

التاريخ والحضارة

التاريخ

الحضارة

ابرز المؤرخين


اقوام وادي الرافدين

السومريون

الساميون

اقوام مجهولة


العصور الحجرية

عصر ماقبل التاريخ

العصور الحجرية في العراق

العصور القديمة في مصر

العصور القديمة في الشام

العصور القديمة في العالم

العصر الشبيه بالكتابي

العصر الحجري المعدني

العصر البابلي القديم

عصر فجر السلالات


الامبراطوريات والدول القديمة في العراق

الاراميون

الاشوريون

الاكديون

بابل

لكش

سلالة اور


العهود الاجنبية القديمة في العراق

الاخمينيون

المقدونيون

السلوقيون

الفرثيون

الساسانيون


احوال العرب قبل الاسلام

عرب قبل الاسلام

ايام العرب قبل الاسلام


مدن عربية قديمة

الحضر

الحميريون

الغساسنة

المعينيون

المناذرة

اليمن

بطرا والانباط

تدمر

حضرموت

سبأ

قتبان

كندة

مكة


التاريخ الاسلامي


السيرة النبوية

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) قبل الاسلام

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) بعد الاسلام


الخلفاء الاربعة

ابو بكر بن ابي قحافة

عمربن الخطاب

عثمان بن عفان


علي ابن ابي طالب (عليه السلام)

الامام علي (عليه السلام)

اصحاب الامام علي (عليه السلام)


