الأم المعاصرة تطلب اكتفاء ذاتياً ومعنوياً ومادياً لبناء بيتها وعائلتها، وطفولة ابنائها. لذلك نراها ضائعة وممزقة في عالم لا يرحم الطفولة والعائلة.
الكلام على الطفولة كثير. والأم الشابة، مع طفلها الأول، تجد نفسها بحاجة الى شعور بثقة النفس والى قراءة الكتب حول تربية الطفل ورعايته الجسدية والنفسية. لكن الأم التي مر عليها عشر سنوات زواج وانجبت خلالها اربعة أو خمسة أولاد، أصبح لديها مفاهيم خاصة وفريدة حول الطفولة، فهي مع اطفالها الخمسة لا تستطيع أن تطبق معظم القواعد والمفاهيم التي قرأتها عن تربية الاطفال. بل تجد نفسها حائرة بين تعدد الطباع وتفاوت الذكاء بين كل فرد من أولادها، ففي اسرتها الصغيرة، ثمة طفل هادئ ورصين، كما هناك ثمة ابنة عنيدة. هنا لا بد لها من أن تفكر بعامل الوراثة، وبعوامل كثيرة اجتمعت للتأثير في تكوين طباع طفلها، فهي تردد باستمرار: ولدي ما يزال ذلك الطفل الحيوي الذي لا يعرف الهدوء والاستقرار. الآخرون، كل الآخرين، يوجهون سهامهم نحو الأم في حال وجود أي خلل في نمو أو سلوك طفلها. هل هي المسؤولة حقاً عن تصرفات ولدها تجاه المجتمع والعائلة؟ هل عليها أن تقرأ الكتب لكي تطبق آراء علماء النفس والتربية حول تربية الأولاد؟ من هي الأم الصالحة والأم الانانية؟ لكن السؤال الأكثر اهمية هنا من هو طفلك؟ وكيف ينظر الأبناء الى والديهم؟
ابحاث كثيرة اجريت على عدة اطفال وأولاد صغار وشبان فوجدوا اختيار الفتاة الصغيرة والصبي لصورة والديهما المثالية لا تتطابق مع صورة الشبان والأولاد الكبار. فلدى الصغار رؤية رومنطيقية وخيالية عن الأهل، وبخاصة عن والدهم. اما الكبار الذين يرون الاشياء بوضوح وواقعية فيحاكمون اهلهم حتى على أتفه الاسباب. إن صورة الأب المثالية لم تعد صورة جميلة لأب وسيم، بل شخصية تجمل الطفولة، تعلمها وتحميها. غير أن اكتشاف الطفولة ونظرتها الى الأهل يجب أن تنطبق من الواقع القريب جداً. فمجتمع الاهل في الماضي يختلف عنه في الحاضر. والمرأة التي كانت تعمل خارج البيت في السنوات الغابرة ليست هي الأم والمرأة المثالية. المرأة المثالية كانت باعتقادهم هي التي تبقى في البيت وتهتم فقط بشؤون زوجها واطفالها. لكن الطفل لا يريد فقط أن يأكل ويشرب ويذهب الى المدرسة، يريد أن يرى والدته جميلة تعنى بنفسها.
إن هذه الصورة لا تنطبق إلا على المرأة العاملة التي تهتم بنفسها قبل أن تذهب الى عملها، وبالتالي على الأم. يريد الولد من أمه أن تكون رياضية وحيوية، فرحة وسعيدة بحياتها. وغالباً ما ينتقدها إذا وجدها منطوية على نفسها، تمضي معظم اوقاتها في المطبخ. كذلك لا يريدها أن تصبح امرأة، لعبة لا تهتم إلا بجمالها. إنه يحبها طبيعية، ترتدي الثياب البسيطة وتركض معه في الغابة وتشاركه قراءاته والعابه الرياضية.
في المقابل، يريد أن يساعدها في الأعمال المنزلية ويرتاح لمشاركة والده لوالدته في بعض الأعباء المنزلية ويعاملها برقة وحنان عندما تكون تعبة أو مريضة.
