ماهية التحقيق الصحفي:
يبدو للناظر في هذا الفن من فنون الصحافة، وفي مفهومه أنه أمام إجماع من الباحثين في تعريف التحقيق الصحفي، وتوضيح طبيعته، وتحديد مادته المرتبطة بواقعه، أو ظاهرة، أو مشكلة، أو حدث من خلال التفسير وتحليل هذا الواقع عبر المعلومات والبيانات، والأرقام المتوافرة، وتشخيص النتائج، ورفع التوصيات والمقترحات لمعالجة هذه الحالة أو تلك، فهنالك تعريفات عديدة وإن اختلفت أشكالها ألا أنها تصب في هذا الاتجاه.
ويعرف جان كرم في كتابه "مدخل إلى لغة الإعلام" التحقيق الصحفي بطريقة مبسطة. إذ يقول: "جاء في القاموس تحقق الأمر أي تيقنه. والتحقيق ترجمة للفظة Enquete التي تعني البحث، والفحص والتفتيش والكشف والاستخبار والاستقصاء، مما يقضي أن التحقيق الصحفي ليس فقط نقلاً لوقائع انطلاقا من حدث أو خبر، بل هو الانطلاق من قضية، أو مشكلة أو معاناة ذات طابع عام وشامل بحثاً عن الأسباب، وكشفاً للأخطاء واستخباراً عن الأبعاد والنتائج."
ويشير نبيل حداد بشكل مبسط، وموجز أيضًا إلى أن كلمة "تحقيق" في اللغتين العربية والإنجليزية أنها تتضمن مستويين، الأول منهما يشير إلى المعنى المجرد؛ أي المعجمي، والآخر اصطلاحي وقد ارتبط بالصحافة المعاصرة.
وفي نفس هذا الإطار نوهت أميرة الحسيني إلى عملية اشتقاق كلمة تحقيق فتقول: "أما (المصباح المنير) للمقري الفيومي فيذكر في باب الحاء مع القاف وما يثلثهم قوله: حققت الأمر أحقه إذا تيقنته أو جعلته ثابتا لازماً و (القاموس المحيط) للفيروزبادي يذكر في باب القاف فصل الحاء، والأمر تحققته وتيقنته"، وتتابع قائلة: "أما المؤلفات الأمريكية - الإنجليزية على اختلاف أنواعها فإنها تفضل أن تطلق على هذا تعبيراً أكثر اتساعاً وشمولاً من المعنى الوظيفي الضيق الذي تتجه إليه كلمة (تحقيق) باللغة العربية، وذاك التعبير هو Photo Feature Articles ومعناه الحرفي مقالة المعالم المصورة بينما تطلق عليه الصحافة الفرنسية وعلى سبيل التجاوز كلمة Le reportage ومعناه الأصلي تقرير مصور أو تقرير بالصور".
أما الباحثة سميرة شيخاني فإنها تعرف التحقيق الصحفي بقولها : إنه فن يقوم على التحري والبحث والاستقصاء، والدراسة لواقعة أو حدث، أو فكرة، أو مشكلة، أو قضية أو ظاهر ، تشغل اهتمام القطاع الأعم من الجماهير، أو اهتمام جزء منه في وقت معين وفي مكان محدد، بحيث يشرح ويفسر، ويبحث في الأسباب والعوامل السياسية أو الاقتصادية، أو الاجتماعية أو فكرية أو الحضارية التي تكمن وراء موضوع التحقيق، الذي يدور حول سلسلة من التساؤلات والاستفهامات التي تحتاج إلى إجابة، ومشاكل تحتاج إلى حلول عن طريق الاستماع إلى كل الآراء، والمواقف الخاصة بالمصادر المختلفة، سواء كانت حية أو غير حية؛ سعياً لإصدار حكم في النهاية يتضمن حلولاً للمشكلات، أو إجابة عن التساؤلات، أو عرض موقف المحرر، أو قد يكتفي بعرض جوانب الموضوع دون الوصول إلى حكم محدد.