الدولة الاموية

الدولة الاموية *


الدولة الاموية في الشام

معاوية بن ابي سفيان

يزيد بن معاوية

معاوية بن يزيد بن ابي سفيان

مروان بن الحكم

عبد الملك بن مروان

الوليد بن عبد الملك

سليمان بن عبد الملك

عمر بن عبد العزيز

يزيد بن عبد الملك بن مروان

هشام بن عبد الملك

الوليد بن يزيد بن عبد الملك

يزيد بن الوليد بن عبد الملك

ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك

مروان بن محمد


الدولة الاموية في الاندلس

احوال الاندلس في الدولة الاموية

امراء الاندلس في الدولة الاموية


الدولة العباسية

الدولة العباسية *


خلفاء الدولة العباسية في المرحلة الاولى

ابو العباس السفاح

ابو جعفر المنصور

المهدي

الهادي

هارون الرشيد

الامين

المأمون

المعتصم

الواثق

المتوكل


خلفاء بني العباس المرحلة الثانية


عصر سيطرة العسكريين الترك

المنتصر بالله

المستعين بالله

المعتزبالله

المهتدي بالله

المعتمد بالله

المعتضد بالله

المكتفي بالله

المقتدر بالله

القاهر بالله

الراضي بالله

المتقي بالله

المستكفي بالله


عصر السيطرة البويهية العسكرية

المطيع لله

الطائع لله

القادر بالله

القائم بامرالله


عصر سيطرة السلاجقة

المقتدي بالله

المستظهر بالله

المسترشد بالله

الراشد بالله

المقتفي لامر الله

المستنجد بالله

المستضيء بامر الله

الناصر لدين الله

الظاهر لدين الله

المستنصر بامر الله

المستعصم بالله

تاريخ اهل البيت (الاثنى عشر) عليهم السلام

شخصيات تاريخية مهمة

تاريخ الأندلس

طرف ونوادر تاريخية


التاريخ الحديث والمعاصر


التاريخ الحديث والمعاصر للعراق

تاريخ العراق أثناء الأحتلال المغولي

تاريخ العراق اثناء الاحتلال العثماني الاول و الثاني

تاريخ الاحتلال الصفوي للعراق

تاريخ العراق اثناء الاحتلال البريطاني والحرب العالمية الاولى

العهد الملكي للعراق

الحرب العالمية الثانية وعودة الاحتلال البريطاني للعراق

قيام الجهورية العراقية

الاحتلال المغولي للبلاد العربية

الاحتلال العثماني للوطن العربي

الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية

الثورة الصناعية في اوربا


تاريخ الحضارة الأوربية

التاريخ الأوربي القديم و الوسيط

التاريخ الأوربي الحديث والمعاصر
نصائح آني
المؤلف:
سليم حسن
المصدر:
موسوعة مصر القديمة
الجزء والصفحة:
ج17 ص 240 ــ 251
2026-02-03
40
لقد كانت دراساتنا في باب الحِكَم والنصائح والتعاليم حتى الآن مستقاة مما وصل إلينا من الدولتين القديمة والوسطى على ما يظهر، وإن كان بعضها قد أُعِيد كتابته بلغة الدولة الحديثة تمشيًا مع التطورات الأدبية والاجتماعية؛ إذ قد لاحظنا في أثناء دراساتنا للوثائق الخاصة بذلك العصر أن الكتاب الواحد قد كُتِب في عصر الدولة الوسطى مثلًا، ثم أُعِيدت كتابته في الدولة الحديثة مع ظهور تغيير جوهري عن النسخة القديمة. ولا أدل على ذلك من أمثال «بتاح حتب» التي عثرنا على نسخ منها من الدولة الوسطى، وأخرى من الدولة الحديثة. وما يدرينا! لعل الأيام تسعدنا فجأةً بنسخة من الدولة القديمة التي تُنسَب إليها تلك الأمثال والحِكَم الغالية.