أحد الأولاد يقول لرفيقه: والدي يهتم بي وبإخوتي عندما تكون والدتي خارج البيت، كما أنه يسمح لوالدتي بالخروج وزيارة صديقاتها ... الطفل عادة، يرى العالم من خلال والديه. لا مجال للضحك عليه أو التظاهر بالوفاق والصبر والشجاعة. إنه يلاحظ أدق الاشياء والتصرفات، فهو سعيد بين والديه المتحدين، وحزين في عائلة مفككة يكثر فيها الشجار الصراخ، ومظاهر العنف.
المهم أن يرى الطفل الكبير والدته ووالده على حقيقتهما مع حسناتهما، وسيئاتهما، مع مشاكلهما المادية والاجتماعية، وليس المهم أن تبوح الأم لابنتها بكل مشاكلها وأن تقرأ لها الكتب المسلية أو المفيدة، بل أن تحاول أن تبدو سعيدة ومنفتحة على الحياة اليومية. كذلك بالنسبة إلى الأب. ليس المهم، هنا، أن يتظاهر بالشجاعة والارادة بل أن يعيش هذه الصفات امام ولده ويجابه المصاعب اليومية ويكون سعيداً في انتصاراته. هنا تركيز على وجود الفرح في العائلة لأنه خبزها اليومي، قال هوفمان عام 1962 المرأة التي تعامل بطريقة ديكتاتورية من قبل زوجها، تعامل أولادها بالطريقة نفسها، أي أنها تمارس ديكتاتورية الام.
وثمة نقطة هامة تتعلق بالزوجين المتحدين كثيراً إلى حد أنهما يفصلان حياتهما، اهتماماتهما واسرارهما عن أولادهما الذين يشعرون بالكبت والحرمان.
لكن عندما يكبر الأولاد ويصبحون في عمر المراهقة، سوف يوجهون سهامهم الحادة نحو آبائهم لكي يعبروا عن كبتهم الماضي واثبات وجودهم في الحاضر المال، الهدايا، الراحة المادية امور لا تكفي لإسعاد الطفولة! فهي بحاجة أكثر الى انتباه الوالد واهتمام الوالدة وإجابتها عن الأسئلة التي تطرح حول الحياة اليومية والاشياء التي تراها في طريقها الى المدرسة. والقصص التلفزيونية التي تراها دائما ولا تجد تفسيراً لتسلسلها القصصي.
فبعد تجارب وابحاث عدة اجريتها على مجموعة من الاطفال، تبين لي أن اهتمام الأم بأطفالها لا يمنعها من العمل خارج البيت. فهي تتصرف بطريقة متزنة وبعيدة عن الانفعالات العصبية. وبالمقابل، فان الطفل سعيد بعودة أمه من العمل سعيدة ومرتاحة الأعصاب. هناك، نقطة هامة لدى الأم التي لها ولد وحيد، تبالغ في اهتمامها به. فهو يصبح انانياً، لا يعرف بالتحديد ماذا يريد، ولا يترك لوالدته حرية التحرك والبحث عن نفسها في عائلتها ومجتمعها.
فعلى الأم أن تكتشف طفلها عبر كتب علم النفس للأطفال. لفهم طفلك وتربيته منذ ولادته حتى المراهقة، انها تساعدك على أدراك اشياء كثيرة تعرفينها جيدا في اعماقك لكنك تتجاهلينها حين تدق ساعة الممارسة الحقيقية والواقعية ضمن مجتمعك الصغير.
كوني صحافية واختصاصية بعلم النفس. هلا تناولت كتابي وقاية طفل، وقاية وطن الجزء الثاني؟
نظريات كثيرة وضعتها في كتابي ودعمتها بوسائل عملية يتخذها الوالدان على اساس التثقيف النفسي ومعرفة ما يدور حول تربية الاطفال.
هنا نتساءل، ما هو دليل الأم والأب الى تربية اطفالهما؟ هل الكتب دليل معرفة وغوص في اعماق الطفولة؟
ليس من دليل لمعرفة الطفولة. الأم والأب يعتمدان حدسهما لمعرفة اطفالهما. لكل أم دليلها وحدسها الخاص في تربية اطفالها. انها تتخذ من الكتب اداة لتثقيف نفسها وللغوص في اعماق الذات الحائرة، فالحنان والبسمة واسعاد الآخرين قضايا لا تعلم انها افعال تنبع من ذات الأم التي تتخذ من حدسها طريقا نيرا الى معرفة كل طفل من أطفالها وتتكسر كل القواعد والمقاييس على ادراج الطفولة المبدعة.