وفي هذا الاتجاه ذاته يؤكد فاروق أبو زيد أن التحقيق الصحفي يقوم على خبر، أو فكرة، أو مشكلة، أو قضية يلتقطها الصحفي من المجتمع الذي يعيش فيه، ثم يقوم بجمع مادة الموضوع، بما تتضمن من بيانات ومعلومات أو آراء تتعلق به ، ثم يزاوج بينها للوصول إلى الحل الذي يراه صالحاً لعلاج المشكلة، أو القضية، أو الفكرة التي يطرحها التحقيق الصحفي بحيث يشرح ويفسر، ويبحث في الأسباب والعوامل الاجتماعية، أو الاقتصادية أو السياسية أو الاجتماعية، أو الفكرية التي تكمن وراء الخبر أو القضية أو المشكلة أو الفكرة التي يدور حولها التحقيق.
وعموما فإن المتتبع لتعريف هذا المفهوم من خلال المصادر والمراجع التي تعرضت لتعريفه، يجد مجموعة من التعاريف المتعددة والمختلفة في تناولها وتحديدها، وقد يعود السبب في هذا الاختلاف إلى الاختلاف الطبيعي بين من تناولوا تحديد هذا المفهوم، واختلافهم يعود إلى تنوع الخبرات التي اكتسبوها من مشارب مختلفة، وإلى الممارسات المهنية والأكاديمية المختلفة بينهم التي تعود إلى تنوع المجالات التي يمارسون مهامهم من خلالها.
اولا: مفهوم التحقيق لغة:
إن التنوع في الخبرات والممارسات المهنية والأكاديمية، لدى المهتمين من الكتاب والمؤلفين في مجال العمل الصحفي من شأنها أن تثري التنوع في تعريف هذا المفهوم. وقبل أن نورد ما حدده بعض المؤلفين في تعريفاتهم لهذا المفهوم، لا بد أولاً من التأصيل اللغوي لكلمة (التحقيق) مثلما وردت في معاجم اللغة العربية:
جاء في الكليات أن مفهوم التحقيق تفعيل من حق، بمعنى ثبت وقال بعضهم: إن التحقيق لغة رجع الشيء إلى حقيقته بحيث لا يشوبه شبهة، وهو المبالغة في إثبات حقيقة الشيء بالوقوف عليه، و (التحقيق) إثبات دليل المسألة مطلقاً أو بديلها.
وقد ورد مفهوم (التحقيق) لغة في مختار الصحاح من الفعل (حقق) - ح ق ق، والحق ضد الباطل، والحق أيضا واحد الحقوق، وأحقه أي تحققه، وصار منه على يقين. وتحقق عنده الخبر صح، وحقق قوله وظنه تحقيقاً؛ أي صدقه، وكلام محقق؛ أي رصين.
وقد جاء في المعجم الوجيز، أنه يقال: حقق الأمر أي أثبته وصدقه، ويقال حقق الظن، ويقال: حقق القول والقضية، وحقق الشيء والأمر: أي أحكمه. ويقال: حقق المخطوط: أي أحكم فحصه، ويقال أيضا: كلام محقق: أي محكم الصنعة ورصين.
وقد أورد عبد العزيز شرف في كتابه الموسوم بالأساليب الفنية في التحرير الصحفي مفهوم التحقيق لغة قائلاً: وحققت الخبر، فأنا أحقه أي وقفت على حقيقته، ويقول الرجل لأصحابه إذا بلغهم خبر فلم يستيقنوه: أنا أحقق لكم هذا الخبر؛ أي أعلمه لكم، وأعرف حقيقته.