أما في الدولة الحديثة فقد وصلت إلينا حتى الآن وثيقتان، واحدة تمثِّل أدب هذا العصر أو على الأقل كُتِبت بلغة هذا العصر التي تُسمَّى باللغة الحديثة، وهذه الوثيقة هي نصائح «آني» لابنه «خنسحتب». وإذا أردنا أن نحدِّد تاريخ هذه الورقة من أسماء الأعلام التي وردت فيها، فهي بلا شك كانت أعلامًا مستعملة في عهد الدولة الحديثة؛ فاسم «آني» وابنه «خنسحتب» من الأسماء المتداولة منذ الأسرة الثامنة عشرة، غير أن الكاتب «آني» نسب نفسه إلى بيت الملك «نفر كارع تاري» الذي يُنسَب إلى الأسرة الثامنة، رغم أنه سمَّى نفسه وابنه باسمين من أعلام الدولة الحديثة، ولعل السبب في ذلك يرجع إلى ما كان للأدب القديم وبخاصة أدب الأمثال والحكم من منزلة، فكل ما كان قديمًا له في نظر القوم روعته واحترامه، وهذا ما نشاهِده في الأدب العربي، فكم من قصيدة كُتِبت في العصر العباسي أو العصر الأموي ثم نُسِبت إلى شعراء الجاهلية لتكون أوقع في النفوس، وأبهج للعين، وأحلى للأذن، ومع ذلك فقد كان من السهل كشف الحقيقة في كلٍّ من الأدب العربي والأدب المصري، وذلك من التعابير والاصطلاحات اللغوية التي كان يتميَّز بها كل عصر من عصور الأدب.
واللغة التي كُتِبت بها هذه النصائح يرجع تاريخها إلى بداية العصر الذي استُعمِلَتْ فيه اللغة المصرية الجديدة، وهو نهاية عصر «الهكسوس»، ولا أدل على ذلك من أن النسخة التي وصلت إلينا قد نقلها تلميذ من تلاميذ الأسرة الثانية والعشرين حسب رأي الأستاذ «إرمان»، وقد وجدنا بها أغلاطًا كثيرة جدًّا لدرجة أصبح من المستحيل معها تقريبًا فهم فقرات بأكملها، ومن المحتمل جدًّا أن هذا التلميذ لم يفهم كثيرًا من محتويات الكتاب؛ لأن اللغة الحديثة التي كتب بها لم تكن لغة العصر الذي عاش فيه، بل كانت لغة القوم الذين عاشوا قبل زمنه بنحو 300 أو 400 سنة، ولدينا دليل مادي على ذلك؛ إذ وجدنا في متحف «برلين» أدوات كتابة لتلميذ عاش في خلال الأسرة الثانية والعشرين، ومن بينها لوحة كتابة مكتوب عليها الكلمات الافتتاحية لنصائح «آني»، غير أننا لاحظنا أن التلميذ لم يفهم هذه الجمل الافتتاحية، ولذلك وجدنا معها شرحها باللغة التي كانت مألوفة له، فنقرأ:
أول التعليم الوعظي (= فاتحة التعاليم الوعظية) لمؤلفه الكاتب «آني» (= التي ألَّفَها الكاتب آني) التابع لبيت «نفر كارع تاري».
وهذا طبعًا ما نجده بالضبط عندما نقرأ مؤلَّفًا قديمًا لم يكن في مقدور القارئ فهمه؛ فيسهل أمر فهمه بالشرح والتعليق عليه.
وهذه النصائح كما قلنا من قبلُ تقليدٌ حديث لكتب الحكمة القديمة، والواقع أنها تشبهها من ناحية أنها تعليم والد لابنه، إلا أن المجال هنا على ما يظهر أوسع أفقًا، ويشتمل على حيوية وتجارب أكثر مما نجده في تعاليم «بتاح حتب» وغيره ممَّنْ كتبوا في هذا الموضوع، غير أنه مما يُؤسَف له جد الأسف أنه قد وصل إلينا في نسخة واحدة — كما قلنا — مشوَّهة لحد بعيد؛ ولذلك فإن قيمة هذه الوثيقة الحقيقية لا يمكن أن نقدِّرها قدرها الذي يليق بها في الأدب المصري إلا إذا عُثِر على نسخ منها خالية من تلك الأغلاط الفاحشة. ومع كلٍّ فهي على حالتها تعدُّ من أحسن ما وصل إلينا من الأدب المصري في النصائح والحِكَم والتجارب والمعاملات الإنسانية، من حيث الأخلاق والدين والسلوك في الحياة الدنيا.
وسنتناول هنا الموضوعات التي عالَجَها «آني» بقدر ما يسمح به فهمنا للمتن، تاركين ما غمض منها للوقت الذي تجود به تربة مصر علينا بنسخة أخرى من هذا المؤلَّف العظيم، وعندئذٍ تلقي علينا ضوءًا جديدًا لفهمها.
يفتتح هذا الحكيم كتابه معدِّدًا لابنه ما تحمله نصائحه من فوائد، وما سيعود عليه منها لو اتبعها؛ فيقول:
