يبدو أن حملة شيشنق أثَّرَت على نظام الحُكم في موآب وعمون وأدوم أيضًا، وربما كان ذلك نابعًا من رغبة مصر في استعادة مناجم النحاس التي كانت تُسيطر عليها سابقًا. قبل بضع سنوات، عُثِرَ على جُعران لشيشنق مُلقًى على الأرض أثناء مسحٍ سطحي في منطقة مناجم النحاس في وادي فينان، وربما كان ذلك بمثابة أثَرٍ باقٍ من اهتمامه بهذه المنطقة (1).
ويبدو أيضًا أنه كان يُنَمِّي علاقاتٍ دبلوماسية، وليس عسكرية، مع قوًى أخرى في ذلك الوقت، من ذلك إرساله تمثالًا له إلى جبيل، حيث وضع الملك أبيبعل على الفور عليه نقشَه الخاص، المكتوب باللُّغة الفينيقية، كما سنرى في الفصل الثالث. ومع ذلك، يبدو أن شيشنق توفي حوالي عام 924 قبل الميلاد، ربما بعد فترةٍ وجيزةٍ من حملته على إسرائيل ويهوذا. وربما دُفن في تانيس، لكنَّ قبره لم يُعثر عليه أبدًا (2).
وقد أرسل ابنه وخليفته أوسركون الأول تمثالًا له إلى جبيل أيضًا، وأضاف إليه إليبعل، ملك جبيل، نقشه الخاص على الفور (3). ولذلك يبدو أن أوسركون حافَظَ على العلاقات الدبلوماسية المصرية مع جبيل، وربما مع قوًى أخرى في ذلك الوقت أيضًا. وربما حكَمَ أوسركون الأول مدةً تصِل إلى خمسةٍ وثلاثين عامًا، من عام 924 إلى عام 889 قبل الميلاد، حتى القرن التاسع قبل الميلاد. ولم يُحَدَّد حتى الآن مكان قبره، مثل قبر والده. وخَلفَه على عرش مصر فرعون عادي إلى حدٍّ ما، وهو تاكيلوت الأول، الذي لا يُعرَف عنه سوى القليل. وربما كانت فترة حُكمه هي الفترة التي كان شيشنق الثاني، الذي عُثِر على تابوته في مقبرة بسوسنس الأول، قد حكَمَ باعتباره فرعونًا منافسًا. هناك أيضًا مجموعتان أُخرَيان من الأسماء المَلَكية التي تنتمِي إلى مَن حملوا اسم شيشنق (يُشار إليهما اليوم باسم شيشنق الثاني ب، وشيشنق الثاني ج)، والآراء مُنقسمة بين كونهما ملكَين حقيقيَّين للفترة الغامضة نفسها، أو على نحوٍ بديلٍ نُسخة مُبكِّرة من ألقاب شيشنق الأول، وخطأ إملائي ارتكبه كاتبٌ قديم.
ومع ذلك، فإن الفرعون التالي، أوسركون الثاني، الذي يُعتقَد الآن أنه حكَمَ تقريبًا من 872 إلى 831 قبل الميلاد، أرسل على الأرجح ألفًا من المشاة للقتال في معركة قَرقُور، كجزءٍ من تحالُف حُشِدَ ضد شلمنصر الثالث ملك آشور في عام 853 قبل الميلاد، والذي سيُناقَش في الفصل الثاني والذي ساهم فيه أخاب أيضًا بالمركبات والقوات. عُثِر على مزهريةٍ مِن المرمر منقوشٍ عليها خرطوشة أوسركون الثاني في السامرة، في القصر المنسوب إلى عمري وأخاب؛ فيُحتمَل أن يعكس هذا نوعًا إضافيًّا من العلاقة بين أخاب وأوسركون. في مرحلةٍ ما، أرسل أوسركون أيضًا تمثالًا لنفسه إلى جبيل، ولكنْ على عكس تماثيل أسلافه شيشنق الأول وأوسركون الأول، فإن مَن كان يحكم جبيل في ذلك الوقت لم يَنقُش اسمَه على التمثال (4).
