : (أُولئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ) : بمعنى أنّهم لم يكونوا معجزين لله تعالى في حياتهم الأرضية وإن خرجوا عن زي العبودية فإن قدرتهم لم تغلب قدرة الله.

ب ـ قوله : (وَما كانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ) : أي إنّهم وإن اتخذوا أصنامهم أولياء ، ولكنها ليست أولياء حقيقة ، وليس لهم أولياء من دون الله.

ج ـ قوله : (يُضاعَفُ لَهُمُ الْعَذابُ) : أي يعاقبون عقابا مضاعفا جزاء بما أتوا به من الغي والظلم والأعمال السيئة.

د ـ قوله : (ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَما كانُوا يُبْصِرُونَ) : هذه الجملة في مقام التعليل ، يريد أنّهم لم يكفروا ولم يعصوا أمر الله لأجل غلبة إرادتهم إرادة الله. ولا لأن لهم أولياء من دون الله بل لأنهم ما كانوا يستطيعون أن يسمعوا أو يبصروا آياته حتى يؤمنوا بها ، ولكن عدم استطاعتهم ليس بمعنى عدم وجودها فيهم من بداية الأمر بل لأنهم حرموا أنفسهم من هذه النعم بالذنوب فصارت الذنوب وسيلة لكونهم ذوي قلوب لا يفقهون بها ، وذوي أعين لا يبصرون بها ، وذوي آذان لا يسمعون بها ، فصاروا كالأنعام بل هم أضل.

قال سبحانه : (لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ، وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ، وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها ، أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُ) (92).

وباختصار : فرق بين عدم الاستطاعة فيهم من بداية التكليف وعدم قدرتهم على الإيمان واستماع الآيات وإبصارها. وعدم الاستطاعة لتماديهم في الظلم والغيّ وإحاطة ظلمة الذنوب على قلوبهم وأعينهم وأبصارهم وأسماعهم. فالآية نزلت في المجال الثاني والبحث في الأول. وقد تواترت النصوص من الآيات والأحاديث على أنّ العصيان والطغيان يجعل القلوب عمياء والأسماع صمّاء. قال سبحانه : (فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ) (93).

وقال سبحانه حاكيا عن المجرمين : (لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ* فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ) (94).

فالكلمة المعروفة بين المتكلمين والحكماء من أنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار مقتبسة من هذه الآيات وصريح الفطرة.

الآية الثانية ـ قوله تعالى : (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) (95).

وجه الاستدلال : إنّه سبحانه كلّفهم بالإنباء بالأسماء مع أنّهم لم يكونوا عالمين بها.

يلاحظ عليه : إنّ الأمر في قوله (أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ) للتعجيز لا للتكليف والبعث نحو الإنباء حقيقة نظير قوله سبحانه : (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) (96).

توضيحه : إنّ لصيغة الأمر معنى واحدا وهو إنشاء البعث نحو الشيء ، لكنّ الغايات تختلف حسب اختلاف المقامات ، فتارة تكون الغاية من الإنشاء هي بعث المكلف نحو الفعل جدا وهذا هو الأمر الحقيقي الذي يثاب فاعله ويعاقب تاركه ، ويشترط فيه قدرة المكلف واستطاعته. وأخرى تكون الغاية أمورا غيره ، فلا يطلق عليه «التكليف الجدّي» ، كالتعجيز في الآية السابقة ، والتسخير في الآية التالية : (كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ) (97). إلى غير ذلك من الغايات التي تدفع المتكلم إلى التعبير عن مقاصده بصيغة الأمر. وذلك واضح لمن تتبع كلام العقلاء.

الآية الثالثة ـ قوله تعالى : (يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ* خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ) (98).

وجه الاستدلال : إنّه إذا جاز تكليفهم في الآخرة بما لا يستطيعون جاز ذلك في الدنيا.

يلاحظ عليه : إنّ الدعوة إلى السجود في ذلك الظرف ليست عن جد وإرادة حقيقية. بل الغاية من إنشاء البعث إيجاد الحسرة في المشركين التاركين للسجود حال استطاعتهم في الدنيا. والآية بصدد بيان أنّهم في أوقات السلامة رفضوا الإطاعة والامتثال ، وبعد ما كشف الغطاء عن أعينهم ورأوا العذاب همّوا بالطاعة والسجود ولكن أنّى لهم ذلك في الآخرة ، وإليك تفسير جمل الآية واحدة بعد الأخرى :

أ ـ قوله : «يوم يكشف عن ساق» : كناية عن اشتداد الأمر تفاقمه لأن الإنسان إذا أراد عبور الماء المتلاطم يكشف عن ساقيه ثم يخوض غماره ، فاستعير لبيان شدة الأمر وإن لم يكن هناك ماء ولا ساق ولا كشف ، كما يقال للأقطع الشحيح : «يده مغلولة» ، وإن لم يكن هناك يد ولا غلّ.