يبدو أن مفهوم كلمة (التحقيق) الشائكة في إدراكها المعرفي لدى الكثير من أبناء المجتمعات بوجه عام تحتاج من المهتمين بتأليف العمل الصحفي إلى السعي في إفهامها وفهمها ليتيسر وضوح هذا المفهوم، الذي غالبا ما تكتسيه الضبابية لدى الكثير من المهتمين والدارسين له. وغالباً ما يسعى بعض المؤلفين في وقوفهم على الدلالة اللغوية لكلمة (التحقيق) على أنها تسعى إلى اليقين، بمعنى أن المؤلف أولاً يفهم القضية جيدا، تلك التي هي مدار التحقيق، ثم يقوم بتوضيحه إلى الآخرين إن كان بحاجة إلى توضيح أو يفسر الحدث أو المشكلة إن كانت بحاجة إلى تفسير، أو يحلل الموضوع مار التحقيق إن كان بحاجة إلى تحليل وهكذا.
فالتحقيق إذن يسعى إلى حالة من اليقين في وقوف الشخص المعني في التحقيق؛ ليفهم القضية ويفهمها للآخرين، الذين هم بحاجة ماسة لإزالة الغموض ولكشف الأسرار الواقفة خلف الكثير من الموضوعات الآنية التي تشكل في جوانبها حياة الفرد في المجتمع الذي يعيش فيه.
ثانياً: مفهوم التحقيق الصحفي اصطلاحاً:
أمّا فيما يتعلق بتعريف التحقيق الصحفي اصطلاحاً فقد أوردت المصادر المتنوعة، والمهتمة بتناولها للعمل الصحفي على وجه العموم الكثير من التعريفات الاصطلاحية لهذا المفهوم، بعض هذه التعريفات ذات الصلة بهذا المفهوم تستند في تعريفها الاصطلاحي إلى خبرة الكاتب وممارسته المهنية، وبعضها الآخر تستمد من المراجع والمؤلفات الخاصة بالتحقيق، أو من مراجع التحرير الصحفي عموما.
وفيما يأتي بعضاً من هذه التعريفات الاصطلاحية لمفهوم التحقيق الصحفي:
يمكن أن يُعرّف التحقيق الصحفي بأنه التحرّي والبحث والاستقصاء في واقعة، أو حادثة أو مشكلة، ومعرفة الأسباب والدوافع الخاصة بها، والاستماع إلى كل الآراء في هذه الواقعة، أو الحادثة، أو القضية محور التحقيق، وقد يصل المحقق إلى إصدار حكم في النهاية، وقد يكتفي بعرض جوانب هذه الواقعة، أو الحادثة أو القضية فقط.
والتحقيق الصحفي يعد أحد وسائل الجريدة الرسمية لممارسة دورها التفسيري، والاستقصائي، وأداء مهمتها الرقابية الكاشفة عن نوايا الاختلال والقصور وسوء الإدارة، والناقدة والمقومة كأحد كلاب الحراسة Watchdogs في المجتمع وفقا لمفهوم الصحافة الليبرالية، ودور الصحافة المهم في مراقبة البيئة بوجه عام.
ويعرف عزت أن التحقيق الصحفي يقوم على خبر، أو فكرة، أو خاطرة، أو انطباع، أو ملاحظة شخصية، أو تجربة إنسانية، أو مشكلة، أو قضية يلتقطها الصحفي من الوسط أو المجتمع، الذي يعيش فيه، ثم يقوم بجمع مادة التحقيق ثم يزاوج بينهما؛ للوصول إلى الحل الذي يراه صالحا لعلاج المشكلة، أو القضية أو الفكرة التي يطرحها التحقيق الصحفي.
ويعرفه كل من علم الدين محمود وليلى عبد المجيد أن التحقيق الصحفي هو تحري ودراسة وبحث حول قضية معينة أو ظاهرة، أو فكرة تشغل اهتمام الجماهير في وقت ما، ويدور حول سلسلة التساؤلات والاستفهامات التي تحتاج لإجابة، وكذلك بعض المشكلات التي تحتاج إلى الحلول من خلال الاستعانة بالمصادر المختلفة المتصلة بها، سواء كانت حية أو غير حية، وإجراء سلسلة من اللقاءات، والبحث في الوثائق والتقارير، والملفات؛ وذلك سعيا وراء الوصول في النهاية إلى حلول أو إجابات.
