وعلى حين علا مد العمل السياسي خلال الفترة 1877–1887م، انحسر ذلك المد خلال العقد التالي (1887–1897م) بصورة تدريجية، ورسخت أقدام الرأسمالية المستندة إلى حماية الدولة والتي أعلنت شعار العودة إلى الفِكر الياباني التقليدي، ومن ثَم كان ظهور الشعور الوطني المُتطرِّف، أو ما يُمكِن أن نُطلق عليه «الفكرة اليابانية»، وحفلت تلك المرحلة بقضايا القيم الخلقية والدينية، وشهدت يقظة نوع من الإحساس بالذات عبر عن نفسه من خلال تطوُّر كل من الشعور الفردي والوعي القومي.
وساد في تلك المرحلة مزيج من الاتجاهات الإصلاحية والاتجاهات الرجعية، نستطيع أن نتبيَّن مِن خلال الشعبية التي حظِيَ بها شعار «اليابان الجديدة»، ثم برز الاتجاه الوطني المتطرِّف في أواخر المرحلة، كذلك امتازت الحقبة بإحياء الفنون والآداب اليابانية العريقة التي كادت تُهمَل منذ بداية عصر مايجي.
وشهدت المرحلة مولد عدد من الجمعيات الفكرية والثقافية من بينها تلك الجمعية التي تأسست عام 1888م وكانت تصدر مجلة «اليابانيون» التي أصبحت تُعرف — فيما بعد — باسم «اليابان واليابانيون»، وفي عام 1907م أصبحت هذه الجمعية تُعرف باسم «جمعية الفكر السياسي» ويعنينا هنا الوقوف على أفكار ميباكي محرر مجلة «اليابانيون» وكوجا محرر جريدة «اليابان» التي ظهرت عام 1889م، وأفكار الرجلين تعبر عن الاتجاه الوطني المتطرف (السوفيتي).

إحدى الخطب العامة في حديقة أوينو، طوكيو سنة 1919م. شأن حق الانتخاب للشعب الياباني للمشاركة في الحياة النيابية والسياسية.
أما كوجا، فقد صاغ نظرية خاصة بالقومية، كانت وسطًا بين الشوفينية والقومية التي تدور حول محور الفرد التي عرفتها ليبرالية القرن الثامن عشر، وذهب إلى ضرورة تأسيس حزب وطني؛ «فالبيت الإمبراطوري والحكومة ينتميان إلى الأمة كلها، وعلى هذا النحو تحقق الوحدة القومية، والحزب الوطني يرمي إلى تجنُّب الأمة شر الانقسام والذاتية، ويهدف إلى جعل السلطة السياسية القومية ترتكز على الرأي العام، وهو يُحافِظ على القوى القومية، ويعمل على تطويرها»، وذكر في كتابه «أسس السياسة» (عام 1893م) أن «الحكومة الدستورية» ليست إلا وسيلة لتحقيق غاية، ولا تُعَد غايةً في حدِّ ذاتها في إطار الحكومة القومية.

لفافة تعود للقرن 13 تصور حياة العلامة (سواجاوارنو-هيتشيزائي) (845–903م).
أما ميباكي، فقد رأى في الدولة «كائنًا حيًّا عظيمًا»، وليست مجرد «شركة» قائمة على أساس تعاقدي، إنها «الدولة اليابانية التاريخية»، وواجبات الأمة — عنده — تفوق ما لها مِن حقوق، لذلك كان على اليابانيين أن يبذلوا أقصى الجهد لأداء واجباتهم؛ لأن ذلك هو الطريق الوحيد لتحقيق السعادة.
وقد أثبت اليابانيون دائمًا أنهم أهل «إخلاص، وخير، وجمال» ولكن ميباكي لم يُغفل الإشارة إلى عيوب اليابانيين، وفي مقدمتها — في رأيه — الغطرسة، وسيطرة أمراء المال، وهو ما يجب أن يتخلص اليابانيون منه.
وبذلك وضع هذان المفكران جذور «الفكرة اليابانية» التي نمت وترعرعت في مرحلة تالية، وإن كان اهتمامها قد انصرف إلى «الفكرة الشرقية» التي تُعَد — عندهما — نقيضًا للرأسمالية والإمبريالية الغربية، وتبحث في كيفية حماية اليابان والشرق من خطر الغرب وأطماعه، وكان ذلك يتسق مع سياسة اليابان عندئذٍ، حيث كانت تلتزم جانب الدفاع، ولم تتحوَّل إلى التوسع إلا في أواخر تلك الحقبة.
وعبر أوكاكورا عن «الفكرة الشرقية» في كتاباته، وخاصة في «مثاليات الشرق» وفي «يقظة الشرق» فلم يكن أوكاكورا يرتاح إلى تفوق الغرب على الشرق، وقدرته على شن العدوان ولكن لم يدرِ بخلده أن يغزو الشرق الغرب؛ فللشرق — عنده — شخصيته الخاصة به، كما أن لليابان شخصيتها المميزة في إطار الشرق، لذلك رأى ضرورة احتفاظ الفن الياباني بسماته الخاصة «لأنه يُقدِّم اليابان إلى العالم».
وأيقن أوكاكورا من صحة نظريته عندما زار الصين، واكتشف أن الفن الياباني لا يعتمد على تراث الصين في كل شيء، وأنه يمكن أن يكون فنًّا مستقلًّا، وعندما زار الهند (1901م)، شعر أن اليابان تحوي الكنوز التاريخية للحضارة الآسيوية، وأن تاريخ الفن الياباني هو تاريخ للمُثُل الآسيوية، مما يقدم الدليل على «وحدة آسيا»، لذلك رأى أوكاكورا أنَّ من العار على اليابانيين أن يَبخسوا أنفسهم حقها، ويستهينوا بما لديهم مِن إمكانيات، وأنَّ عليهم أن يُحققوا ذاتهم، ولا يندفعوا نحو تقليد الغرب تقليدًا أعمى؛ «لأن الشجرة لا تستمد قوتها إلا من قوة بذرتها»، ورغم أنه يقر بما للعصر الحديث من فضل إبراز مفهوم الحرية الفردية، نجده يمتدح ما أسماه «الحرية الشرقية» حيث يعيش الناس تحت السحاب، يفترشون الجبال، ويعتنقون قيمًا أعلى مستوى مِن القيم الغربية القائمة على الحريات الشخصية «فعظمة آسيا تتجلى في ذلك الانسجام الذي يجمع بين الإمبراطور والفلاح. »
وذهب أوكاكورا إلى أن ثمة صراعًا مستمرًّا بين علم الغرب ومثالية آسيا وفنها، وعزا ما اعترى التذوق الفني من ضعف — في عصر مايجي — إلى انتشار الصناعة والترويج للديمقراطية وتحالف المسيحية مع أسلحة الدمار، ولذلك تحتاج آسيا واليابان — في رأيه — إلى نوعٍ من التنسيق الداخلي لتلافي الازدواجية، حتى تصبح قادرة على مقاومة المؤثرات الغربية.
ورغم أن أوكاكورا كان ناقدًا فنيًّا، لا يسعى لوضع نظرية سياسية تتصل بآسيا، لكنه يسوق الأفكار في إطار تحليل الظواهر الحضارية التي حظيت باهتمامه، إلا أن الفاشية اليابانية جعلت منه — فيما بعد — «نبيَّ النظام الجديد لشرق آسيا العظمى.»