إن حرب المشركين مع المؤمنين هي صراع الايمان والكفر وليست صراعا للاستحواذ على الاراضي والثروات الطبيعية أي إن الدافع الاساس لهؤلاء المشركين هو اجتثاث الاسلام وارتداد المسلمين عن دينهم ومن هنا لم يألوا جهدا في ابقاء نار الحرب مشتعلة علهم يتمكنون من جعل المسلمين يرتدون عن دينهم: (وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا).
وان كان ذلك لا يمنع من أن يكون الاستيلاء على مياه وأراضي وثروات المسلمين الطبيعية هدفا ثانويا لهم أيضا لأنهم امتحنوا المسلمين في تجربة الهجرة ورأوا عدم امكانية تهديد مطلقي الدنيا وعشاق الله ورسوله والدين الالهي بالمصاعب المادية فقد كانوا مستعدين للتخلي عن كامل حياتهم المادية من أجل المحافظة على دينهم وعقائدهم والهجرة إلى المدينة دون متاع وتحمّل المصاعب والجوع وضنك المعيشة في إيوان أو ركن من أركان المسجد هناك.
لقد كان التنازل عن الحياة المستقلة في تلك الظروف الشاقة أمراً صعباً جداً على الكثير من الناس، باستثناء أولئك الذائبين في الله الذين كان نزول آية (وَكَأَيِّن مِّن دَابَّةٍ لَّا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ...[1]). إمداداً لهم قوّى فيهم عزيمة الهجرة من مكة إلى المدينة بأيدٍ خالية للمحافظة على دينهم والفوز بتوفيق مجاورة الرسول الأكرم صلى الله عليه واله وسلم.
كما اجتاز أهل المدينة أيضاً هذا الامتحان الإلهي مرفوعي الرؤوس باستقبالهم لهؤلاء المهاجرين وإيثارهم وبذل ما لديهم من الثروات (...حِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ)، (وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ[2]). وقد فضح القرآن الكريم الكفّار وسلّط الضوء على نواياهم الخبيثة ومؤامراتهم في مختلف نواحي الحياة، فقال: (وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم[3]).
وقال في موضع آخر أيضاً إن مؤامرات الأعداء ودعاياتهم الشريرة لن تنجح في إضلال المؤمنين: (وَدَّت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ[4]).
إن هذه الجماعة ترغب في تحقيق أهدافها المشؤومة عن طريق المؤامرات العسكرية والسياسية، حيث تسعى من النواحي المادية والمعنوية لنزع أسلحة المسلمين ومنعهم من تجهيز أنفسهم بالمعدات والأسلحة العسكرية ومن ثم مباغتتهم والانقضاض عليهم: (وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً[5]).
كما يعملون دوما على خيانة عهودهم ومواثيقهم مع المسلمين وخداعهم كل يوم بمخطط جديد ومشاريع وتصريحات مخادعة تسعى لجرهم الى الكفر: (وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ[6])، (إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ[7]).
وورد في وصف جماعة من المنافقين أيضا الاشارة الى رغبتهم وإصرارهم على جعل المسلمين يكفرون بدينهم[8].
كما نبه القرآن الكريم الى مخاطر اتباع هؤلاء المنافقين بقوله ان في ذلك خسارة الدنيا والآخرة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ[9]).
وما ورد في هذا القسم من الاية التي هي مورد البحث إنما هو رسالة تنبض بالحياة فالاستكبار العالمي لا يكف عن مساعيه الاقتصادية والثقافية لحرف أنظار المسلمين عن اسلامهم ومحاربة القوى الاسلامية لتضعيفها وإنهاكها وتشويه صورة الاسلام في أعين سائر الامم للوصول الى أهدافه المشئومة غافلا عن استحالة تمكنه من الوصول الى أهدافه هذه.
[1] سورة العنكبوت الآية 60 .
[3] سورة البقرة، الآية . 109
[4] سورة آل عمران الآية 69 .
[5] سورة النساء الاية 102
[6] سورة المائدة الاية 13
[7] سورة الممتحنة الاية 2
[8] سورة النساء الايتان 88 و89
[9] سورة آل عمران الاية 149