وقد أورد أبو زيد مجموعة من التعريفات يكون في مجموعها مفهوم التحقيق الصحفي، فالتحقيق الصحفي مثلما يراه أبو زيد هو:
- التحقيق الذي يقوم على خبر أو فكرة، أو مشكلة يلتقطها الصحفي من المجتمع الذي يعيش فيه، ثم يقوم بجمع مادة الموضوع بما يتضمنه من بيانات، أو معلومات أو آراء تتعلق بالموضوع، ثم يزاوج بينها للوصول إلى الحل الذي يراه صالحاً لعلاج المشكلة، أو القضية، أو الفكرة، التي يطرحها التحقيق الصحفي.
فالتحقيق الصحفي يشرح الحادثة، أو القضية، ويفسرها، ويبحث في أسبابها، وفي العوامل الاجتماعية، أو الاقتصادية، أو السياسية، أو الفكرية، التي تكمن وراء الخبر الصحفي، أو القضية، أو المشكلة، أو الفكرة أو الظاهرة، التي يدور حولها التحقيق.
والتحقيق الصحفي فن يقوم على التفسير الاجتماعي للأحداث، والأشخاص الذين اشتركوا في هذه الأحداث وهو كفن من فنون الصحافة قد يشتمل على بقية الفنون الصحفية الأخرى كالخبر، أو الحديث، أو الرأي، أو الاستقصاء، أو البحث، وهو كفن صحفي أيضاً تجده يستعين بالصور الفوتوغرافية، أو الرسوم، أو الكاريكاتير.
فالتحقيق الصحفي يختلف على سبيل المثال عن الخبر في كون الخبر الصحفي يجيب على أكبر عدد من الأسئلة الخمسة، والمعروفة من؟ ومتى؟ وأين؟ وماذا؟ ولماذا؟ في حين أن التحقيق الصحفي غالباً ما يركز الإجابة على سؤال واحد وهو: لماذا؟ كذلك يختلف التحقيق الصحفي عن الخبر أيضا في كون الخبر لا يجب على محرره أن يظهر شخصيته، بينما التحقيق الصحفي غالباً ما يكشف عن شخصية كاتبه.
ويختلف التحقيق الصحفي عن القصة الأدبية في كون القصة الأدبية تبنى على الخيال، أو تلتقط جزءاً من الواقع ثم تكسوه بالخيال، في حين التحقيق الصحفي يرسم صورة واقعية للحياة ويعود الفضل في ظهور التحقيق الصحفي، ثم تطوره وانتشاره حتى صار أحد الفنون الرئيسة في الصحافة العالمية إلى انتشار التعليم، وظهور الأفكار الديمقراطية بما تعنيه من حرية المناقشة وحرية الرأي ثم جاء تقدم الفكر الاجتماعي بما يعنيه من تنبه الأذهان إلى ما يحيط به من القضايا والمشاكل الاقتصادية والسياسية وغيرها. وهو الأمر الذي دفع الناس إلى العمل من أجل تغيير واقعهم الاجتماعي إلى الأفضل.
وقد كان التحقيق الصحفي هو أحد الأدوات الصحفية المهمة لمناقشة هذه المشاكل، والقضايا الاجتماعية مناقشة موضوعية، وحرة ومن خلالها طرحت العديد من الحلول لهذه المشاكل، والتي استهدفت في آخر الأمر الوصول إلى مجتمعات أفضل. غير أن التحقيق الصحفي لم يتطور وينتشر بشكل واسع إلا بعد ازدهار فن طباعة الرتوجرافور، أو فن الطباعة الغائرة، وهو الأمر الذي ساعد على ظهور الصحف والمجلات المصورة.
والتحقيق الصحفي يمكن أن يستوعب بموضوعاته حياة المجتمع بمجالاتها المتنوعة. فالتحقيق الصحفي يمكن أن موضوعه إحدى المشكلات أو القضايا العامة التي تهم المجتمع كله، أو إحدى طبقاته، أو فئاته المختلفة. وقد يكون موضوع التحقيق أيضاً شخصية من الشخصيات العامة في المجتمع، أو بحثاً علمياً، أو كشفاً أو اختراعاً جديداً، أو مكاناً تاريخياً، أو حفلاً، أو مهرجاناً، أو غير ذلك من الموضوعات التي تمتلئ بها حياتنا الاجتماعية.
ويرى صلاح أن التقرير الصحفي يعد معالجة صحيفة لظاهرة مثارة، تهدف إلى تعريف القارئ بأسباب هذه الظاهرة وعواملها، وإذا فجر التحقيق الصحفي بذاته قضية، أو ظاهرة لم تكن مثارة من قبل، فإنه في هذه الحالة يتحول إلى قضية إخبارية، يتم عرضها ومعالجتها، وتحقيقها صحفيًا في وقت واحد.
فيما يرى المعايطة أن فن التحقيق يبدأ من النقطة التي ينتهي عندها الخبر الصحفي، فالخبر الصحفي يجب أن يتضمن إجابات لخمسة أسئلة تقليدية، أما التحقيق فينتهي للإجابة عن سؤال هو: لماذا ؟ وهذا السؤال ليس بالسؤال الهين؛ لأن روح التحقيق يتم بالدراسة والاستطلاع، والبحث والتقصي لأسباب الحقائق ومعرفة الزوايا المتعددة للحقيقة.
وفي معجم المصطلحات الإعلامية يُعرّف التحقيق الصحفي Reportage بأنه أحد الفنون الصحفية المعروفة، التي تقوم على أساس تناول وعرض خبر، أو قضية، أو فكرة بنوع من الشرح والتفصيل، وسرد البيانات والمعلومات والآراء ووجهات النظر المختلفة؛ للوصول إلى قرار أو حل، أو رأي في القضية، أو الموضوع المطروح، فهو فن الوصول إلى الحقائق حول موضوع من الموضوعات، وعرض هذه الحقائق بالكلمة والصورة، وعلى هذا يطلق عليه البعض 30Feature Story. ويركز الآخرون في تعريفهم للتحقيق الصحفي على أنه:
تغطية تحريرية وصورة تضيف مزيداً إلى خبر جديد، أو يتناول موضوعاً قديماً، أو مشكلة مهمة لها حضور في حياة أبناء المجتمع، ويكون التحقيق أكثر من مجرد كونه قصة، أو تقرير عنه، مقدمة لظواهره، رابطة بين أسبابه القريبة والبعيدة، ونتائجه الحالية والمتوقعة، مقدمه كذلك لآراء من يتصلون به عن قرب أو يثق القراء في درايتهم بجوهره مع جواز تقديمه لرأي المحرر نفسه، أو وجهة نظر وسيلة للنشر، ضاربة المثل بوقائع مشابهة من الداخل أو الخارج، يقوم بها محرر يجمع بين صفات المخبر الصحفي والباحث، وله دراية باللغة العربية، وقدر من الذوق الأدبي، ومعرفته بلغة أجنبية أو أكثر، ومعرفته بالتصوير والاختزال، ويقدم لقرائه بهذه التغطية مادة مفيدة ومشوقة، وقد يوجههم بغيرها إلى وجهة معينة، كما يقدم لصحيفته أو مجلته زيادة في عدد النسخ المباعة.
وحين ينظر الدارس إلى المدلول اللغوي لكلمة (تحقيق) فقط وإلى مدلولها ومعناها الصحفي، يجد أن المعنى الصحفي لمدلول تحقيق هو أوسع وأشمل من مدلولها اللغوي، فالتحقيق الصحفي استطلاع للوقائع والأحداث، والأشخاص الذين لهم صلة بها، ثم الدراسة والتفسير للظروف والملابسات التي تحيط بهذه الوقائع والأحداث، والعوامل المؤثرة فيها والحكم عليها.
ولعل من أهم التعريفات الخاصة بالتحقيق الصحفي تلك المجموعة التي قدمها أدهم والتي من بينها:
- التحقيق الصحفي، هو الخبر المهم، أو الطريف، الذي لا ينبغي أن يمر سريعاً، دون أن تلتقطه حاسة صحفي، يقوم بمتابعته، وكتابة قصته أمس، أو اليوم، أو غداً، ويهتم به أكبر غدد من القراء.
- والتحقيق الصحفي هو تقرير بالصورة، يقوم بإجرائه صحفي، بهدف كشف جوانب إحدى المشكلات، وإثارة الرأي العام حولها.
- والتحقيق الصحفي هو دعامة التحرير الأولى للمجلة المصورة، وهو أيضاً المادة التحريرية، التي يمكن في بساطة أن تستوعب أو تحتوي على كل الفنون الصحفية الأخرى.
- والتحقيق الصحفي هو مجموعة الحقائق التي تتصل بخبر من الأخبار وتنشرها وسيلة النشر بهدف إثبات شيء وراء هذا الخبر.
- والتحقيق الصحفي هو جمع المعلومات التي تتصف بالحركة والشمول، والمتصلة بالأحداث الجارية، سياسية أو اقتصادية، أو علمية، أو أدبية، والتي تقدم الآراء والأفكار التي تدور حولها في لغة مفهومة.
- والتحقيق الصحفي، هو الصيحة الجديدة في عالم الصحافة، التي تساهم في حل مشكلات المجتمع، وتبشر بالجديد من الأفكار، وتثير القراء، وتزيد من توزيع الصحافة، إذا أحسن اختيار موضوعاتها والتخطيط لها.
وبعد سرد التعريفات الخاصة (بالتحقيق الصحفي) ومناقشتها باستفاضة ونقد، يخلص أدهم إلى التعريف الآتي:
التحقيق الصحفي المصور هو تغطية تحريرية مصورة تضيف مزيداً إلى خبر جديد، أو يتناول موضوعاً قديماً، أو مشكلة مهمة، وتكون أكثر من مجرد قصة، أو تقرير عنه، مقدمه لظواهره، رابطة بين أسبابه القريبة والبعيدة، ونتائجه الحالية والمتوقعة، مقدمة ذلك لآراء من يتصلون به عن قرب، أو يثق القراء في درايتهم بجوهره، مع جواز تقديمها لرأي المحرر نفسه أو وجهة نظر وسيلة النشر ضاربة المثل بوقائع متشابهة في الداخل أو الخارج حديثة أو قديمة، ويقوم بها محرر يجمع بين صفات المخبر الصحفي والباحث، وله دراية باللغة وقدر من الذوق الأدبي، ومعرفة بلغة أجنبية أو أكثر، ومعرفة بالتصوير والاختزال، ويقدم لقرائه بهذه التغطية مادة مفيدة، وشائقة، وقد يوجههم بعدها لوجهة معينة، مثلما يقدم لصحيفته أو مجلته زيادة في عدد النسخ المبيعة.
أما جلال الدين، والمشار إليه في عبد الجبار، فإنه يشير إلى أن التحقيق الصحفي يستطيع أن يلقي جملة أضواء على المشكلة المعروضة، ويزيد من قدرة القراء على الاستمتاع به، وتتبع قراءته، وهذا الشرح أو التعليل هو الذي يجعل للتحقيق صفة الجذب، وهو الذي يكثر من عدد القراء، ومن هنا فإذا كان الخبر الصحفي يبحث عن سؤال ماذا حدث؟ فإن التحقيق الصحفي يبحث عن تساؤل مهم وهو (لماذا حدث ذلك) وبالتالي فهو يبحث في الحدث، ويحقق فيه، مثلما يفعل رجال القضاء وضابط الشرطة.
يقوم التحقيق الصحفي على خبر أو فكرة، أو مشكلة، أو قضية يلتقطها الصحفي من المجتمع الذي يعيش فيه، ثم يقوم بجمع مادة الموضوع، بما يتضمنه من بيانات أو معلومات أو آراء تتعلق بالموضوع، ثم يزاوج بينها للوصول إلى الحل الذي يراه صالحاً لعلاج المشكلة أو القضية أو الفكرة التي يطرحها التحقيق الصحفي، أي أن التحقيق الصحفي هو فن الشرح والتفسير، والبحث عن الأسباب والعوامل الاجتماعية، أو الاقتصادية، أو السياسية، أو الفكرية التي تكمن وراء الخبر أو القضية، أو المشكلة، أو الظاهرة التي يدور حولها التحقيق.
ويلاحظ على التعريفات السابقة أن بعضها متقارب المعنى، وتأخذ من بعضها البعض، دون أن يكون توضيحا للتحقيق الاستقصائي الذي هو منقول أساساً عن كلمة Investigative، التي تعني التحقيق (العادي) والمعروف بـ Reportage وبين التحقيق الاستقصائي Investigative Reporting.
وفي عالم الصحافة يوجد نوعان رئيسان من التحقيق، أولهما ما يسمى بالتحقيق أو الريبورتاج Reportage وهو الضرب الشائع للتحقيق الصحفي في صحافتنا العربية، والآخر ما يعرف بالتقرير الاستقصائي Investigative Reporting، وهو نوع نادر في صحافتنا العربية، ويمكن تعريف هذا النوع من التحقيق بأنه جهد إعلامي مقصود بالكلمة أو الصورة، أو كليهما معا يتوخى الكشف عن واقعة، أو نشاط غير قانوني، ثمة مصلحة لجهة ما في محاولة طمسه أو إخفائه.
والمفهوم الأول، وهو المفهوم الشائع في صحافتنا العربية هو الريبورتاج ويطلق عليه في الصحافة العربية أيضاً التحقيق، على أنه يظل أقرب إلى مفهوم التقرير، منه إلى التحقيق، وسأحاول فيما يأتي أن أتلمس بعض جوانب المفهـوم الموضوعي للتحقيق الصحفي، ثم المفهوم الشائع للتحقيق الصحفي في صحافتنا العربية.
- أول ما يفترضه التحقيق الصحفي (الاستقصائي) هو وجود واقعة ممارسة أو عمل غير شرعي من وجه من الوجوه عمل يتعارض مع مصلحة المجتمع، أو على الأقل لا تقبله أغلبية الناس على أنه ممارسة مسموح بها. ومن ثم ينبغي الكشف عنه من جانب الصحافة؛ لأن ذلك واجبها.
- وثاني شروط التحقيق الاستقصائي وجود جهة ما لها مصلحة في بقاء هذه الممارسة المنحرفة في الكتمان، بل تقاوم أي محاولة للكشف عنها.
- كما أن القضية نفسها تعد ثمرة جهد صحفي، وتحقيق ميداني قام به مندوب وهو بعبارة أخرى عمل صحفي منظم، بمعنى أنه لا بد من توافر القصد والمجهود الصحفي وراء ما ينشر.
وبناءً على ما سبق طرحه من شروط التحقيق الاستقصائي، فإنها لا تتوافر في كثير من الأحيان في التحقيقات الصحفية في صحافتنا العربية، وبكلمة أخرى فإن بعض الصحف العربية تطلق وصف تحقيقات على جهود قد لا تكشف بالضرورة عن ممارسة غير مشروعة، كأن يكون التحقيق حول إنجاز ما، أو ربما لم يكن التحقيق ثمرة جهد صحفي منظم مقصود، وإنما مجرد تلخيص وتحليل لتقرير حول موضوع ما، وكذلك الكثير من المراجع، التي تناولت الموضوع على أنه تحقيق صحفي قد لا يلبي الشروط جميعها، وربما كانت هذه الشروط أقرب إلى التقرير الصحفي.