إني مخبرك بكل فاضل، وبما يجب أن تعيه في لبك، فاعمل به، وبذلك تكون محمودًا، ويبتعد عنك كل شر … وسيقال عنك (إذا اتبعت ما أقول) إنه على خلق عظيم، ولن يقال: «إنه قد أتلف وإنه بليد.» وإذا تقبَّلْتَ كلماتي فإن كل شر سيبتعد عنك.
ثم يتلو هذه النصيحة الأولى عدة نصائح أخرى في الحذق في الكلام وقلته وعدم التفاخر بالقوة، غير أنها كلها قد استعصى علينا فهمها، إلى أن نصل إلى نصح حكيمنا لابنه في أن يتخذ لنفسه زوجة وهو لا يزال في ريعان الشباب؛ ليكون له خلف صالح يسعد بهم ويربيهم في حياته، فيقول:
اتَّخِذْ لنفسك زوجة وأنت لا تزال شابًّا؛ لتنجِب لك ولدًا، ويجب أن تنتجه لك وأنت لا تزال صغير السن، ويجب أن تعيش لتراه قد صار رجلًا (؟)، فما أسعد الرجل الكثير النسل! فهو يُحترَم بسبب أولاده.
وبعد أن تكلَّمَ لابنه عن تأسيس الأسرة، أراد أن يذكِّره بجانب ذلك بتقوى الله وأداء ما عليه من الواجبات نحوه فيقول:
احتفِلْ بعيد إلهك … وإن الله يغضب على مَن يستخفُّ به، واجعل شهودًا يقفون عند قربانك (التي تقربها لله) فإنه لأحسن شيء لمَن يؤديه (؟)، وإن الغناء والرقص والبخور لَمتعلقة بخدمته (؟)، أما تقبله الاحترام فمن حقوقه فقدمها للإله حتى تعظِّم اسمه.
(وجاء في القرآن الكريم:( فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ).)
ينتقل بنا بعد ذلك «آني» إلى تعليم ابنه المعاملات الاجتماعية، فيعلِّمه أولًا أدب الزيارة، فلا يدخل بيتًا إلا بعد الاستئذان، وعندما يدخل يغض طرفه عن كل عيب، ولا يتكلَّم عن شيء رآه معيبًا في زيارته، فيقول:
لا تدخلن بيت غيرك … ولا تمعنن في النظر إلى الشيء المنتقد في بيته؛ إذ يمكن لعينك أن تراه، ولكن الزم الصمت، ولا تتحدثنَّ عنه لآخَر في الخارج؛ حتى لا تصبح جريمة كبرى تستحق الإعدام عندما تُسمَع (؟) (1).
وبهذه المناسبة يحذره الزنا ويذكره بأن المرأة لغز ملتوٍ؛ فلا ينخدع بإغرائها، وبأن ارتكاب الفاحشة يُعاقَب عليه بالقتل أمام القانون، فيقول:
خذ حذرك من المرأة الأجنبية تلك التي ليست معروفة في بلدتها، ولا تغمزنَّ لها بعينك … ولا تبغ معها (؟)، فهي ماء عميق لا يعرف الرجال التواءاته (تياراته)، والمرأة البعيدة عن زوجها تقول لك كل يوم: «إني جميلة.» ولذلك عندما تكون بعيدة عن أعين الرقباء، تقف أمامك لتوقعك في حبائلها … وإن ذلك (الزنا) لجرم عظيم يستحق الإعدام عندما يرتكبه الإنسان، ثم يعلم بذلك الملأ؛ لأن الإنسان يسهل عليه بعدَ ارتكابِ تلك الخطيئة أن يرتكب كل ذنب.
يتحدث بعد هذا «آني» في فقرة صغيرة عن سمعة الرجل أمام القضاء، بعد أن تكلَّمَ عن سمعته أمام الناس بالنسبة للمرأة؛ فيقول:
لا تدخلن وتخرجن في قاعة العدل (المحكمة) حتى لا يفوح اسمك (من كثرة القضايا)، ولا تتكلمنَّ كثيرًا، وكُنْ صامتًا لتكون سعيدًا، ولا تكن ثرثارًا.
ويطالعنا بعد ذلك بتعليم ابنه معنى التقوى الحقيقية نحو الله، ثم نحو أبويه فيقول:
إن بيت الله يمقت الهرج، فصلِّ بقلب محب ولا تجهر بصلاتك، وبذلك ستُقضَى كل حوائجك، وسيسمع (الله) ما تقول ويتقبَّل قربانك.
هذا عن الإله، أما عن الأبوين فيقول:
قرِّبِ الماءَ لأبيك وأمك اللذين يسكنان في وادي الصحراء (الجبَّانة) … ولا تنسَ أن تؤدي هذا حتى يعمل لك ابنك بالمثل.
ثم نرى «آني» يحض ابنه على الابتعاد عن المسكرات، شارحًا له في صورة حية ناطقة ما يبدو على السكير من سوء الحال فيقول:
لا تُلزِمنَّ نفسك (من باب الفخر) بأنك تستطيع أن تشرب إبريقًا من الجعة، فإنك (بعد ذلك) تتكلم ويخرج من فيك قول لا معنى له، وإذا سقطت وكُسِرت ساقك فلن تجد أحدًا يمد يده إليك (ليساعدك)، أما إخوانك في الشراب فيقفون قائلين: «أبعدوا هذا الأحمق»، وإذا حضر إنسان ليبحث عنك ليستجوبك فستكون طريح الثرى، ومثلك (في هذا) كالطفل الصغير.
ثم يذكِّره بعد هذا بألا يتردد على البيوتات المريبة فيقول:
لا تخرج من بيتك إلى بيت لا تعرفه (؟)، واجعل كل بيت تحبه معروفًا (حتى لا يرتاب أحد في سلوكك).
وبعد أن تكلَّمَ عن كل هذه الأشياء الفاضلة التي يجب على ابنه أن يرعاها في الحياة، انتقل إلى تذكيره بالموت وأنه يجب عليه أن يَعُدَّ لنفسه قبرًا ليُثوى فيه، وهذا أمر كان يهتم به كل مصري قديم طوال حياته؛ إذ كان إعداد القبر في المنزلة الأولى، فيقول:
أعِدَّ لنفسك مأوًى جميلًا في وادي الصحراء، وهي الحفرة التي ستواري جثمانك، فاصنعه أمام عينيك في مشاغلك … مثل السلف العِظَام الراقدين في مدافنهم (؟)، وإن الذي يبني القبر لنفسه لن يقابل باللوم (على ذلك)، وإنه لجميل أن تعدَّ لنفسك كذلك على هذا النحو (قبرًا)، وسيأتي إليك الرسول (الموت) وسينصب نفسه أمامك، فلا تقولن: «إني لا زلت صغيرًا جدًّا لتختطفني.» لأنك لا تعرف حتفك، والموت يأتي ويختطف الطفل الذي لا يزال يرضع ثدي أمه، كما يختطف الرجل عندما يصبح مُسِنًّا.
يأتي بعد هذه الفقرة فقرة طويلة بعض الشيء ينصح فيها «آني» ابنه بأن يكون يقظًا في المعاملات الاجتماعية، غير أن معظمها غير مفهوم لنا تمامًا:
تأمَّلْ! إني أقص عليك أشياء أخرى طريفة، يجب عليك أن تعيها في لبك، فأدِّها وستكون بذلك سعيدًا، وسيبتعد عنك كل سوء …
ثم يشير على ابنه بعد هذه المقدمة بأن يتخيَّرَ صديقه بعد التجربة، على ألَّا يتنزَّل إلى طبقة العبيد ويأخذ منهم صديقًا؛ فيقول:
ابتعد عن الرجل المعادي ولا تتخذنه خدنًا لك، بل اصطفِ لنفسك صديقًا مستقيمًا عادلًا، وعندما ترى ما فعله (؟) … ولا تتخذن لنفسك صديقًا كان عبدًا لآخَر سيئ السمعة … فإذا اقتفي أثره إنسان ليقبض عليه وليأخذ مَن كان في بيته (أي العبد)، فإنك ستكون تعسًا وتقول: «ما العمل؟» …
وينصح بعد ذلك «آني» ابنه بأن لا يغترَّ بالمال، وأنه ليس مصدر سعادة، وألا يعتمد على مال غيره، ولا يبني قصورًا على ما سيرثه من مال جده؛ فيقول:
يبني الإنسان بيتًا لنفسه، (وهَبْ) أن قطعة أرض صارت ملكًا لك وقد حُوَّطت بسياج من النبات المزهر أمام حقلك الخصب، وغرست فيها شجرة الجميز … وأنك قد ملأت يدك بكل الأزهار التي تتصورها العين، ولكن مع كل هذه (الأشياء) قد يكون الإنسان شقيًّا … لا تتكلنَّ على مال إنسان آخَر، واحذر أن تفعل هذا، ولا تعتمدنَّ على متاع الآخَر … ولا تقولن: «إن والد أمي له بيت.» … لأنه إذا جاءت القسمة مع إخوتك فإن نصيبك لا يكون (إلا) مخزنًا، وإذا أراد الله أن يولد لك طفل …
ثم يحض حكيمنا ابنه على احترام غيره فيقول:
لا تقعدن إذا كان غيرك أكبر سنًّا واقفًا، أو آخَر يشتغل في مهنة (معك) زمنًا أقدم منك.
وينتقل بنا «آني» إلى موضوع المعرفة ومكانتها في المجتمع، والكاتب وسمو حرفته؛ فيقول:
إذا كنتَ ماهرًا في الكتابة، فإن الناس أجمع يفعلون كل ما تقوله، إذن خصِّصْ نفسك للكتب وضَعْها في لبك، وبذلك يكون كل ما تقوله ممتازًا. كل وظيفة يعين فيها الكاتب فإنه (لا بد) يستشير فيها الكتب (وبذلك يلازمه النجاح)، فليس هناك ولد لملاحظ الخزانة ولا وارث لملاحظة الحصن … الوظائف لا أولاد لها … (وفي هذه الحالة يحصل عليها الأكفاء الذين تعلموا كثيرًا).
ثم يعود «آني» إلى تحذير ابنه ليكون محترسًا في كلامه؛ خوفًا من الخطل في القول، ويعلمه أن جوفه يتسع لحفظ كل ما يريد أن ينطلق به لسانه، فيقول:
لا تفضين بما في قلبك إلى … رجل … فإن كلمة خاطئة خرجت من فيك إذا أعادها مَن سَمِعَها تجعل لك أعداء، وإن الإنسان ينزل به الخراب من جرَّاء لسانه، وإن بطن الإنسان أوسع من مخزن الغلال، فهو مفعم بكل أنواع الأجوبة، وعليك أن تنتخب خير الكلام وتتحدث به، واجعل القبيح سجينًا في بطنك، وفي الحق ستكون دائمًا معي، وستجاوِب مَن يضرني بقول الكذب، ومع ذلك فإن الله يحكم في صالح المحق، وعندئذٍ سيأتي عقابه ويلحق به (يظهر أن المؤلف يشير إلى عدوٍّ قد ألحق به ضررًا قد ذُكِر في الجزء المفقود من نصائحه في أول الكتاب).
وبعد ذلك يعود مرة ثانية إلى العلاقة التي يجب أن تكون بينه وبين ربه، فيحثه على تقديم القربان، وعلى ألَّا يغتال حقوقه، ولا يسأل عن صورة ربه، ولا يمشي الخيلاء في موكبه مما يذكرنا بقوله عز وجل في القرآن: وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا، وأن الله هو الذي يجعل مَن يشاء عظيمًا، ثم يشير من طرف خفي إلى أن الله واحد ممثل في الشمس، وأما الآلهة الذين على الأرض فهم صور مختلفة له، فيقول:
قدِّمْ قربانًا لآلهتك، واحفظ نفسك من التعدي (على حقوقه)، ولا تسأل عن صورته، ولا تمشِ الخيلاء حينما يخرج في موكبه (أي الإله)، ولا تتزاحم على حمله (في الموكب) … ودَعْ عينك تعرف قيمته، واحترم اسمه لأنه هو الذي يعطي القوة (ملايين) المخلوقات، وستقصر العظمة على مَن يجعله هو عظيمًا، إن إله هذه الأرض هو الشمس التي في الأفق، و(لكن) صورته على الأرض، فليقرب إليها البخور كل يوم.
وبعد أن عرَّفَ حكيمنا ابنه كيف يعامِل ربه، انتقل به إلى معاملة الوالدة وما لها من فضل عليه في حمله وتربيته، مما يذكرنا بقول الله تعالى: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا، فيقول:
ضاعِف مقدار الخبز الذي تعطيه والدتك، واحملها كما حملتك، ولقد كان عبؤها ثقيلًا في حملك ولم تتركه لي قطُّ أبدًا، وحينما ولدت حملتك كذلك ثانية بعد شهور حملك حول رقبتها، وقد أعطتك ثديها ثلاث سنوات، ولم تشمئز من برازك، ولم تكن متبرمة، ولم تقل: «ماذا أفعل أنا؟» ولقد ألحقتك بالمدرسة عندما تعلَّمْتَ الكتابة، وقد وقفت هناك يوميًّا (خارج المدرسة) … بالخبز والجعة من بيتها، وحينما تصبح شابًّا، وتتخذ لنفسك زوجة، وتستقر في بيتك، اجعل نصب عينيك كيف وضعتك أمك، وكيف ربَّتْك بكل الوسائل. فليتها لا تضرك بألا ترفع أكُفَّ الضراعة إلى الله، وليته لا يسمع عويلها (2).
ثم عرج بعد ذلك الحكيم ناصحًا لابنه أن يكون شفيقًا على الناس كذلك، وألا يثق بالثروة؛ لأنها كمجرى الماء لا يبقى على حال، فمَن يكون غنيًّا اليوم قد يصبح فقيرًا في الغد، فيقول:
لا تأكلن الخبز إذا كان هناك آخَر يتألم من عدمه دون أن تمد يدك إليه بالخبز، فواحد غني وواحد فقير … ومَن كان غنيًّا في السنين الخوالي قد أصبح هذا العام سائسًا، ولا تكن شَرِهًا فيما يختص بملء بطنك، وإن مجرى الماء الذي كان يجري فيه الماء في السنة الماضية قد يتحوَّل هذا العام إلى مكان آخَر، وقد أصبحت البحار العظيمة أماكن جافة وأصبحت الشواطئ هوات (أي بحارًا) …
