1. القرآن والعزة: كل انسان تدفعه فطرته التي فطره الله عليها الى أن يسعى الى العز ويهرب من الذل الا أن عليه أولا أن يعلم من هو (العزيز بالذات)؟ وأن يعلم ثابتا ما هو سبيل الارتباط به وما هو طريق الوصول الى العزة؟ وأن يعرف ثالثا من هم مرشدوه في هذا الطريق كي يستعين بهم على طيه والوصول الى الهدف. وبناء على التحليل القرآني الكريم:
أ. ان العزيز المحض هو الله سبحانه: (أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ[1])، (عَزِيزٞ ذُو ٱنتِقَامٍ[2])، (عَزِيزٌ غَفُورٌ[3])، (لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ[4])، (لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ[5])، (عَزِيزٖ مُّقۡتَدِرٍ[6])، (ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ[7])، (ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ[8]).
واذا كان القرآن قد وصف في آية رسوله الاكرم ﷺ أو المؤمنين بالعزة: (وَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ[9])، فإنه في مواضع اخرى اعتبر العزة بالأصالة له وحده دون غيره: (فَإِنَّ ٱلۡعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعٗا[10])، (فَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ جَمِيعًاۚ[11]). اذن فعزة رسول الله ﷺ والمؤمنين عزة بالعرض وكل عزة بالعرض تنتهي الى العزة بالذات.
ب. إن وسيلة نيل العزة هي الارتباط بالعزيز بالذات أي الله العزيز بواسطة العقائد الطيبة والعمل الصالح: (مَن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡعِزَّةَ فَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ جَمِيعًاۚ إِلَيۡهِ يَصۡعَدُ ٱلۡكَلِمُ ٱلطَّيِّبُ وَٱلۡعَمَلُ ٱلصَّٰلِحُ يَرۡفَعُهُ[12]).
ج. إن رائد طريق العزة ودليله هو الرسول الاكرم ﷺ: (الٓرۚ كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ إِلَيۡكَ لِتُخۡرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذۡنِ رَبِّهِمۡ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَمِيدِ[13]).
اما المشركين الذين لم يسلكوا طريق التوحد للوصول الى العزة فإنهم يتخذون من الاصنام آلهة ويعبدونها: (وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ ءَالِهَةٗ لِّيَكُونُواْ لَهُمۡ عِزّٗا[14])، متوهمين أن هذه الالهة المزيفة هي التي توفر لهم العزة.
كما أن المنافقين يطلبون العزة من خلال ارتباطهم بالمشركين ورؤسائهم سائرين خلف هؤلاء المشركين والكافرين آملين أن يصيروا أعزة في حين أن العزة كلها لله: (أَيَبۡتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلۡعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلۡعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعٗا[15]).
وهؤلاء يظنون أنهم أعزّة، ويصفون من كان منهم بالعزّ، بينما يصفون المسلمين بالذل (يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعۡنَآ إِلَى ٱلۡمَدِينَةِ لَيُخۡرِجَنَّ ٱلۡأَعَزُّ مِنۡهَا ٱلۡأَذَلَّ)، متغافلين أو جاهلين حقيقة (وَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَلَٰكِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَا يَعۡلَمُونَ[16])، وإضافةً إلى ما في تقديم الخبر على المبتدأ من تفهيم الأهمية، فهو يفيد الحصر في بعض الموارد؛ بمعنى أنّ العزّة هي فقط الله ولرسوله وللمؤمنين، وأن المنافقين لا سهم لهم فيها.
إن المنافقين المعاندين هم أذلاء في الواقع، وعزتهم الموهومة تجعلهم يتجرأون على انتهاك الحرمات واحتقار المؤمنين: (وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لِّيَقُولُوٓاْ أَهَٰٓؤُلَآءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنۢ بَيۡنِنَآۗ أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِأَعۡلَمَ بِٱلشَّٰكِرِينَ[17]).
