اهتم كلٌّ من فوكوزاوا والطهطاوي، في مجال الفكر السياسي، بإعادة النظر بالأفكار التقليدية التي تبرِّر سلطة الحاكم والحكومة، من أجل دفعِ عَجلة التقدم إلى الأمام، في عملية تكوين الدولة الحديثة. وبالنسبة لليابان كانت فكرة الميبون Meibun وما اتصل بها من الخضوع للسلطة حدَّدَت علاقة الحاكم بالمحكوم على نحوٍ مُناظرٍ لعلاقة الآباء بأطفالهم والزوج بزوجته في إطار التقاليد اليابانية المتوارَثة؛ ومن ثَم مارس الحكام سلطةً أبويةً مطلقةً على المحكومين. (1) وساد الاعتقاد بأن البشر غير متساوين في المنزلة، وأن المجتمع مجتمع هرميٌّ تراتبيٌّ بطبعه، وأنَّ تَساوِي الرءوس بين الناس ينتُج عنه الفوضى والاضطراب. وتضمَّن الإطار السياسي للكنفوشية فكرة تفويض السماء (Temmei) التي يستمدُّ منها الحاكم حقَّه المقدَّس في ممارسة الحكم ما دام يلتزم بمنظومة القواعد الخلقية، فإذا خرج عليها يفقد تلقائيًّا تفويضَ السماء الذي تمنحُه لسواه؛ ومن ثَم يفقد سلطته، ولكن في النموذج الياباني لم يكن هناك ما يبرِّر خلع الحاكم الظالم تطبيقًا لفكرة تفويض السماء، بل إن سلطة الحاكم امتدت لتطولَ مختلف مظاهر حياة المحكومين، لا حدود لها، مثلما كانت سلطة الأب على أبنائه لا تعرف حدودًا (2).
وفي مصر وغيرها من البلاد الإسلامية كانت الشريعة تنظِّم علاقة الناس بعضهم ببعض، وكذلك علاقتهم بالله، واعتُبر المسلمون جميعًا — نظريًّا — سواسيةً في المجتمع، لهم نفس الحقوق، وعليهم نفس الواجبات، ولكن من الناحية الفعلية كان التمايز موجودًا بين الناس، كما كان لكل فرد موقعُه المحدَّد في الهرم الاجتماعي، واعتبر الحكام أنفسهم يستمدُّون حكمهم من إرادة الله، لا معقِّب عليهم إلا الله، ولا رقيب عليهم إلا ضمائرهم، والتزم الناس بطاعة الحكام مثل التزامهم بطاعة الله، وكانت هذه الطاعة — نظريًّا — ليست طاعة سلبية أو غير مشروطة؛ فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولا طاعة لحاكم إذا خرج عن حدود الشرع، غير أن الطاعة ما لبثَت أن أصبحَت حقًّا مطلقًا للحكام على المحكومين، واعتُبر الحاكم الظالم أفضل من شيوع الفوضى في المجتمع في حالة غيابه. ورغم أن الحاكم كان ملزمًا — نظريًّا — باستشارة أهل الرأي في المجتمع قبل اتخاذ قراره، وما أحاط بذلك من غموضٍ يتصل بكيفية ممارسة الشورى ومدى التزام الحاكم بها، فإن تطبيق هذا المبدأ لم يكن موضع الاعتبار، بل رأى المفكِّرون المسلمون أن وجود الحاكم ضروري لإقامة العدل، وعدَّه بعضُهم ظلَّ الله على الأرض، الذي يجب أن يخضع الناس له مهما صدر عنه (3).
ولمَّا كان ذلك الموروث السياسي التقليدي يقف حجَر عثرة أمام تطوُّر النظام السياسي في الدولة الحديثة، فقد وقع على عاتق رائدَي التنوير في اليابان ومصر فوكوزاوا والطهطاوي مراجعة ذلك الموروث الثقافي السياسي، لفتح الطريق أمام تطوُّر أداة الحكم في الدولة الحديثة.
...........................................
(1) Blacker, The Japanese Enlightenment, pp. 70–73; Nakamura, H., Ways of Thinking of Eastern Peoples, Hawaii, 1964; Maruyama Masao, Thought and Behaviour in Modern Japanese Politics, edited by Ivan Morris, New York, 1963.
(2) Blacker, pp. 101-2.
(3) Hourani, Arabic Thought, Chap, passim; Fazlur Rahman, Islam, 2nd ed., University of Chicago Press, 1979.