ثم يعود ثانية «آني» إلى التحدث عن الزيارة وآدابها؛ فيقول لابنه:
لا تذهبن إلى بيت إنسان بحرية، بل ادخله فقط عندما يُؤْذَن (3) لك، وحينما يقول هو لك (أي رب البيت): «أهلًا بك.» بفمه … (وتأتي بعد ذلك جملة مبهمة) أعطه الإله وأعطه يومًا ثانيًا للإله والغد مثل اليوم، وسترى ما يفعله الإله إذا لُطِّخَ اسم الذي لطخك.
ويحتمل أن هذا الكلام يشير إلى إنسان قد ارتكب خطيئة، وسيتولى الله عقابه عليها.
وينصح بعد ذلك «آني» ابنه بأن يتجنَّبَ الشغب؛ فيقول:
لا تدخلن في زحام إذا رأيت أنهم مستعدون للضرب … حتى لا تُلَام في المحكمة أمام القضاة بعد تأدية الشهادة (؟) ابتعد عن أهل الشر …
ثم ينصح ابنه بعد أن أصبح رب بيت أن يكون حكيمًا في سلوكه مع زوجه، حتى يبتعد عن كل شجار أو خلاف، فيقول:
لا تمثِّل دور الرئيس مع زوجك في بيتها إذا كنتَ تعرف أنها ماهرة في عملها، ولا تقولن لها: أين هي؟ أحضريها لنا، إذا كانت قد وضعتها في مكانها الملائم، واجعل عينك تلاحظ في صمت حتى يمكنك أن تعرف أعمالها الحسنة، (وإنها) لسعيدة إذا كانت يدك معها … وبذلك يتجنَّب الرجل تحريك الشجار في بيته.
ثم يُذكِّر «آني» في الوقت نفسه ابنه بأن يحذر النساء الأجانب، فيقول:
لا تذهبن وراء امرأة؛ حتى لا تتمكَّن من سلب لبِّكَ.
ولم يَفُتْ «آني» أن يضع لابنه الخطط في معاملة الرئيس؛ حتى يكون سعيدًا معه فيقول:
لا تجيبن رئيسًا في حالة غضبه، بل ابتعد من أمامه، واذكر حلو الكلام حينما ينطق بمره لأي إنسان، واعمل على تهدئة قلبه، فإن الأجوبة الشديدة تحمل غضبًا (تؤدي إلى ضربك) وبذلك تنهار قواك، وإن الغضب يصوب نفسه نحو أعمالك فلا تنغصن نفسك، على أن الرئيس سيلتفت ويُثنِي عليك بسرعة بعد فوات ساعته المخيفة (ساعة غضبه)، وإذا كانت كلماتك مهدِّئة للقلب فإن القلب يميل لاستيعابها. وجدَّ في أن تكون صامتًا، واخضع لما يفعل.
وبعد أن رسم له الطريقة الرشيدة في معاملة رئيسه، لم يفته أن يلفت نظره إلى أن يكون على وفاق مع رجال الشرطة، فيقول:
اتَّخِذْ من شرطة شارعك صديقًا، ولا تجعلنه يثور عليك، وأعطه من طرائف بيتك حينما يكون منها في بيتك (في أيام العيد)، ولا تتغاضَ عنه وقت صلاته، بل قُلْ له: «المديح (4) لك».
يتلو ذلك قطعة غير مفهومة، ثم محادثة هي خاتمة الكتاب. وبعد أن فرغ «آني» من إلقاء نصائحه على ابنه، أجابه الأخير بأنه يتمنى أن يكون مثله، ولكن شتان ما بينه وبين والده الذي كان صاحب همة عالية ومطامح سامية، وإنه ربما يتعذَّر عليه أن يصل إلى ما وصل إليه «آني» فيقول:
آه يا ليتني مثلك … حتى أعمل حسب تعاليمك، وحتى يرقى الابن إلى مرتبة والده … إنك رجل صاحب مطامح عالية، فكل كلماتك مختارة، وإن الولد الذي يتصوَّر خبثًا في نفسه يقول … في الكتب. إن كلماتك مريحة لقلبي، ولبي يميل إلى استيعابها، وإن قلبي لفرح، ولكن لا تجعلن فواقك يتجاوز الحد في غزارته … إن الولد لا يعمل حسب التعاليم التي تثقف حتى لو كانت كل الكتب على لسانه (5).
غير أن الوالد لما سمع هذا الجواب من ابنه، أخذ القلق يساوره وأخذ يضرب له الأمثلة الطريفة في الطاعة ويحثه على اتباع ما ألقاه عليه من النصائح، فيقول «آني» مجاوبًا ابنه «خنسحتب»:
لا تثقن في هذه الأشياء (؟) الخطرة، وتجنَّب أن تعود إلى الشكوى، فإن قلبي لا يصغى إليها، فإن الثور المحارب الذي قتل ما في الحظيرة من ثيران، لا يمكنه أن يغادر الحلقة (إذ يجب عليه) أن يأخذ أوامره من سائقه، وكذلك الأسد المفترس يخفِّف من ثورته ويمر بكآبة على الحمار، والجواد يخضع لنيره … والكلب يصغي للكلام ويتبع سيده، والحيوان «كيري» يحمل … إناء الذي لم تتحمله والدته، والإوزة تحط على البركة الباردة حينما تصاد، وبذلك تنتفض في الشرك (حزنًا)، والعبيد قد تعلموا الكلام المصري، وكذلك السوريون وكل الأجانب، وقد تكلَّمت كذلك عن كل الحِرَف التي يمكن أن تسمع عنها وأعرف ما يجب أن يفعل.
أما الجواب الذي أجاب به «خنسحتب» أباه فمُبْهَم، ومن المحتمل أنه يشير إلى الحقيقة القائلة «بأن كل الناس لا قيمة لهم»، فيقول:
إن هناك جمًّا غفيرًا من الأدنياء، وليس هناك فرد يعرف تعليمه، وإذا وجدت إنسانًا حازمًا فإن الأكثرية أغبياء.
ومن المحتمل إذن أنه يعاهد والده على الطاعة، فيقول:
كل كلماتك ممتازة … وإني أعطيك المواثيق بأن أضعها على طريقتك (التي رسمتها).
وعلى ذلك يجيب الكاتب «آني» على ما قاله ابنه ببعض أمثال حكيمة لا تزال تأخذ بالألباب وتستهوي النفوس؛ لأنها تنفذ إلى الأعماق، فيقول:
وَلِّ ظهرك لتلك الكلمات الكثيرة التي ينبو عنها السمع، فإن العصا المعوجة الملقاة في الحقل والمعرضة للضِّح والفيء، يحضرها الصانع ويجعلها مستقيمة ويصنع منها سوطًا للشريف، ولكن قطعة الخشب المستقيمة هي التي يصنع منها لوحًا (للكتابة) (6).
آه أيها القلب الذي لا يمكنه أن يتبصر في العواقب، هل كانت آراؤك في أن تعطي المواثيق أو أنك تفشل.
ومن الجائز أن «آني» يعبر في الجزء الباقي عن أمله في أن يكون ابنه الذي يعرف القوة التي في يده (أي يشعر بقوة نفسه)، عاقلًا كالطفل الذي في حضن أمه، فإنه عندما يبلغ سن التمييز لا يريد الاستمرار في الرضاعة، بل يجد فمه (أي يتكلم) ليقول: أعطني خبزًا.
(أ) المصادر
هذه التعاليم لا تزال غامضة، وتحتاج إلى درس جديد، وأهم المصادر التي يمكن الرجوع إليها حتى الآن هي:
(1) Breasted, “The Dawn of Conscience”, P.P. 319 f.f.
(2) Erman, “The Literature of the Ancient Egyptians”, P.P. 234 f.f.
(3) Speigel, “Die Praambel des Amenemope und die Ziellsetzung der Agyptischen Weisheitsliteratur” , P. 15.
.....................................................
1- يقصد بهذه الجملة أن قلبه يساعده على الاحتفاظ بسكينة وكرامة، وما يستحق الذكر هنا أنه منذ النصف الثاني من عهد الدولة الحديثة كان الجعران الجنازي، وهو الجعران الذي كان يُوضَع مكان قلب الميت ليمثِّله يُوضَع في حلية على شكل محراب ويتدلَّى على الصدر.
2- يعود ضمير الغائب في «يبعده» على القلب الذي يقوده بعيدًا عن الشر.
3- فم الناس أي ألسنة السوء.
4- يبدو لنا من عنوان هذا الكتاب أنه يشتمل على مقطوعتين، كل منهما ستة سطور: فالأولى تبشر بالإرشاد إلى الفلاح الدنيوي، والثانية تبشر بالإصلاح الخلقي.
5- هذه الكلمة قد تشير إلى أن المؤلِّف ابن كاتب مصري أي «كانخت»، أو إلى كتابه كأنه ثمرة كاتب مصري، وفي هذه الحالة الأخيرة يؤكد المعنى بمقابلته بالجملة السالفة.
6- مدير مكاييل (واز) وهي عين حورس، وهذا هو الاسم المقدس لمكيال الغلال.
الاكثر قراءة في العصور القديمة في مصر
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)