إن مقدار ما يراه المنافقون والكافرون لأنفسهم من العزة دفع حكام مصر إلى أن يطلقوا على أنفسهم لقب (العزيز)، ومن هنا كان فرعون يعتبر نموذجاً للعز، حتى دفع ذلك أنصاره ومريديه إلى أن يقسموا بعزّته: (بِعِزَّةِ فِرۡعَوۡنَ إِنَّا لَنَحۡنُ ٱلۡغَٰلِبُونَ[18]).
وخلاصة الكلام أنّ الكافرين والمشركين والمنافقين منقطعون عن الله وأوكلوا أنفسهم إلى غيره كي يصيروا أعزّة، في حين أن مصدر العزة منحصر في جنب الله، وإذا أوكل الشخص نفسه إلى ما سوى الله وابتعد عن العزيز المحض؛ فلى يجد أي نوع من العزّة. وإذا ظن الإنسان أنه صار عزيزاً بما يمتلكه من مال أو أولاد كثيرين أو مقام وأمثال ذلك: (أَنَا۠ أَكۡثَرُ مِنكَ مَالٗا وَأَعَزُّ نَفَرٗا[19])، فهو عزيز موهوم وعزته كاذبة.
ولما كان من المستحيل أن تكون العزة والذلة كاذبتين في آن وكانت عزته كاذبة كانت ذلته حقيقة وصادقة وستظهر ذلة هؤلاء في القيامة التي هي ظرف ظهور الحق والصدق: (وَٱلَّذِينَ كَسَبُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ جَزَآءُ سَيِّئَةِۭ بِمِثۡلِهَا وَتَرۡهَقُهُمۡ ذِلَّةٞۖ مَّا لَهُم مِّنَ ٱللَّهِ مِنۡ عَاصِمٖۖ كَأَنَّمَآ أُغۡشِيَتۡ وُجُوهُهُمۡ قِطَعٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِ مُظۡلِمًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ[20]).
وهذه الذلة هي عذاب معنوي مغاير لاحتراق البدن كما أن العزة الواقعية هي نشاط روحاني مغاير الجسمانية.
ولما كانت عزة هؤلاء الافراد عزة كاذبة وذلتهم حقيقية لذا يستهزأ بأحدهم يوم القيامة فيقال له: (ذُقۡ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡكَرِيمُ[21]).
2. معيار معرفة النفاق الداخلي: يعد الاختبار الذاتي واحدا من المعايير الخلقية التي تنفع في اكتشاف الانسان لآثار النفاق ووصماته حيث يتضح به رد فعل الانسان أمام النصائح والدعوات الى التقوى والنقد البناء.
فإذا تمثل رد الفعل بالغضب والصراخ فذلك علامة وجود ارضية الابتلاء بمرض النفاق القلبي في الانسان حيث يستلزم ذلك علاجا فوريا وإلا ابتلي شيئا فشيئا بمرض النفاق المزمن وظهرت فيه علائم العزة الفرعونية وصار مصداقا لآية (بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٖ وَشِقَاقٖ[22]).
وعلى هذا وجب على كل انسان أن يختبر نفسه ليعرف هل هو ممن يحب الخير للمجتمع ويعمل له وهل يبادر عند افساد المنافقين وإثارتهم للشبهات الى الاصلاح وإخماد تلك الشبهات وإذا كان الاخرون يريدون تخريب وإبادة الثروات الاقتصادية من حرث ونسل أفيفكر هو في اصلاح ذلك أم لا؟
وهذا الاختبار هو معيار جيد لتهذيب النفس.
[1] سورة البقرة الاية 209
[2] سورة المائدة الاية 95
[9] سورة المنافقين الاية 8
[10] سورة النساء الاية 139
[13] سورة ابراهيم الاية 1
[15] سورة النساء الاية 139
[16] سورة المنافقون، الآية 8 .
[17] سورة الأنعام، الآية 53
[18] سورة الشعراء، الآية 44 .
[19] سورة الكهف، الآية 34
[21] سورة الدخان الاية 49