ب ـ قوله : (يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ) : لا طلبا ولا تكليفا عن جد ، بل لزيادة الحسرة على تركهم السجود في الدنيا مع سلامتهم ، كما يقول المعلم الممتحن لتلميذه الذي يعلم أنّه سيرسب في الامتحان ، أدرس وطالع واسهر الليالي ، لإيجاد الحسرة في قلبه ، مع أنّه ليس هناك مجال لواحد من هذه الأمور.

ج ـ قوله : (فَلا يَسْتَطِيعُونَ) : إما لسلب السلامة عنهم إثر أعمالهم الأجرامية في الدنيا ، أو لاستقرار ملكة الاستكبار في سرائرهم ـ (يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ) ـ أو لتعلق مشيئته سبحانه بانحصار العمل في الدنيا وانحصار الآخرة بالنتاج والجزاء. قال أمير المؤمنين (عليه‌ السلام) : «ألا وإنّ اليوم المضمار ، وغدا السّباق ، والسّبقة الجنّة ، والغاية النار ، أفلا تائب من خطيئته قبل منيّته ، ألا عامل لنفسه قبل يوم بؤسه ، ألا وإنّكم في أيام عمل من ورائه أجل» (99). ولعل الوجه الأول من هذه الوجوه الثلاثة أقرب إلى مفاد الآية ، لما في آخرها من قوله : (وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ) ، الظاهر في عدم سلامتهم في غير ذاك الظرف.

د ـ قوله : (خاشِعَةً أَبْصارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ) : أي تكون أبصارهم خاشعة وتغشاهم في ذلك اليوم ذلة.

ه ـ قوله : (وَقَدْ كانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سالِمُونَ) : إنهم لما دعوا إلى السجود في الدنيا فامتنعوا عنه مع صحتهم وصحة أبدانهم ، يدعون إلى السجود في الآخرة ، ولا يستطيعون. والغاية من الدعوة ازدياد حسرتهم وندامتهم على ما فرّطوا في الدنيا وهم سالمون أصحاء.

ومجموع جمل الآية تعرب بوضوح عن أنّ الدعوة إلى السجود في ذلك الظرف لا تكون عن جد بل لغايات أخر لا يشترط فيها القدرة.

الآية الرابعة ـ قوله تعالى : (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً) (100).

وجه الاستدلال : إنّه سبحانه أمر بالعدل في قوله : (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً) (101) ومع ذلك أخبر عن عدم الاستطاعة على العدل.

يلاحظ عليه : إنه سبحانه أمر بالعدالة من يتزوج أكثر من واحدة كما مرّ في هذه الآية. وفي الوقت نفسه أخبر في الآية المستدل بها عن عدم استطاعة المتزوجين أكثر من واحدة على العدل ، وفي الوقت نفسه أيضا نهى عن التعلق التام بالمحبوبة منهن والإعراض عن الأخريات رأسا حتى لا تصرن كالمعلقات ، لا متزوجات ولا مطلقات.

وبالتأمل في جمل الآيتين يظهر أن العدالة التي أمر بها غير العدالة التي أخبر عن عدم استطاعة المتزوج على القيام بها.

فالمستطاع هو الذي يقدر عليه كل متزوج أكثر من واحدة ، وهو العدالة في الملبس والمأكل والمسكن وغيرها من حقوق الزوجة التي يقوم الزوج بها بجوارحه التي تحت اختياره ، لا بجوانحه وبواطنه التي لا سلطان له عليها.

وأما غير المستطاع منها فهو المساواة في إقبال النفس والبشاشة والأنس وهو مما لا يملكه المرء ولا يحيط به اختياره ولا سلطان له عليه.

إلى هنا تبين أنّ التكليف بما لا يطاق سواء أكان ممكنا بالذات أو غير ممكن ، مما يأباه العقل وتنكره الفطرة ، ولا يقرّ به العقلاء في حياتهم الاجتماعية ، كما تنكره الآيات الصريحة.

