كانت الصناعة اليابانية — في عصر مايجي — ذات طابع فريد، فهي صناعة احتكارية، يخضع القطاع الاستراتيجي منها لهيمنة الدولة، ونعني بالصناعات الاستراتيجية تلك الصناعات ذات الصلة بالمجهود الحربي، أو تلك التي تنتج سلعًا ذات أهمية خاصة بالنسبة لأسواق الصادرات، ومن ثَم تحظى بتشجيع الحكومة وحمايتها ودعمها المادي حتى تستطيع الصمود في وجه منافسة بضائع البلدان الأخرى في الأسواق الخارجية.

أول مصنع للغزل في اليابان يستخدم أسلوب الإنتاج الجماعي سنة 1872م.
فقد أوقفت حكومة مايجي جهودها على إقامة جيش وطني قوي، ونظام حديث للشرطة حتى تستطيع مواجهة التحديات الداخلية ممثلة في تمرد الساموراي وانتفاضات الفلاحين والتحديات الخارجية ممثلة في خطر التدخُّل الأجنبي وخاصةً أن ما حدث للصين على يد القوى الاستعمارية كان ماثلًا في أذهان حكام اليابان في ذلك العصر.
وإذا كانت حكومة مايجي قد وَرِثت عن العهد السابق عليها نواة قوة عسكرية دربت على النسق الفرنسي، فإن تلك القوة كانت تفتقر إلى المقوِّمات المادية التي تضمن تزويدها بالعتاد والعدة، والتي لا تتوافر إلا من خلال الصناعة الحديثة ونظام النقل الحديث، ولذلك كان لا بد من وضع خطة للتصنيع من أجل سد الحاجات العسكرية المُلحة، وخاصةً أن قضية الأمن كانت أساسية في مطلع عصر مايجي، ومن ثَم كان الاهتمام بالصناعات الثقيلة والصناعات الهندسية والتعدين التي أصبحت — بالنسبة للحكومة — صناعات استراتيجية، وإن كانت نواتها قد بدأت في أواخر عصر طوكوجاوا استجابة للتحدي الغربي.
فكان لمقاطعات: ساتسوما، وهيزن، وتشوشو، فضل الريادة في إقامة الصناعات الحربية الحديثة، فأقيم أول فرن حديث لصهر الحديد بمدينة ساجا (مقاطعة هيزن) لخدمة صناعة المدافع عام 1850م، وبدأ إنتاجه عام 1852م، وكانت تلك المقاطعة قد بدأت صناعة المدافع على الطراز الهولندي قبل ذلك التاريخ بعشر سنوات، وأُقيمت أفران الحديد الحديثة — بعد ذلك — في ساتسوما (عام 1853م) وميتو (عام 1855م)، كذلك أقامت حكومة طوكوجاوا مصنعًا حديثًا للحديد (عام 1853م)، وانتهى العمل في إنشاء مصنع صب المدافع في ساتسوما عام 1854م، وتمكنت تلك المقاطعة من تجهيز ست سفن بالمدافع من إنتاج ذلك المصنع (عام 1857م) كذلك أقامت مقاطعة ميتو مصنعًا لصب المدافع، وقد تم ذلك كله بالرجوع إلى الكتب الهولندية وبطريق التجربة والخطأ، بالاعتماد على الذات ودون الاستعانة بخبراء أجانب.