في مصر، كانت نهاية عهد أوسركون الثاني، وكذلك عهد خليفته شيشنق الثالث (831–791 قبل الميلاد)، محاطة بمشكلاتٍ داخلية، شملَت أعمال تمرُّدٍ وحربًا أهلية. وبحلول عام 810 قبل الميلاد تقريبًا، انقسمَت مصر إلى أربعة أقسام، يحكمها أربعة فراعنة في الوقت نفسه (5). كان من الواضح أنَّ مصر تمرُّ بحالةِ انحدار.
وسرعان ما أدَّى هذا الوضع إلى الاستيلاء التدريجي على جنوب مصر على يد ملوك كوش من النوبة، الذين كانوا أسياد البلاد جميعها (وإن ظلَّ بعض الملوك المحليين على قيد الحياة) باعتبارهم الأسرة الخامسة والعشرين من حوالي 750 قبل الميلاد فصاعدًا. قاد النظام الكوشي انتعاشةً في اقتصاد مصر وقوَّتها، ولكن في النهاية وجَدَ نفسه مُنجرفًا إلى الصراعات بين دويلات المدن الشامية وآشور، حيث أدَّت غزوات آشور لمصر في نهاية المطاف إلى إجبار ملوك النوبة على التراجُع إلى معاقلهم في عام 664 قبل الميلاد.
واستُعِيد الاستقلال على يد الأسرة السادسة والعشرين، التي حكمَت من صا الحجر في دلتا النيل، والتي انتقل أعضاؤها من تابِعِين لآشور إلى حلفاء لآشور ثم إلى أسياد مصيرهم. ومع ذلك، فإن الغزو الفارسي في عام 525 كان بمثابة نهاية مصر كقوة قائمة بذاتها، وانتقلَت لاحقًا خلال القرن الرابع قبل الميلاد إلى أيدي الإسكندر الأكبر وخلفائه المقدونيين، البطالمة. وبوجهٍ عام، على الرغم من أنَّ مصر نجَت من انهيار العصر البرونزي على نحوٍ أفضل من بعض المناطق الأخرى، لم تستعِد حقًّا مجدَها السابق مطلقًا.
......................................
(1) On the scarab, see the brief article in Antiquity by Levy, Münger, and Najjar 2014; on the campaign to this area, see also, e.g., Finkelstein 2016: 118, 2020: 20; Crowell 2021: 364; Na’aman 2021: 21–24. On related matters, see now also Ben-Dor Evian 2017: 36, 2021: 11; Maeir 2022a.
(2) Kitchen 1973: 292; Grimal 1988: 322-23; Mushett Cole 2016: 75–77; Dodson 2019: 95; contra, Clayton 1994: 186.
(3) See, e.g., Kitchen 1973: 308-9; Mushett Cole 2016: 78 (citing Louvre AO.9502) ; Dodson 2019: 99.
(4) Kitchen 1973: 309-10, 324-25; Grimal 1988: 324–26; Clayton 1994: 186-87; Kuhrt 1995: 628; Ben-Dor Evian 2011: 98, 2017: 36; Mushett Cole 2016: 79, 81, 83; Dodson 2019: 104, 109, 192; Muhs 2022: 196-97, 199. Note that the lack of an inscription on the statue may simply be accidental; like the others, only a fragment of the statue is left to us, and it is possible that any Phoenician inscription that might have been carved into it is now not preserved. Muhs 2022: 200-201 notes a number of Egyptian stone vessels with inscriptions related to Osorkon II, Takeloth II, and Sheshonq III that have been found in Phoenician cemeteries in southern Spain, which he suggests were “presumably brought from Egypt by Phoenician merchants and colonists.”
(5) Cf. Kitchen 1973: 331, 335; Grimal 1988: 328–30; Clayton 1994: 188-89; Kuhrt 1995: 625, 628; Mushett Cole 2016: 85–87, 89; Dodson 2019: 114-15, 119–21, 124-25, 127, 192.