وأما ما استدل به الشيخ الأشعريّ فلا دلالة فيه ، والحافز له على سوق هذه الآيات على ما يتبناه هو رأيه المسبق. وذلك أنّه لما اختار عدم تأثير قدرة العبد في فعله وأنه بعامة أجزائه وخصوصياته لله سبحانه ، وليس للعبد دور إلّا كونه ظرفا للفعل ، وكون الخلق من الله سبحانه مقارنا لإرادة العبد ، رتب على ذلك أمرين :

الأول ـ جواز التكليف بما لا يطاق.    الثاني ـ كون الاستطاعة مقارنة للفعل.

أما الأول ، فلأنه إذا لم يكن لقدرة العبد دور في نفس الفعل ، فلا يفرق بين كون التكليف مقدورا عليه أو غير مقدور ، وقد عرفت بطلانه.

وأما الثاني ، فإنما ذهب إليه توهّما منه أنّ وجود القدرة والاستطاعة قبل الفعل ربما لا يجتمع مع القول بكون الخلق والإيجاد منه سبحانه ، فقال بعدم تقدم الاستطاعة ولزوم مقارنتها مع وجود الفعل ، وهذا هو ما عقدنا له عنوانا مستقلا في البحث التالي.

إنّ المشكلة المهمة في كلام الأشاعرة وأهل الحديث والحنابلة هي رفضهم العقل وإعدامه في المجالات التي يختص بالقضاء فيها. ومن أعدم العقل وصلبه فلا يترقب منه غير هكذا آراء.

(ثمرات التحسين والتقبيح والعقليين)

6- القدرة على الفعل قبله: هل الاستطاعة والقدرة في الإنسان متقدمان على الفعل أو مقارنان له؟

العدليّة على الأول ، والأشاعرة على الثاني. والحق التفصيل ولعلّ هذا مراد الجميع.

بيان ذلك: إنّ القدرة تطلق ويراد منها أحد الأمرين:

الأول : صحة الفعل والترك ، وإن شئت قلت : كون الفاعل في ذاته بحيث إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل. فلو أريد من القدرة هذا المعنى ، فلا شك أنها مقدمة على الفعل فطرة ووجدانا ، فإنّ القاعد ، قادر على القيام حال القعود ، والساكت قادر على التكلم في زمان سكوته ، لكن بالمعنى المزبور.

الثاني : ما يكون الفعل معه ضروري الوجود باجتماع جميع ما يتوقف وجود الفعل عليه ، وتحقق العلة التامة التي لا ينفك المعلول عنها. فالقدرة بهذا المعنى مقارنة للفعل ، ليست مقدمة عليه تقديما زمانيا وإن كانت متقدمة رتبة.

والحق إنّ المسألة بديهية للغاية وما أثير حولها من الشبهات خصوصا ما ذكره الشيخ الأشعري في (اللمع) أشبه بالشبه السوفسطائية (102). ومثله ما ذكره تلاميذ مدرسته ، كالتفتازاني في (شرح المقاصد). ونظام الدين القوشجي في (شرح التجريد) (103). وما ذكرناه من التفصيل هو الحاسم في البحث ، ويظهر لبّه من فخر الدين الرازي الذي نقله السيد الجرجاني في (شرح المواقف) (104).

وبذلك يظهر أنّ ما أقامته المعتزلة من البراهين على تقدم القدرة على الفعل تنبيهات على المسألة ، ولا يحتاج الأمر إلى هذا التفصيل المسهب. ولكن الذي ينبغي البحث عنه هو تبيين الحافز الذي دعى الشيخ الأشعريّ إلى اختيار ذلك المذهب (مقارنة القدرة للفعل). مع أنّ التقدم والمقارنة بالنسبة إلى ما جاء في الكتاب والسنّة متساويان ، فإذا يقع الكلام في تعيين الداعي إلى اختيار القول بالتقارن بل التركيز عليه.

المحتمل قويا أن يكون الداعي هو قوله بمسألة خلق أفعال العباد ، وإنها مخلوقة لله لا للعباد لا أصالة ولا تبعا ، حتى أنّ القدرة الحادثة في العبد عند حدوث الفعل غير مؤثرة في إيجاده بل مقارنة له. فإذا المناسب لتلك العقيدة نفي القدرة المتقدمة على الفعل ، والاكتفاء بالمقارن له ، وكأن الشيخ تصوّر أن القدرة المتقدمة على الفعل تزاحم قدرة الله تعالى فلأجل ذلك وجد في نفسه دافعا روحيا إلى البرهنة على بطلان التقدم وإثبات التقارن.