بداية صناعة الأسلحة النارية – انتقلت من البرتغاليين – ورشة في كيوشو.
وفي عام 1857م قامت حكومة طوكوجاوا ببناء سفينة تجارية كما أقامت مصانع يوكوسوكا الشهيرة للحديد، وترسانة لبناء السفن بالاستعانة بالخبرة الفرنسية، فتم إنجازها عام 1871م (بعد سقوط طوكوجاوا) والتزم المقاول الفرنسي بتسليمها للسلطة الجديدة (حكومة مايجي) وهكذا كانت نواة الصناعات الاستراتيجية في اليابان قد بدأت قبل عصر مايجي لأسباب تتصل بمواجهة التحدي الغربي.
وورثت حكومة مايجي هذه المشروعات عن العهد السابق، فاستولت عليها وعملت على تطويرها فأصبحت تتصدر العمل في مجال الصناعات الثقيلة والتعدين، واستخدمت الحكومة مُدرِّبِين من الأجانب لرفع مستوى الكفاية الفنية والإنتاجية، كما أقامت مركزًا خاصًّا للتدريب على صناعة المدافع، وأنشأت ترسانة أوساكا، كما استولت الحكومة على بعض ترسانات بناء السفن التي كانت للمقاطعات القديمة، وأنشأت الحكومة المدارس الهندسية والفنية لإعداد الكوادر لتلك المؤسسات الصناعية، واستخدمت لتلك المدارس معلمين من الأجانب، كما أوفدت المبرزين من الطلاب إلى الخارج لإتمام دراستهم واكتساب الخبرة اللازمة للعمل بتلك الصناعات الهامة.
وسارت الحكومة على نفس الدرب فيما يتصل بصناعة التعدين، فاستولت على جميع المناجم التي كانت تُدار لحساب الحكومة السابقة والمقاطعات القديمة، وباعت جانبًا كبيرًا منها للبيوت المالية ذات الحظوة لديها، وأبقت لنفسها نحو عشرة من تلك المناجم تولت إدارتها، حتى إذا وقف إنتاجها على أقدامه، باعتها بدورها للقطاع الخاص، واستخدمت الحكومة الخبراء الأجانب للعمل على زيادة إنتاج تلك الصناعة الهامة.
وتطور قطاع النقل والمواصلات بسرعة كبيرة بفضل جهود حكومة مايجي، التي ركزت اهتمامها على هذا القطاع لارتباطه بحماية المصالح الوطنية للبلاد، وخدمة السوق الوطنية بتوسيع نظامها وتنشيط حركتها، وكان أول خط حديدي يتم بناؤه في اليابان (هو خط طوكيو-يوكوهاما) خطًّا حكوميًّا، عنيت الدولة بإنشائه بقرض بريطاني، وما كاد القرن التاسع عشر يبلغ نهايته، حتى كان حجم رأس المال الخاص في ذلك القطاع يفوق حكم الاستثمار الحكومي، ولكن الحكومة ما لبثت أن قامت بتأميم السكك الحديدية عام 1906م، وتركت الخطوط الحديدية الضيقة بيد القطاع الخاص، وكان الهدف من التأميم استخدام عائدات السكك الحديدية في توسيع الشبكة لتُغطي جميع أنحاء البلاد، وتم عقد قرض وطني لتوفير الأموال اللازمة لشراء الخطوط التي كانت تملكها الشركات الخاصة.

محطة سكة حديد طوكيو – من الطوب الأحمر سنة 1914م.
وبذلك تغلبت الاعتبارات الاستراتيجية على مصالح رأس المال الوطني، فقد جاء إنشاء بعض الخطوط الجديدة لخدمة المجهود الحربي بالدرجة الأولى، ونجد صدى تغليب المصالح الاستراتيجية يتردد بوضوح فيما يتعلق بالمواصلات السلكية (التليفونات والتلغرافات) فعندما اقترحت بعض الشركات الخاصة أن تأخذ على عاتقها مد خطوط البرق والهاتف، اعترض «مجلس الدولة» على ذلك (2 أغسطس 1872م) وبرر اعتراضه بضمان سرية الاتصالات الحكومية التي لا بد أن تتم عبر تلك الخطوط، كما أن نظام المواصلات السلكية يربط اليابان بالعالم الخارجي مما يُكسِبه أهمية خاصة، ولذلك يجب أن يكون مرفقًا حكوميًّا.
وعندما طرحت فكرة جعل الخدمة الهاتفية الداخلية — التي تخدم الجمهور — استثمارًا خاصًّا (1899م) رفضت الحكومة الفكرة وأخذت على عاتقها مد تلك الخدمة للجمهور، وأصدرت — في العام التالي — لوائح لتنظيم الخدمة الهاتفية.
وهكذا كان حكام اليابان في عصر مايجي على درجة كبيرة من الحساسية في كل ما يتصل بالنواحي الإستراتيجية، فحرصوا على أن يضعوا الصناعات الحربية والنقل والمواصلات السلكية تحت إدارة الدولة ورقابتها، رغم ما يترتب على ذلك من زيادة أعباء الإنفاق الحكومي مما أدى إلى زيادة الأعباء الضريبية على قطاع الزراعة الذي كان عليه أن يتحمَّل عبء بناء مؤسسات الدولة الحديثة، وبذلك ضمنت الحكومة بقاء الصناعات الاستراتيجية بمنأًى عن الضغوط التي يُمكِن أن تنشأ عن تركها بيد رأس المال الوطني والأجنبي مما قد يعرض أمنها القومي للخطر.