ان عناد المنافقين وخصلة التمرد فيهم يوجب فقدانهم لقابلية الاصلاح والتربية فهم لو كانوا مستعدين للإصلاح لأمر الله سبحانه رسوله ﷺ بالاستمرار في نصحهم في حين أنه قد نصح هذه الفئة عدة مرات دون أن يكون لذلك النصح أي تأثير والدليل على عدم قبول المنافقين تلك العزة الكاذبة التي كسبوها بالمعاصي والفساد من قبول تلك الدعوة: (وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتۡهُ ٱلۡعِزَّةُ بِٱلۡإِثۡمِۚ).
وقبول التقوى كما بينا سابقا انما يتوقف على التواضع والتسليم امام الحق والإنسان المتمرد والمنافق ليس مستعدا للخضوع أمام الحق أبدا كما قال أمير المؤمنين علي عليه السلام من استثقل الحق أن يقال له أو العدل أن يعرض عليه كان العمل بها أثقل عليه[1].
وتتمثل ردة فعل الكافرين والمنافقين الطغاة تجاه ارشاد المبلغين ونهي الناهين عن المنكر الذين يتلون عليهم آيات الله في ظهور علائم الامتعاض على وجوههم بل ربما أوشكوا على البطش بأولئك المبلغين الالهيين وعنفوهم: (وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ تَعۡرِفُ فِي وُجُوهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡمُنكَرَۖ يَكَادُونَ يَسۡطُونَ بِٱلَّذِينَ يَتۡلُونَ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِنَا[2]).
وعلى هذا الاساس وكما تشهد أعضاء الانسان وجوارحه عليه يوم القيامة ففي الدنيا أيضا يمكن لصاحب نظر أو صاحب بصر أن يستشهد بكلام أحد أو سلوكه أو أن يجد في أفعاله الاداركية والتحريكية ما يشير الى ضميره المكتوم وسره المكنون .
ومثال ذلك هو الشخص الذي ينهر من يأمره بالمعروف أو ينهاه عن المنكر ويطرد من يعظه محتقراً إياه، أو أنه لا يتلفظ بشيء يجيب به الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر ولا يبدي أي تصرف عنيف تجاه دعوته، لكنه يكرّر ارتكاب نفس ذنبه السابق؛ فمثل هذا الشخص حتى مع عدم تكلّمه تشهد عليه وتفضحه أعضاءه وجوارحه بالنفاق والرياء والطغيان. وهذا المشهد يمثل لذي القلب الحي تصويراً لساحة المعاد.
هذه الأقدام تشهد ما رأت هي واليدين *** فمتى تهجر ذا المنكر يا ذا الشاهدين[3]
وعلى أي حال، فحديث الآية المذكورة يتعلّق بمرحلة تلقي نصائح تبليغ الناصحين، ولم تصل النوبة إلى مرحلة العمل بعد. كما أن الرد العملي لهؤلاء يتمثل في قتلهم أنبياء الله ظلماً مثلما يفعلون الشيء نفسه مع الأمرين بالمعروف والناهين عن المنكر: (إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَيَقۡتُلُونَ ٱلَّذِينَ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡقِسۡطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ[4]).
[1] نهج البلاغة الخطبة 216
[3] تعريب للبيت 3206 من الدفتر الثالث من المثنوي المعنوي، ص464، وهو بالفارسية. [المترجم]
[4] سورة آل عمران الآية 21 .