نعم ، القول بالتقارن ونفي التقدم لا يختص بالشيخ الأشعري وتلامذته ، بل وافقهم عليه بعض المعتزلة ، كالنّجار ، ومحمد بن عيسى ، وابن الراوندي ، وغيرهم (105).

وقد اتفقت كلمة الجميع على أنّ قدرة الله تعالى متقدمة على الفعل. وذلك أيضا معلوم حسب أصولنا ، لأن القدرة في غيره سبحانه عين القوة والإمكان. وفي الواجب تعالى عين الفعلية والوجوب ، وأنّ وجوده بالذات ، وكل صفة من صفاته ، بالفعل ليس فيها قوة ولا إمكان ولا استعداد.

وقد أسهب صدر المتألهين الكلام في هذا المقام في أسفاره ودفع بعض الإشكالات التي ترد على القول بقدم قدرته وفعليته (106).

الاستطاعة في أحاديث أئمة أهل البيت: لقد تضافرت الروايات عن أئمة أهل البيت على تقدم الاستطاعة على الفعل. وإليك بعض ما روي عنهم في هذا الشأن:

1 ـ روى الصدوق عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه ‌السلام) قال : «ما كلّف الله العباد كلفة فعل ولا نهاهم عن شيء حتى جعل لهم الاستطاعة ، ثم أمرهم ونهاهم ، فلا يكون العبد آخذا ولا تاركا إلّا بالاستطاعة متقدمة قبل الأمر والنّهي ، وقبل الأخذ والتّرك ، وقبل القبض والبسط» (107).

2 ـ وروى أيضا عن أبي بصير عن أبي عبد الله قال : سمعته يقول ـ وعنده قوم يتناظرون في الأفاعيل والحركات ـ فقال : «الاستطاعة قبل الفعل لم يأمر الله عزوجل بقبض ولا بسط إلّا والعبد لذلك مستطيع» (108).

3 ـ وروى أيضا عن سليمان بن خالد قال : سمعت أبا عبد الله (عليه ‌السلام) يقول : «لا يكون من العبد قبض ولا بسط إلّا باستطاعة متقدّمة للقبض والبسط» (109).

4 ـ وروى أيضا عن محمد بن أبي عمير عمن رواه من أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه ‌السلام) قال سمعته يقول : «لا يكون العبد فاعلا إلّا وهو مستطيع وقد يكون مستطيعا غير فاعل ، ولا يكون فاعلا أبدا حتّى يكون معه الاستطاعة» (110) وهناك روايات كثيرة أخرى مبثوثة في باب الاستطاعة من (التوحيد) فلاحظها.

ومن لطيف ما استدلّ به أئمة أهل البيت على تقدم الاستطاعة على الفعل قوله سبحانه : (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) (11) ، فقد «سأل هشام بن الحكم الإمام الصادق عن معنى الآية وقال : ما يعني بذلك؟ قال : من كان صحيحا في بدنه ، مخلى سربه ، له زاد وراحلة» (112).

«وقال أبو بصير : سمعت أبا عبد الله (عليه ‌السلام) يقول : «من عرض عليه الحجّ ولو على حمار أجدع مقطوع الذّنب فأبى ، فهو ممّن يستطيع الحجّ» (113).

__________________

(1) الإشارات والتنبيهات ، ج 1 ، ص 219 ـ 220 ـ قوله : «وإمّا اصطلاحيات» : يريد منه أن تكون مشهورة عند الكل كقولنا : «العلم بالمتقابلات واحد» ، فإنّ العلم بأبوة زيد لعمرو مساوق للعلم ببنوة عمرو لزيد. أو عند أصحاب صناعة كقولنا : «التسلسل محال» ، وهو مشهور عند المناظرة. أو عند أصحاب ملة كقولنا : «الإله واحد» و «الرّبا حرام».

(2) تعليقات الحكيم السبزواري على شرح المنظومة ، ص 310.

(3) كشف المراد ، ص 186.

(4) شرح التجريد للفاضل القوشجي ، ص 442.

(5) كشف المراد ، ص 186.

(6) نهج البلاغة ، الكتاب 53.

(7) دلائل الصّدق ، ج 1 ، ص 369.

(8) اللّمع ، ص 116.

(9) اللّمع ، ص 117.

(10) كشف المراد ، ص 186.

(11) وجه الضبط أنّ القضايا البديهية إمّا أن يكون تصور طرفيها مع النسبة كافيا في الحكم والجزم ، أو لا يكون. والأول هو الأوليات ، والثاني إمّا أن يتوقف على واسطة غير الحس الظاهر والباطن أو لا. والثاني المشاهدات ، وتنقسم إلى مشاهدات بالحس الظاهر ومشاهدات بالحسّ الباطن. والأول إمّا أن تكون تلك الواسطة بحيث لا تغيب عن الذهن عند تصور الأطراف أو لا تكون كذلك ، فالأول هي الفطريات ، وتسمى بالقضايا التي قياساتها معها. والثاني إمّا أن يستعمل فيه الحدس ، وهو انتقال الذهن الدفعي من المبادي إلى المطالب أو لا يستعمل فيه ، فالأول هو الحدسيات ، والثاني إن كان الحكم فيه حاصلا بإخبار جماعة يمتنع عند العقل تواطؤهم على الكذب فهو المتواترات ، وإن لم يكن كذلك بل حاصلا من كثرة التجارب فهي التجريبيات وقد علم بذلك حدّ كل واحد منها.

(12) الإحكام ، للآمدي ، ج 1 ، ص 121.

(13) كشف المراد ، ص 187.

(14) لاحظ شرح تجريد الاعتقاد للفاضل القوشجي ، ص 329 ، حول قولهم يكون الإنسان مجبورا في فعله. وسيوافيك مفصّلا البحث في الجبر الأشعري عند البحث في «العدل الإلهي وأفعال الإنسان».

(15) سورة النحل : الآية 90.

(16) سورة الأعراف : الآية 33.

(17) سورة الأعراف : الآية 157.

(18) سورة الأعراف : الآية 28.

(19) سورة ص : الآية 28.

(20) سورة القلم : الآيتان 35 ـ 36.

(21) سورة الرحمن : الآية 60.

(22) سنبحث مفصلا في لزوم بعثة الأنبياء في مباحث النبوّة العامّة.

(23) سنبحث عن خاتمية الإسلام في مباحث النبوّة الخاصّة.

(24) وهناك جملة أخرى من التساؤلات حول حكمته وعدله تعالى ، أجاب عنها الأستاذ دام ظله في موسوعته «الله خالق الكون» ، فلاحظ ص 97 ـ 99. وص 269 ـ 281.

(25) المواقف ص 231.

(26) إشارات المرام ص 54.

(27) المواقف ، ص 333. وشرحه ، ج 8 ، ص 204.

(28) دلائل الصدق ، ج 1 ، ص 233.

(29) المواقف ، ص 322. وشرحه ، ج 8 ، ص 204.

(30) سورة المؤمنون : الآية 115.

(31) سورة الدخان : الآية 38.

(32) سورة ص : الآية 27.

(33) سورة الذاريات : الآية 56.

(34) الأسفار ، ج 2 ، ص 280.

(35) الأسفار ، ج 7 ، ص 84.

(36) الأسفار ، ج 2 ، ص 263.

(37) لاحظ الأسفار ، ج 2 ، ص 263.

(38) الأسفار ، ج 7 ، ص 68.

(39) سورة آل عمران : الآية 191.

(40) سورة الإسراء : الآية 85.

(41) سورة الروم : الآية 7.

(42) على أطلال المذهب المادي ، ج 1 ، ص 136.

(43) الاسفار الاربعة ، ج 7 ، ص 62.

(44) سورة طه : الآية 50.

(45) نهج البلاغة ـ الخطبة 45.

(46) سورة النساء : الآية 19.

(47) سورة الانشراح : الآيتان 5 و 6.

(48) سورة الانشراح : الآيتان 7 و 8.

(49) سورة العلق : الآيتان 6 و 7.

(50) سورة الأعراف : الآية 94.

(51) سورة الأعراف : الآية 130.

(52) سورة الروم : الآية 41.

(53) سورة الاعراف : الآية 96.

(54) وربما يقرر وجه عدم صدور عدم القبيح عنه تعالى بأنّ الدّاعي إلى صدوره إما داعي الحاجة ، أو داعي الحكمة ، أو داعي الجهل. والكل منتف في حقه سبحانه. أمّا الأول فلغناه المطلق ، وأمّا الثّاني فلكون الحكمة في خلافه ، وأما الثالث فلكونه عالما على الإطلاق.

وبما أنّ هذا الدليل مبني على كون فاعلية الواجب بالداعي الزائد على ذاته ، وهو خلاف التحقيق ، لكونه تاما في الفاعلية فلا يحتاج فيها إلى شيء وراء الذات ، أتينا به في الهامش. وقد اعتمد عليه العلّامة في شرح التجريد ص 187 ـ 188. والفاضل المقداد في شرح نهج المسترشدين ص 260 وغير ذلك من الكتب الكلامية.

(55) سورة آل عمران : الآية 18.

(56) سورة الحديد : الآية 25.

(57) سورة الأنبياء : الآية 47.

(58) سورة المؤمنون : الآية 62.

(59) سورة الروم : الآية 9.

(60) نهج البلاغة ـ قسم الحكم ـ رقم 470.

(61) شرح نهج البلاغة ، لابن أبي الحديد ، ج 20 ، ص 227.

(62) التوحيد ، باب معنى التوحيد والعدل ، الحديث الأول ، ص 96.

(63) نهج البلاغة ، الخطبة 214.

(64) نهج البلاغة ، الخطبة 185.

(65) نهج البلاغة ، الخطبة 191.

(66) نهج البلاغة ، الخطبة 227.

(67) سورة الإسراء : الآية 33.

(68) سورة النور : الآية 2.

(69) سورة البقرة : الآية 39.

(70) سورة التوبة : الآية 68.

(71) أوائل المقالات ، ص 14.

(72) عقائد الصدوق ، ص 90 ، الطبعة القديمة الملحقة بشرح الباب الحادي عشر.

(73) الميزان ، ج 1 ، ص 91 ـ 93.

(74) سورة النساء : الآية 10.

(75) سورة آل عمران : الآية 180.

(76) سورة التوبة : الآية 35.

(77) سورة الإسراء : الآية 13.

(78) سورة آل عمران : الآية 30.

(79) سورة الكهف : الآية 49.

(80) سورة التكوير : الآية 14.

(81) سورة لقمان : الآية 16.

(82) سورة الشورى : الآية 20.

(83) نهج البلاغة ، الخطبة 22 ، طبعة عبده.

(84) سورة إبراهيم : الآية 22.

(85) سورة البقرة : الآية 81.

(86) الميزان ، ج 12 ، ص 86.

(87) سورة البقرة : الآية 286.

(88) سورة فصلت : الآية 46.

(89) سورة الكهف : الآية 49.

(90) لاحظ اللّمع ، ص 99 و 113 و 114 ، للوقوف على ما استدل به الشيخ أبو الحسن الأشعري على ما يتبنّاه في هذا المقام.

(91) سورة هود : الآية 20.

(92) سورة الأعراف : الآية 179.

(93) سورة الصف : الآية 5.

(94) سورة الملك : الآيتان 10 ـ 11.

(95) سورة البقرة : الآيتان 31 و 32.

(96) سورة البقرة : الآية 23.

(97) سورة البقرة : الآية 65.

(98) سورة القلم : الآيتان 42 ـ 43.

(99) نهج البلاغة ، الخطبة 28.

(100) سورة النساء : الآية 129.

(101) سورة النساء : الآية 3.

(102) لاحظ اللمع ، ص 93 ـ 94.

(103) شرح المقاصد ، ج 1 ، ص 240. وشرح القوشجى ، ص 392.

(104) شرح المواقف ، ج 6 ، ص 154.

وقد جاء الأستاذ دام حفظه بجميع ما تصورته الأشاعرة من البراهين العقلية في كتابه «الملل والنحل» فلاحظ ج 2 ، ص 172 ـ 193.

(105) شرح المواقف ، ج 6 ، ص 92.

(106) الأسفار الأربعة ، ج 6 ، ص 312.

(107) التوحيد للصدوق ، باب الاستطاعة ، الحديث 19 ، ص 352.

(108) التوحيد للصدوق ، الحديث 21 ، ص 352.

(109) المصدر السابق ، الحديث 20 ، ص 352.

(110) المصدر السابق ، الحديث 13 ، ص 350.

(111) سورة آل عمران : الآية 97.

(112) التوحيد للصدوق ، الحديث 14 ، ص 350.

(113) المصدر السابق ، الحديث 11 ، ص 350.

 

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

اخر الاخبار

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد