مكونات الحوار الإذاعي:
ليس هناك شك في أن الحوار يمثل أساسا مشتركا في العديد من القوالب الإذاعية الأخرى. فالحوار يمكن أن يأتي كفقرة في تحقيق إذاعي، أو مجلة إذاعية، أو برنامج منوعات، أو جريدة إخبارية، والحوار هو أساس برامج المناقشات بأساليبها المختلفة، كما أن الحوار في حد ذاته كثـيـرا مـا يشكل برنامجا إذاعيا متكاملا من هنا يكون إتقان فن الحوار ضرورة أساسية لكل إذاعي ناجح، وقد يأتي ذلك من خلال التشريح المتعمق بعض الشيء لهذا الفن الإذاعي الفريد (الحوار).
فبصفة عامة، نجد أن الحوار يتكون من مجموعة عناصر متداخلة مع بعضها البعض، يمكن تحديدها بصفة أساسية في عشرة عناصر هي المذيع، الأجهزة والمعدات، الوقت أو الزمن الضيف أو الضيوف، الموضوع، الأسئلة، اللغة، المكان الوسيلة، وأخيرا الجمهور.
ولقد خلصت دراسات عديدة أجرتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو)، إلى أن كفاءة أي نظام اتصالي تتوقف على كفاءة هؤلاء الذين يتولون تشغيله (بما في ذلك القائمين بالاتصال)، وفق هذا المنطق نجد أن مذيع الحوار هو العنصر الفاعل في جميع العناصر المشار إليها، وعلى كفاءته تتوقف فعالية وإيجابية كافة العناصر الأخرى، فمذيع الحوار هو الذي يستخدم الأجهزة، ويتعامل مع البرنامج وقتيا وتوقيتيا، ويتعامل مع الضيـف والموضوع، ويوجه الأسئلة ..إلخ، حتى يتمكن من إحداث التأثير المطلوب في الجمهور، على هذا الأساس، فإن الاقتراب من الفهم الصحيح لبرامج الحوار، يمكن أن يكون من خلال مناقشة عناصره المختلفة من حيث أولا: أهم المواصفات المطلوبة في مذيع الحوار ثانيا من حيث علاقة مذيع الحوار بالعناصر الأخرى، باعتبار المذيع هو العنصر المحوري في كفاءة هذه العناصر.
1- مقدم الحوار Interviewer:
هناك شروط أساسية ينبغي توافرها في القائمين بالاتصال عموما، حتى يمكن لعملية الاتصال أن تؤتي ثمارها المرجوة، وتحدث التأثير المطلوب، غير أن ما يعنينا هنا المواصفات الأساسية التي لابد من توافرها في مذيع الحوار بصفة خاصة، وهي وإن كانت مطلوبة بالنسبة للإذاعيين عموما، إلا أنها أشد ضرورة لمذيعي الحوار.
عندما يكون المذيع يتحاور مع أحد الضيوف، فإن الأمر يجسد موقفا اتصاليا متكاملا أفاضت في شرحه نظريات الاتصال ونماذجه، فالمذيع يكون المرسل، والضيف هو المستقبل Receiver والموضوع هو الرسالة Message، وجهاز التسجيل هو الوسيلة الميكانيكية والاستجابات المتبادلة بين المذيع والضيف هي ردود الفعل، ومعنى التبادل هنا أننا لسنا أمام نموذج اتصال جامد، وإنما أمام موقف اتصال تتفاعل أطرافه بنـوع مـن الديناميكية والاستمرار، وفي هذا الجو التفاعلي يصبح المذيع هو المستقبل Receiver، بعـد أن كان المصدر Source، ويصبح الضيف بمثابة المصدر، بعد أن كـان هـو المستقبل، وهكذا يتم تبادل الأدوار تلقائيا في الموقف الحواري.
من ذلك ندرك أن مذيع الحوار يتعين أن يتسلح بنوعين أساسيين من مهارات الاتصال الأول بمهارات الإنصات الثاني: مهارات التحدث، وتتقدم مهارات الإنصات على مهارات التحدث، لأن الإنصات أشد أهمية، كما أنه من مستلزمات التحدث بكفاءة عالية، أول مقتضيات مهارة الإنصات، أن يركز مذيع الحوار على مضمون حديث الضيف، فالتركيز الذهني من شأنه أن يمكن المذيع من التقاط الأفكار الأشد إثراء للموضوع الحواري وأكثر إثارة للجمهور في الوقت نفسه كما يتمكن أيضا من مقاومة مختلف عمليات التشويش على الموقف الاتصالي سواء كان مصدر هذا التشويش صناعيا أو طبيعيا.
من جهة أخرى، فإن الاعتدال في الحماس والانفعالات الأخـرى مـن أهم مهارات المحاور الناجح، وعلامة نجاحه في الوقت نفسه، وكثيرا مـا نلمس الحماس الزائد أو المصطنع من جانب بعض مذيعي الحوار، الأمر الذي يفضي إلى انحراف المحاورة عن موضوعها الأساسي، وبالتالي تضيع الأفكار الأساسية المرتبطة بهدف البرنامج أساسا، كما أن الحماس الزائد أو المصطنع من جانب المذيع قد يفضي - شعوريا أو لاشعوريا – إلى التثبيط مـن همـة الضيف، أما التزام مذيع الحوار بالمرونة، فإنه يعصمه من أن یری الحياة بوجه واحد أبيض أو أسود، أو أن ينظر إلى الحياة بما فيها من مواقف وأمور على أنها لا تحتمل إلا وجها واحدا فقط، من هنا كانت المرونة من أهم مقومات الإذاعي الناجح، فالمرونة المغلفة بشيء من الصرامة والإحساس بالمسؤولية تجعل المذيع لا يستبد به اليأس أو يتملكه الإحباط عندما لا يجد معلومات عن الموضوع أو عندما تصادفه صعوبات في الالتقاء بالضيف المناسب، أو عندما يكتشف أن الضيف من هذا الطراز غير المشجع لسبب أو لآخر، فقد يكون الضيف من هذا النوع الحذر الذي لا يتكلم إلا بصعوبة وفي أضيق الحدود، وقد يكون من هذا النوع المتشدد بشكل أو بآخر في التعامل مع الإعلاميين .. إلخ.
والمرونة تجعل مذيع الحوار يتعامل بسعة أفق مع المشكلات التي قد تقف عثرة أمام حصوله على حوار ممتاز وهذه المواقف أكثر من أن تحصى، كما تجعله يتعامل بعقل مفتوح مع الضيوف، فإذا كان له آراء ووجهات نظر، فإن للضيوف أيضا الحق في إبداء آرائهم ووجهات نظرهم، ولكي ينمى مذيع الحوار في نفسه مهارة الإنصات، فإن عليه أن يجعل من كل حوار فرصة لزيادة قدراته على التحليل والتفسير والاستنباط والاستنتاج أو على أقل تقدير يتخذ من هذه الحوارات فرصة لرفع قدرته على التذكر واكتساب معلومات جديدة، ولذلك يقال إن الإنصات الجيد يعني بذل المزيد من الجهد والطاقة، لأن الإنصات في حقيقته عمل شاق، فالمنصت الجيد قد يصل به الأمر إلى أن يسمع دقات قلبه، أو أن يشعر بنبض عروقه أو ارتفاع درجة حرارته، كل ذلك بهدف الاستيعاب الجيد لما يقال، فقد يكون ضيف الحوار مثلا من هذا النوع الذي يتحدث بسرعة، فإذا اعتقد المذيع أن هذا يعد مبررا لـه بعـدم الانصات يصبح أقرب مثل للمحاور الإذاعي السىء، فالمفروض في موقف كهذا أن يكون لمذيع الحوار هذا القدر من الإصرار والمثابرة، وكذلك من القدرة على ضبط الأعصاب، وأيضا من القدرة على التأثير في المتحدث بحيث يبطئ من سرعة حديثه حتى يكون مفهوما، وهذه المهمة تختلف أساليبها حسب الموقف الحواري نفسه، ومن المهم أن يستثمر مذيع الحوار خصائص هذا الموقف ليأتي بأقصى درجة ممكنة من الوضوح، وبأكبر قدر ممكن من الجاذبية والتشويق.
لا شك إذن في أن ذلك يتطلب نوعا من الذكاء الاجتماعي والذي يقتضي من صاحبه أن يكون مضيافا في علاقته بالمتحدث وأن يكون قادرا على البروز والتألق وأن تتوافر فيه صفة الفضول وحب الاستطلاع، هذه بعض أهم العناصر الخاصة بمهارة الإنصات التي يجب أن يعود تتوفر في مذيع الحوار، والتي يجب نفسه عليها باستمرار من خلال التدريب الذاتي بحيث تصبح مكونا أصيلا وطبيعيا من مكونات شخصيته.
أما مهارة التحدث، فإنها الوجه الآخر لمهارة الإنصات، وتعتمد مهارة التحدث على الحصيلة اللغوية لمذيع الحوار أولا، وقدرته على التوظيف الصحيح لهذه الحصيلة في سياقها الاجتماعي، ثانيا وغني عن البيان ضرورة توظيف الحصيلة اللغوية للقضية مجال الحوار، فهذه من بديهيات العمل الإذاعي. فعندما يمتلك مذيع الحوار ثروة لغوية كبيرة ومتنوعة، فإنه بدون شك لن يجد صعوبة في اختيار الكلمات والتراكيب اللغوية التي تجذب انتباه الضيف وتجعل المذيع في موقف الاحترام وربما الانبهار في نفس هذا الضيف، ومتى أصبح المذيع كذلك يكون برنامجه قد اقترب جدا من النجاح على مستوى الجماهير المستقبلة، وعندما يتمكن المذيع من توظيف ثروته اللغوية في سياقها الاجتماعي الصحيح، فإنه لن يجد صعوبة في أن يكون نشاطه الإعلامي يضرب على الوتر الحساس في نفس ضيف الحوار ونفوس المستمعين على السواء. كثيرا ما نسمع أن ذلة اللسان أشد ضررا على صاحبهـا مـن ذلـة القدم، ونعرف الموقف المأثور من السلف الصالح، والذي خلاصته: "تحدث، أقل لك من أنت"، أي أن الإنسان لا يعرفه الآخرون إلا عندما يتحدث، والأهم من ذلك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بين لنا أن الناس يكبون على وجوههم في النار بسبب حصائد ألسنتهم.
كل ذلك يوضح بعض جوانب ما نعانيه بتوظيف اللغة في السياق الاجتماعي السليم وكثيرا ما ينال الإنسان قدرا هائلا من الاحترام والاحتقار كلمة بسبب تفوه بها. إن مهارة التحدث إذا كانت مطلبا لا غنى عنه للقائم بالاتصال بوجه عام، والمذيع الحوار بوجه خاص، فإن هذا المطلب - كمقوم من مقومات نجاح الحوار - ليس وليد استخدام تكنولوجيا الإذاعة للتأثير في الجماهير، وإنما هو مطلب للإنسان أيا كان العصر الذي يعيش فيه، وقديما قال الشاعر العربي بيته الشهير:
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده فلم يبق إلا صورة اللحم والدم فالفرد لا يكون إنسانا ذو قيمة في المجتمع إلا من خلال شيئين: الأول: لسان فصيح (قدرة على التحدث)، والثاني: قلب جرئ (شجاعة)، إن السياق الاجتماعي للبيت الشعري المذكور يتطلب أن يكون الفتى شاعرا بليغا، وأن يكون فارسا شجاعا، وإذا توافر هذان الشرطان أصبح الفتى إنسانا كاملا، وإذا توافر أحدهما دون الآخر أصبح نصف إنسان، وإذا لم يتوفر أي منها لا يكون الفتى شيئا على الإطلاق.
المنطق نفسه مطلوب في القائم بالاتصال في الإذاعة مع الاختلاف في السياق العام، فمذيع الحوار لا يشترط أن يكون شاعرا، وإنما لابد أن يجيد فن الحديث مع الآخرين ولا يشترط منه أن يكون فارسا يحمل السيف والرمح، وإنما لابد أن يكون لديه قدر من الثقة والشجاعة والتلقائية حتى يتعامل مع الضيوف ومع الجمهور، ومع الميكروفون دون تلعثم أو ارتباك.
أما عن كيفية أن يكون مذيع الحوار له القدرة على إجادة فن الحديث مع الآخرين، فإننا نحيله إلى كتاب الله عز وجل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لقد توجه بأول أمر إلى الإنسان قائلا: "إقرأ"، فإذا كان مذيع الحوار قارئا جيدا وإذا عود نفسه على أن يكون اجتماعيا في حياته العادية يصبح دون شك محاورا ناجحا أيا كان من يتحاور معهم، وأيا كانت الجماهير التي يبث لها برنامجه.
ولكن هل هناك فروع معرفة معينة يتعين أن يقرأ فيها مذيع الحوار؟ الواقع أن جميع أنواع المعرفة مطلوبة، فالشخصية الإذاعية المتكاملة هي التي يطلع صاحبها على ما كل ما يمكن الاطلاع عليه بحيث يكون لديه القاعدة المعرفية الشاملة والقراءة هنا تعني الثقافة العامة، وليس الخبرة والتخصص. وفي هذا الإطار يمكن لمذيع الحوار، أن يكثف قراءاته في مجال معين، أو في بعض المجالات دون أن يعني ذلك - مرة أخرى - أنه أصبح خبيرا في هذا المجال أو ذاك. وعندما يكون البرنامج الحواري متخصصا في مجال بعينه، يكون هذا المجال محل الاطلاع والقراءة المكثفة. وفي كل الأحوال فإن القائم بالاتصال يجب أن يكون معايش عصره، ملما بأحداثه وتطوراته، ملتحما بجمهوره، حتى يمكن توجيه اهتمامات هذا الجمهور تلك الوجهة التي تتطلبها السياسة الإعلامية للخدمة الإذاعية التي يعمل بها، وأن يجعل هذه الخدمة الإذاعية متجاوبة مع اهتمامات الجمهور في نفس الوقت، ولا شك أن نظريات الاتصال الحديثة قد بينت لنا هذه العلاقة المتبادلة بين اهتمامات وسائل الاتصال واهتمامات الجمهور (نظرية وضع الأجندة) Agenda Sitting Theory، كما بينت لنا هذه النظريات أيضا أسباب استخدام الجمهور لوسائل الاتصال (نظرية الاستخدامات والإشباعات) Uses and gratisfications theory مثل هذه النظريات لاشك تفيد القائم بالاتصال في إنتاج البرامج التي تتحدد من خلالها اهتمامات الجماهير وتكون هذه البرامج في الوقت نفسه حافزا للجماهير أن تستخدم وسائل الاتصال.
2- الموضوع :Subject
تتلخص علاقة المذيع بالموضوع في التفاعل والاهتمام والمعرفة، وهناك فهم خاطئ مفاده أن المعرفة بالموضوع تقتصر على القراءة فيه. فالواقع أن القراءة ما هي إلا أحد مصادر المعرفة، ويمكن اكتساب المعرفة عن موضوع هي معين من خلال المشاهدات والملاحظات وإعمال التفكير، والاتصال الشخصي بالأفراد الآخرين، وتدوين المعلومات.. إلخ، وقد يكون أحد مصادر المعرفة مناسبا للحصول على معلومات عن الموضوع ولا يناسب موضوعا آخر، وبطبيعة الحال يمكن المعرفة بالموضوع اعتمادا على أكثر من مصدر، فهناك الموضوعات التي تتعدد مصادر المعرة ف عنها، والموضوعات التي لا يوجد لها سوى مصادر محدودة.
في كل الحالات فإن مذيع الحوار عليه أن يكون لديه المعرفة بالموضوع الذي يتحاور بشأنه، فعلى ضوء هذه المعرفة يتمكن من إدارة الحوار وتوجيه الأسئلة إلى الضيف والتفاعل معه، ولا يبدو أمام الضيف والجمهور بمظهر الجاهل، وبالتالي يفقد مصداقيته، ومن خلال المعرفة بالموضوع يتمكن المذيع من تحديد نقاط تركيز الحوار بما يخدم أهداف البرنامج في إطار أهداف الإذاعة، كما يتمكن المذيع من أن يضفي نوعا من الإثارة والتشويق والأداء المناسب بما يتيح الفرصة أمامه للبروز والتألق بحيث يبدو شخصية منطفئة.
إن المذيعين المعاصرين كثيرا ما يقعون في ثلاثة أخطاء مما يفضي إلى نتائج سلبية في برامج الحوار:
- الخطأ الأول أنه في بعض الأحيان يكون مذيع الحوار لديه المعرفة العميقة بالموضوع، ويعمل على إظهار ذلك ليؤكد فكرة أنه أكثر علمـا مـن الضيـف بهذا الموضوع، وينسى فلسفة الحوار، ويتمادى في التعليقات المطولة، ويوجه الأسئلة ويجيب على جزء منها بأسلوب فج .. إلخ، غافلا أنه استضاف المتحدث، وأن الجمهور يريد أن يسمع هذا المتحدث في المقام الأول لا أن يسمع المذيع.
- أما الخطأ الثاني فهو أن يكون المذيع لا يعرف شيئا عن الموضوع، فيصبح دوره قزميا في المحاورة، ويكون الضيف هو القائد لمسيرة الحوار وقد يتحدث فيما لا يهم الجمهور، وينعدم التفاعل بما يضيفه من حرارة وجاذبية على الحوار. هنا يتضح غياب الهدف ويكون الحوار جامدا مدموغا بالعشوائية والتخبط. ويبدو المذيع بمظهر لا يحسد عليه.
- أما الخطأ الثالث: فهو المعرفة المشوهة العمياء بالموضوع. بمعنى أن المذيع لا يجهد نفسه في المعرفة المسبقة بالموضوع وإنما يحاول أن يعرف عنه بعض المعلومات من الضيف قبل أن يجري الحوار وقد رأيت ذات مرة المذيع يطلب من الضيف أن يحدد له النقاط التي "يجب" أن يتناولها الحوار، أو النقاط التي يقدر أن يتحدث فيها الضيف "أحسن"!!، مثل هذه الأساليب وما شابهها من أهم أسباب تدهور الممارسات الإذاعية، بالإضافة إلى أنها تجسد غياب الهدف، وعدم الإحساس بضرورة استخدام الإذاعة الاستخدام الصحيح.
3- الضيف Interviewee:
ضيف الحوار هو الشخص الذي يتحاور معه المذيع حول موضوع معين، قد يكون هذا الشخص خبيرا، أو مسؤولا تنفيذيا، أو طالبا، أو موظفا، أو عاملا.. إلخ، وقد يكون يجمع بين أكثر من صفة، ويتأثر مستوى الحوار بنمط العلاقة بين كل من المذيع والضيف، ويلعب المذيع الدور الأكبر في تحديد هذا النمط، وقد حفلت أدبيات الإعلام والاتصال الجماهيري بالعديد من القواعد العامة التي يمكن لمذيع الحوار الاستفادة بها بحيث يأتي بحـوار جيد، ومن أهم هذه الأسس، حسن اختيار الضيف، بمعنى اختيار الضيف المناسب للموقف أو الموضوع ، فإذا كان الحوار يتناول طرق الوقاية وأساليب العلاج من مرض معين فمن الضروري أن يكون الضيف طبيبا متخصصا، وإذا كان الموقف هو عقوق الأبناء للآباء، قد يكون من المناسب إجراء الحوار مع ضيوف أطراف في الموضوع، وهكذا.
من جهة أخرى، فإن المعرفة عن الضيف من مستلزمات البرنامج الحواري الجيد، وهناك من يعتقد خطأ بأن هذه المعرفة تكون ضرورية فقط عندما يكون ضيف الحوار شخصية هامة أو معروفة، فالواقع إن المعرفة بالضيف ضرورية في كل الأحوال وإن اختلفت أساليب هذه المعرفة، فإذا كان ضيف الحوار عالما مشهورا أو أديبا معروفا أو أستاذا غزير الإنتاج.. إلخ، يمكن للمذيع أن يعرف عنه من خلال قراءة مؤلفاته، ومقابلة معارفه بحيث يقف على إنجازاته ومساهماته وقدر من أخباره الاجتماعية مثلا. أما إذا كان الضيف مواطنا عاديا فيمكن التعرف عليه مباشرة بحيث يعرف اسمه ومهنته، وبعض ظروفه.. إلخ، وقد يكون ضيف الحوار شخصا من عامة الناس، ولكنه قام بسلوك خارج إطار المألوف، هنا تكون المعرفة المتعمقة بعض الشئ عن الضيف وسلوكه أمرا ضروريا بحيث توظف هذه المعرفة في إثراء الحوار، بوجه عام، فإن المعرفة بالضيف، تسهل التفاعل أثناء الحوار، وتضفي عليه جوا من التفاهم والثراء، وإذا كان الضيف شخصية مشهورة فإنه يسعد كثيرا عندما يدرك أن المذيع لديه معرفة بإنجازاته ومساهماته، كما أن المعرفة بالضيف تمكن مذيع الحوار من تقديمه إلى المستمعين بالطريقة المناسبة وبحيث تظهر هذه الطريقة صفة اختيار الضيف، فإذا كان ضيف الحوار أستاذا في المسرح، يقدمه المذيع باسمه ووظيفته، وقد يذكر بعض أعماله الأدبية أو النقدية.
إن ظهور مذيع الحوار بمظهر الاحترام للضيف، والاهتمام به دون مبالغة، يتجسد أولا في الطريقة التي يقدم بها الضيف إلى الجمهور، فهذه الطريقة هي التي تولد الانطباع الإيجابي أو السلبي عند الضيف سواء شعوريا أو لا شعوريا، وليس هناك مانع في بعض الأحوال من أن يتناقش المذيع مع الضيف حول العناصر الأساسية لموضوع الحوار ومدته، والهدف منه، بل والاتفاق معه على إشارات معينة بشأن الإسراع أو الإبطاء، أو الإيجاز والإسهاب.. إلخ، غير أن ذلك لا يعني أن يجري المذيع مع الضيف تجربة تسجيل أولية لأن مثل ذلك يفقد الضيف حماسة للموضوع، كما أنه يزيد من توتره وقد يؤدي إلى إجهاده وتبرمه خاصة وأن ظروفه قد لا تسمح بذلك. أما من حيث شعور الضيف، فقد أثبتت التجربة أن هناك بعض الضيوف الذين حالة تنتابهم. من التوتر أو الخوف والارتباك عندما يتحدثون أمام الميكروفون، أو الكاميرا وتكثر مثل هذه النوعيات من الضيوف بين الأشخاص محدودي الخبرة في التعامل مع وسائل الإعلام، وقد تكون لأسباب خاصة بالجانب النفسي للشخص ذاته ومذيع الحوار الجيد هو الذي يلمح هذه النوعية منذ البداية، وقد دلت أساليب الممارسة على أن أفضل طريقة للتعامل معها هي كسب ودها وثقتها من خلال التحدث معها في موضوعات الحياة العادية التي قد لا تمت إلى موضوع الحوار بصلة، ويكون ذلك في لقاء قبل التسجيل على يتم في إطار من التلقائية والبساطة، ومن هذا اللقاء الودي يمكن أن يبدأ تسجيل موضوع الحوار.
يرتبط بهذه النقطة أيضا - وأعني بها نوعيات الضيوف التي تقابل مذيع الحوار كثيراً - بعض الضيوف الذين لهم خصائص معينة، فهناك بالطبع أشخاص ذوي كفاءة مهنية عالية وصفات إنسانية، ويدركون أهمية وسائل الاتصال عموما، ويتجاوبون مع العاملين فيها إلى أقصى حد، وعلى الجانب الآخر هناك بعض الضيوف من هو مستفز وعدواني وعنيد، وهناك من هو كثير الكلام فيما هو غير مجدي، وهناك من هو قليل الكلام لسبب أو لآخر،.. إلخ، في مثل هذه الحالات غير الجيدة لابد أن يتعامل المذيع بنوع من الدبلوماسية والمرونة والإصرار والمثابرة إلى أقصى حد ممكن، وهذا التعامل يختلف من موقف إلى آخر ومن ضيف إلى آخر، والمحاور الناجح هو الذي يوظف الظروف المتاحة بما فيه مصلحة الحوار.
أحد الجوانب الهامة للحصول على المعلومات أو الآراء المطلوبة للحوار، هو أن يتعرف المذيع على تلك الزاوية أو الفكرة التي يكون الضيف متحمسا لها أشد الحماس، أيا كان السبب وراء ذلك، ثم يبدأ الحوار من هذه الجزئية، وفي بعض الحالات قد يطلب ضيف الحوار أن يقرأ كلامه من ورقة مكتوبة، وهذا الأسلوب يجب أن يرفضه مذيع الحوار لأنه يجعـل الحـوار جامدا ويفقده تلقائيته. نفس المشكلة، عندما يطلب الضيف من المذيع أن يوافيه بالأسئلة مكتوبة، أولا، حتى يمكنه الإجابة عليها، في هذه الحالة يجب يوضح له المذيع الاطار العام للموضوع، والأفكار الأساسية له، وأن العبرة أن لیست بالإجابة في حد ذاتها بقدر ما هي بوجوده طبيعيا في الحوار، ولا مانع من أن يستعين الضيف ببعض الأوراق التي تذكره بأفكار معينة أو أرقام مثلا. كما أن الانتباه الشديد لما يقوله الضيف من مستلزمات الحوار الناجح فبموجب ذلك يتمكن المذيع من فهم الأفكار واستيعابها وتوجيه الأسئلة المناسبة من حيث المضمون والتوقيت، وعدم الانزلاق في أسئلة تجسد أخطاء مؤسفة نتيجة عدم الانتباه لكلام الضيف كأن تسأل المذيعـة أحـد الضيوف: متى تزوجت؟ فيرد عليها بأنه تزوج منذ خمسة أشهر، تسأله ثانية وكم طفلا أنجبت الآن؟ فالانتباه كان سيعفيها من التورط في هذا السؤال الأخير، كما أن الانتباه لما يقوله الضيف يكون بمثابة رد فعل غير لفظي يزيد من اهتمام هذا الضيف وحماسه، غير أن هذا الاهتمام يتحول في بعض الأحيان إلى نوع من النفاق الرخيص مثل أن يكثر المذيع من ترديد كلمات وجمل معينة مثل: عظيم جدا رائع جدا، أخذنا من وقتكم الثمين.. إلخ، بدلا من ذلك يكون صدق الانتباه وتكرار اسم الضيف من حين إلى آخر مقترنا بوظيفته بمثابة العامل الحاسم في تشجيع الضيف على التحدث، ويرفع من معنوياته، كما أنه يذكر المستمع بالضيف، ويعرفـه بـه إذا لم يكن هذا المستمع استمع للبرنامج منذ البداية.
يتصل بانتباه المذيع، أنه يتمكن من أن يستشف صمت الضيـف أو سكوته: هل هو يفكر في إضافة معينة، أم أنه يحاول تجميع أفكاره؟ أو أنـه يريد تأكيد موضوع، أو تصحيح معلومة،.. إلخ، في مثل هذه الحالات توحـي تعبيرات وجه الضيف بمعنى معين والانتباه هو الذي يجعل المذيع يدرك هذا المعنى، فيشجع الضيف على الحديث، أو يقرر أن يسأله سؤالا آخر أو يعلق على فكرة معينة حسب مقتضى الحال.
وإذا كان الانتباه لما يقوله الضيف أمر لابد منه للحوار الجيد، فإن الثقة وعدم التلعثم أو الارتباك أمور لا تقل أهمية، لأن احترام الضيف للقائم بالحوار، وللوسيلة التي يعمل بها، يتأثر بالدرجة الأولى بمدى ما تعكسه شخصية القائم بالحوار من ثقة في نفسه، واتزان في شخصيته، وكثيرا ما يتعرض المذيعون المبتدئون لبعض المواقف التي يرتبكون فيها، الأمر الذي يؤثر سلبيا في نظرة الضيف إليهم، وكذلك في مستوى الحوار ككل. إن الثقة في النفس وعدم التردد أو الرهبة من الموقف الحواري أيا كانت الشخصية التي ستجري معها الحوار - من أهم ضرورات الحوار الناجح.
في إجابات الضيف على الأسئلة الحوارية كثيرا ما تواجه المذيع بعض المشكلات منها أن يحاول الضيف التهرب من الإجابة على سؤال معين، وفي هذه الحالة يمكن للمذيع أن يلجأ إلى الأسئلة الاستدراجية، أو يكرر السؤال بصيغة أخرى، أو يعبر بشكل غير مباشر عن أهمية الإجابة على هذا السؤال، ومن المشكلات أيضا استخدام بعض الضيوف بكثرة للمصطلحات الفنية والأساليب غير المفهومة أو غير الواضحة هنا يتعين على المذيع أن يطلب من الضيف تفسير هذه المصطلحات والأساليب أو يتولى هو تفسيرها بالاشتراك مع الضيف، وهنا أيضا يتعين الإشارة إلى مسألة أساسية وهي ضرورة ألا تطغى شخصية المذيع على شخصية ضيف البرنامج، وإنما يكون حريصا على أن يكون الضيف هو النجم، وفي نفس الوقت لا يفقد المذيع وجوده وذاتيته كقائد للحوار وموجه لمساره، فإذا خرج الضيف عن الإجابة المطلوبة وتطرق إلى قضايا لا ترتبط بموضوع الحوار وهدفه – هنا يتدخل المذيع بأدب وكياسة لتوجيه الحوار في الاتجاه المطلوب وفي هذا الإطار أيضا لا ينبغي للمذيع أن ينظر إلى الحوار كمجال للمبارزة مع الضيف، أو أنه تعبير عن الاختلاف بين رأيه ورأي الضيف، وإنما ينبغي القيام بالحوار علـى أنـه أحد الأساليب التي تتبعها الوسيلة لتحقيق مسؤوليتها تجاه الجمهور، ويرتكز في جوهره على الضيف بقيادة المذيع وتوجيهه.
وأخيرا، فإن التفاعل اللفظي مع الضيف هو العمود الفقري للحـوار الناجح، ويقصد بالتفاعل هنا الأخذ والرد بتلقائية، بحيث لا يكون الحوار جافا مثل استجواب في تحقيق قانوني سؤال وجواب، فالواقع أنه إذا كان انتباه المذيع للضيف يمثل التفاعل غير اللفظي، فإن التفاعل اللفظي هو الأشد أهمية لأنه هو الذي يلمسه المستمع، ويتحقق التفاعل اللفظي بأن يقوم المذيع بالتعليق المفيد على بعض ما يقوله الضيف، والتقاط أفكار من أقوال الضيف وتوجيه أسئلة مستمدة من هذه الأفكار وبلورة النقاط والأفكار الهامة.. إلخ، وتحفل اللغة العربية بالعديد من الأساليب والمعاني اللغوية، التي تكون مفيدة إلى حد كبير لمذيع الحوار في تحقيق التفاعل مع الضيف إذا عود المذيع نفسه على استخدامها، وأهم هذه الأساليب هي:
- الاستنتاج: كأن يستنتج المذيع استنتاجا ذكيا مما يقوله الضيف، ويعبر عنه.
- التأكيد: وهو تأكيد المذيع على فكرة معينة وردت في كلام الضيف.
- الاستيضاح والاستفسار: وهو طلب المذيع مـن الضيـف تفسير أو توضيح فكرة معينة أو كلمة أو عبارة وردت في إجاباته.
- التوضيح: وهو أن يقوم المذيع بنفسه بتوضيح فكرة معينة للمستمعين أو المشاهدين.
- العطف بالإضافة والربط بين الأفكار: وهو أن يضيف المذيع شيئا إلى مـا قاله الضيف، سواء كان هذا الشيء من واقع رؤية المذيع للموضوع، أو من واقع ما قاله الضيف، وكذلك ربط المذيع بين أكثر من فكرتين وردتا في إجابات الضيف، أو أن تكون فكرة قد وردت في إجابات الضيف ويربطها المذيع بفكرة أخرى أو بمسألة أخرى من واقع خبرته وعمله.
- الاستدراك: وهو أن يستدرك المذيع فكرة معينة بقصد معرفة رد الضيف، مثال ذلك:
الضيف: عموما الاستثمار في المجال السياحي مفتوح على مصراعيه لرأس المال الخاص، والدولة تشجع هذا الاستثمار.
المذيع: لكن هناك شكاوى كثيرة من البيروقراطية، تعليقك إيه؟ وفي نهاية اللقاء يسأل المذيع الضيف ما إذا كان يرغب في إضافة ما هو هام (إذا كان الموقف الحواري يسمح بذلك، ثم شكره بحرارة واختصار والتذكير باسمه وعمله.
4- الأسئلة Questions:
إن وظيفة الأسئلة في الحوار الإذاعي هي الحصول على المعلومات والآراء وكافة الاستجابات الضرورية لتحقيق الهدف من الحوار تمشيا مع هدف البرنامج وسياسة الوسيلة ومتطلبات الجمهور. غير أن هذه الوظيفة الأساسية للأسئلة في المواقف الحواري لا تنفي أن تكون تلك الأسئلة من مصادر إضفاء اللمحة الفنية وقيمة الجمال على الموقف الحواري ككل، فمضمون السؤال، وأسلوب توجيهه، وكذلك ملاءمته للسياق العام في الحوار، وما يحققه السؤال من تفاعل ظاهر بين المذيع والضيف، كـل هـذه الأمور تتضمن جانبا إبداعيا يجذب انتباه الجمهور وينمي شخصية الوسيلة بدرجة لا تقل عن مضمون الحوار ذاته، ويرتبط الهدف من الحوار بأهداف السياسة الإعلامية للوسيلة بصفة عامة، أما طريقة توجيه الأسئلة فإنها ترتبط بمراعاة المعايير الإذاعية المقبولة في البرامج المقدمة، بما في ذلك نزعة الفن والإبداع التي يجب أن تقوم عليها هذه البرامج لقد حاول عديد من الممارسين والباحثين في مجال الاتصال الجماهيري أن يضعوا بعض الإرشادات الخاصة بأسئلة الحوار، وهي وإن كانت مفيدة دون شك، إلا أنها لا تغني عن ضرورة وجود التذوق الفني والحس الجمالي عند مذيع الحوار.
- أول هذه الإرشادات يتمثل في الدقة وتحديد معنى السؤال، وقد لوحظ أن كثيرا من أسئلة الحوار لا تنال القدر الكافي من العناية بالصياغة والدقة في التعبير عن المطلوب مثال ذلك سؤال نصه: "إيه الانطباع عن الجامعة؟"، لقد وجهت المذيعة هذا السؤال لأحد الطلاب وكان أول ما نطق بـه هـذا الطالب هو: "الانطباع من حيث إيه يعني؟ "، فالسؤال السابق يفتقـد الدقة كما يفتقد التحديد، فهو يفتقد الدقة في أنه لم يعبر عن الشخص المطلوب معرفة انطباعه هل هو الطالب أم الطلاب الآخرون؟ أم الأساتذة؟.. إلخ، وهو يفقد التحديد في أنه لم يحدد الجانب المطلوب معرفة الانطباع عنـه هـل الحياة الجامعية بصفة عامة؟ أم النشاط الاجتماعي والثقافي للأسر الجامعية؟ أم نظام الدراسة.. إلخ.
- ارتباط الأسئلة بموضوع الحوار، بحيث يختص كل سؤال بجانب معين يراد الاستفسار عنه ليصل الحوار في النهاية إلى تناول جوانب الموضوع. لا شك ان وضوح اهداف البرنامج في ذهن المسؤول عنه وكذلك اهداف الوسيلة سيحد منم ذاتية المذيع في الجوانب التي حددها لموضوع الحوار وفي هذا الاطار العام يمكن للمذيعين تناول الموضوع الواحد من زوايا مختلفة.
- ارتباط الأسئلة بصفة اختيار الضيف للتحاور معه، فإذا كان ضيف الحوار مثلا أحد الطلاب المقيمين في المدينة الجامعية لمعرفة رأيه في الخدمات التي تقدمها المدينة للطلاب، فمن الخطأ سؤاله عن خطة الجامعة في العام المقبل للارتفاع بمستوى هذه الخدمات، وإذا كان ضيف الحوار المسؤول عن الهيئة القومية للاتصالات السلكية واللاسلكية بخصوص طول مدة المكالمات، والمكالمات الزائدة، فلا ينبغي سؤاله عن الجانب النفسي بخصوص طول مدة المكالمة من جانب بعض الناس.. وهكذا.
- تجنب الأسئلة المربكة أو المزدوجة أي التي تتضمن أكثر من سؤال في صيغة واحدة مثل ما هي التوسعات الجديدة في مجال الهندسة الإذاعية، وما هو نطاق التغطية الجغرافية بموجب هذه التوسعات، وما تكاليف هذه التوسعات؟ إن وجود هذه الأسئلة يشكل أكثر من أثر هي سلبي على الحوار كالآتي:
- إن الضيف قد يجيب على بعض أجزاء وينسى الإجابة علـى البعض الآخر.
- إن الضيف قد يستطرد أكثر من اللازم في الإجابة على جوانب السؤال، ولا يتطرق إلى الجوانب الأخرى إلا في حدود ضيقة، في الوقت الذي تكون فيه هذه الجوانب ذات أهمية.
- إن هذه الأسئلة تقلل من تفاعل المذيع مع الضيف، وتجعل الحوار أقرب إلى الحديث المباشر.
- تجنب الأسئلة ذات الصياغة الطويلة مثل: ما هي الجهود المبذولة والإجراءات التي تتخذها الوزارة لتشجيع المنتج المحلي، وحماية المستهلكين من جشع بعض التجار بما يكفل توفير السلع واستقرار السوق، بحيث يعيش المواطن في أمان؟
- تجنب الأسئلة عن أشياء تمت معرفتها من خلال المقابلة، كأن يقال في المقدمة: مثلا كان لميكروفون البرنامج هذا اللقاء الأستاذ/ ..مع المحامي أستاذ/ حضرتك بتشتغل إيه؟ فمن خلال تقديم الضيف، يعرف الجمهور محامي، وبالتالي ليس هناك داع لسؤاله عن عمله يلاحظ أن هذا الخطأ يقع في أحيان كثيرة. نفس المنطق إذا كان الأمر يتعلق بشيء يعرفه الجمهور كسؤال أحد الممثلين المشهورين: هل أنت ممثل؟
- بالنسبة للأسئلة المغلقة أي التي يجاب عليها بنعم أو لا فقط، يجب أن يكون استخدامها ليس لمجرد معرفة إجابة الضيف ما إذا كانت "نعم" أو "لا"، إلا إذا كانت ذات دلالة محددة تماما ومن الأفضل أن تستخدم هذه الأسئلة في الحوار إذا كانت الإجابة عليها ستقود الحوار في اتجاه معين. مثال: هل هناك خطة متطورة لتدريب المذيعين في العام المقبل؟ الضيف: نعم. المذيع: ما هو الجديد الذي تتضمنه هذه الخطة؟ أما إذا أجاب الضيف بالنفي، فمن الممكن أن يسأله المذيع عن أسباب ذلك وهكذا.
- تجنب الأسئلة الافتراضية، أي تلك الأسئلة التي تفترض أمـرا أو سلوكا معينا لدى الضيف، مثال ذلك سؤال وجهه المذيع لأحد الضيوف عن رأيه في برنامج إذاعي، فأجاب الضيف بأنه لا يعرف برنامجـا بـهذا الاسم المذيع هنا سأل سؤالا افتراضيا خاطئا، لقد افترض أن الضيـف يسمع البرنامج.
- تجنب الأسئلة الإيحائية، أي التي توحي للضيف بإجابة معينة، مثال ذلك أن تسأل المذيعة أحد طلاب الثانوية العامة: إيه رأيك في امتحان اللغة الفرنسية؟ بيقولوا إنه مش صعب زي ما أشيع، مش كدة؟ هذا السؤال إيحائي لأنه أوحى للضيف بأن تكون إجابته تؤكد أن امتحان اللغة الفرنسية ليس صعبا في الوقت الذي يحتمل فيه، أن يكون رأيه غير ذلك تماما.
- عدم تكرار نفس المعنى لصيغة الاستفهام في السؤال الواحد، مثال: سيادة الوزير: ما أسباب الإجراء الذي اتخذته الحكومة ضد تجار العملة؟ ولماذا اتخذت الحكومة هذا الإجراء؟
- تجنب إعادة الأسئلة التي سبق للضيف أن أجاب عليها، ففي بعض الأحيان يوجه المذيع سؤالا للضيف، ويقوم الضيف بالإجابة عليه، ثم يعود المذيع يسأل الضيف نفس السؤال ناسيا أنه سبقت الإجابة عليه، وهذا بالطبع نتيجة عدم إنصات المذيع، وعدم يقظته أثنـاء الحـوار. ومـن جهة ثانية، فإن معلومة معينة قد يذكرها الضيف في سياق إجابته على الأسئلة، أو حتى عندما يقدم نفسه في بداية الحوار تجعل السؤال في غير محله، مثل:
المذيع: نلتقي الآن أحد الطلاب المسؤولين عن نشاط الأسر بكلية مع الإعلام، نتعرف بيك؟
الضيف: محمد حسين رابعة صحافة، وعضو أسرة الأمل.
المذيع: الأخ محمد، انت في قسم إيه؟
بالطبع، فإن سؤال المذيع عن القسم الذي يدرس فيه الطالب، سؤال ساذج وفي غير محله، لأن الطالب قد أفاد بالفعل بأنه في قسم الصحافة.
مثل هذه الأمور البسيطة يتعين أن يعيها مذيع الحوار، وعلى الرغم من أنها بديهية ومعروفة إلا أنها كثيرا ما تكون مجال أخطاء لبعض المذيعين.
5- الأجهزة والاستعدادات: Equipment:
سواء كان الحوار يتم في الاستديو أو خارجه، فإن المذيع يجب أن يتأكد من أن الأجهزة والمعدات التي يستخدمها في الحوار تعمل بكفاءة، ولا شك أن الطاقم الهندسي المسؤول عن الاستديو يقوم بدور أساسي في هذا الخصوص، ولكن عندما يتم تسجيل الحوار خارج الاستديو، في المصنع، في المستشفى في المدرسة في الجامعة في الشارع.. إلخ. فإن المسؤولية تقع على عاتق فريق العمل التليفزيوني إذا كان الحوار سيقدم في التليفزيون، بينما تقع هذه المسؤولية كاملة على المذيع إذا كان الحوار سيقدم في الراديو، وسوف نشير إلى طبيعة الحوار التليفزيوني فيما بعد، أما فيما يخص الراديو، فإن مقدم الحوار تقع عليه المسؤولية كاملة عن كفاءة عمل الأجهزة بحيث يتـم التسجيل بمستوى فني جيد والأجهزة والمعدات التي يستخدمها المذيع في تسجيل الحوار خارج الاستديو تتمثل عادة في جهاز التسجيل وملحقاته: شريط التسجيل الميكروفون، البطاريات الوصلات الكهربائية، ومسؤولية المذيع هنا التأكد من سلامة وكفاءة جهاز التسجيل بملحقاته، بحيث تعمل على النحو المطلوب.
من جهة ثانية، فإن استخدام المعدات أمر ذو دلالة في الموقف الحواري من ذلك مثلا يجب أن تكون المسافة مناسبة بين الضيف وجهاز التسجيل في حالة التسجيل بدون ميكروفون، وكذلك بين الضيف والميكروفون في حالة استخدام الميكروفون والمسافة المناسبة تعني، أن الميكروفون أو جهاز التسجيل لا يكون قريبا جدا من فم الضيف بحيث يضايقه، ويضطر إلى إبعاده بيده، كما يحدث في بعض الأحيان، ولا تكون المسافة بعيدة بحيث لا يلتقط الميكروفون صوت الضيف بالوضوح الكافي، أو أن يضطر الضيف إلى بذل جهد، كأن ينحني قليلا إلى الأمام، كما أن المسافة المناسبة تعني وضع جهاز التسجيل أو الميكروفون في المكان المناسب بحيث يكون هناك توازن أو تقارب بين صوت المذيع وصوت الضيف، فقد يلاحظ المذيع أن صوت الضيـف مـن الارتفاع أو الانخفاض الطبيعي بدرجة تستدعي إبعاد أو تقريب الجهاز أو الميكروفون حتى يتناسب مستوى صوت المذيع مع مستوى صوت الضيف.
ومن جهة ثالثة، فإن الطريقة التي يمسك بها المذيع الميكروفون يجب ان بالجدية والاحترام للمهنة، بالإضافة إلى ذلك يتعين الحذر عند توحي تحريك الميكروفون (إذا لزم الأمر) بحيث لا يحدث تحريكه مثل هذه الشوشرة التي كثيرا ما نلمسها في برامج الحوار وعند التسجيل خارج الاستديو مع أحد الضيوف، يلاحظ أحيانا أن القائم بالحوار يترك وصلة الميكروفون بالجهاز ممتدة، فترتطم بعض أجزائها بالميكروفون محدثة شوشرة بالتسجيل وتكون معوقة له، لذا يستلزم الأمر لف هذه الوصلة واستخدام الجزء المناسب منها فقط.
من الأخطاء الشائعة أيضا في برامج الحوار أن المذيع لا يتأكد من أن التسجيل قد تم بالفعل وكثيرا ما يحدث أن تكون البطاريات قد نفدت، أو أن الوصلة الكهربائية اختل تثبيتها، أو أن الميكروفون كان مغلقا،.. إلخ، مثل هذه الأمور تفصح عن شيء واحد هو التقصير في المسؤولية من جانب القائم بالحوار، وقد يحدث، أن يجري المذيع حوارا مطولا وهاما مع احد الضيوف، ثم يكتشف أن التسجيل لم يتم بسبب خلل ما بالإضافة إلى ذلك، هناك أخطاء أخرى يقع فيها بعض مذيعي الحوار مثل ترك جهاز التسجيل اثناء عدم استخدامه، ويكون ذلك في مكان يمكن أن يفقد فيه الجهاز، أو يتم نسيانه وأيضا الإهمال في الاحتفاظ بالبطاريات القابلة للشحن Rechargable. إن الوعي بمثل هذه الأمور يجنب الإذاعي عديدا من المشكلات التي هو في غنى عنها، ويمكن في الوقت نفسه تلافيها بسهولة، وهناك أيضا ظروف معينة تؤثر في استخدام الأجهزة والمعدات على سبيل المثال يكون من الأفضل استخدام الميكروفون الحاجز للهواء عندما يتم التسجيل خارج الاستديو، وأخيرا، يفضل أن يكون لدى مذيع الحوار معدات احتياطية مثل البطاريات والوصلات والميكروفونات حتى يمكن استخدامها إذا لزم الأمر.
6- الزمن Time:
فلكل برنامج إذاعي إطار زمني يتحدد على خريطة الإرسال، من حيث مدة الحلقة، وتوقيت تقديمها (فترة الضحى فترة الظهيرة، فترة المساء والسهرة، أو أي مسمى آخر). علاوة على ذلك، فإن عملية التسجيل نفسها تتم في إطار زمني معين وهناك بعض المشكلات التي تواجه مذيع الحوار في هذا الخصوص مما يؤدي إلى نوع من الخلخلة وأحيانا تشويه البرنامج، أهـم هذه المشكلات تتمثل في إطالة الضيف في الإجابة على بعض النقاط، أو الخروج عن الموضوع، أو تكرار الأفكار أو البطء في الحديث وكثرة فترات الصمت.. إلخ. ينظر مذيع الحوار إلى هذه الأمور في بعض الأحيان على أنها غير ذات أهمية اعتمادا على عملية المونتاج مما يؤصل فيه عادة عدم الاكتراث بمسألة الوقت.
صحيح أن عملية المونتاج كثيرا ما تكون من مستلزمات الإنتاج الإذاعي الجيد، بل إنها أضافت نقلة عظيمة لهذا الفن، ولها تكنولوجياتها الخاصة وأساليبها المتعددة ولكن يجب استخدامها عند الضرورة فقط، مع عدم الركون إليها في كل الأحوال، ويجب أن نميز هنا بين حالتين: الأولى، عندما يكون الحوار برنامجا مستقلا في ذاته، والثانية، عندما يكون الحوار جزءا من برنامج آخر، وبصفة عامة، فإن المحاور الناجح هو الذي يكون فيـه الحـوار المسجل يستغرق نفس المدة التي سيذاع فيها هذا الحوار دون الحاجة إلى عملية مونتاج (حيث إن هذه العملية تؤدي أحيانا إلى تشويه الحوار سواء مـن حيث الفكرة أو من حيث مستوى الجودة الفنية) ويبدو هذا المطلب (مدة الحوار المسجل هي ذات مدة الحوار الذي سيذاع) من المستلزمات الهامة إذا كان الحوار برنامجا مستقلا، خاصة إذا كانت مدته قصيرة (من 5 إلى 10 دقائق). أما إذا كانت مدة الحوار على خريطة الإرسال طويلة نسبيا، أو أنه سيستخدم كجزء أو لقطة صوتية في برنامج آخر فإن عملية المونتاج قد تكون من العوامل الضرورية، ولكن - مرة أخرى - يجب ألا تكون هذه العملية مبررا لإضاعة الوقت وتطويل مدة المادة المسجلة.
يتصل بعامل الوقت ما يلجأ إليه بعض الإذاعيين، من القيام بتسجيل عدد كبير من برامج الحوار في يوم واحد بحيث تكون معدة للإذاعة خلال الفترة القادمة، وقد يصل الأمر إلى تسجيل أكثر من عشر حلقات، فيأتي ذلك على حساب مستوى البرنامج، وينظر بعض الإذاعيين إلى هذه المسألة على أنها مصدر راحة لهم، ويهملون ما يقتضيه الحوار من إعداد مسبق جيد، وهذا بالطبع يقلل من مستوى جودة الحوار أو أنه يعكس العمل بمنطق "اللاهدف"، وأن المسألة مجرد ملء وقت الإرسال.
هناك أيضا مسألة تحديد مواعيد المقابلة مع ضيوف الحوار خاصة إذا كان هؤلاء الضيوف من الشخصيات العامة، أو إذا كان الحوار سيتم تسجيله في مؤسسة أو جهة معينة بموجب تصريح رسمي وما شابه ذلك من إجراءات. هنا يجب الالتزام القاطع بالموعد، ومن الأفضل أن يصل المذيع قبل الموعد ولو بفترة قصيرة فقد يفيد ذلك في الحصول على معلومات وأفكار هامة. ومن المشكلات التقليدية التي تواجه مذيع الحوار، أن بعض الضيوف لا يلتزمون بالمواعيد، بل وقد يطلب البعض تأجيل الموعد أكثر من مرة، مثل هذه الأمور المعتادة الا تكون مصدر مضايقة لأنها تحدث كثيرا، وبالتالي يجب التعامل من منطلق التسليم بالأمر الواقع بشرط أن يكون لدى الإذاعي الحلول والبدائل التي تضمن تقديم الحوار في موعده.
7- المكان Site:
يتم الموقف الحواري، إما داخل الاستديو، أو خارجه في المنزل، في المكتب، في المصنع، في المستشفى،.. إلخ، وفي كل الحالات يجب أن يتأكد المذيع من صلاحية المكان للتسجيل بحيث تكون الجودة الفنية للحوار في المستوى المطلوب. على سبيل المثال أثناء التسجيل بالاستديو قد يغفل المذيع أهمية إغلاق الباب بإحكام، ويترتب على ذلك إبطال مفعول العزل الصوتي، حيث تدخل أصوات خارجية وتظهر في التسجيل. أما التسجيل خـارج الاستديو، فإنه كثيرا ما يكون مصدر مشكلة، لأن المذيع لا يبذل جهدا في اختيار المكان الخالي من الشوشرة، وقد يخجل أن يطلب منا لضيف توفير الهدوء في المكان حتى لا يشوه التسجيل، وكثيرا ما نلاحظ في الحوارات المذاعة، أصوات غير ذات دلالة للموضوع مثل فتح وإغلاق باب المكتب، أو أحاديث الموظفين وحركاتهم.. إلخ. الأمر يختلف بطبيعة الحال عندما تكون ظروف المكان تقتضي أن يبرز الحوار المسجل عناصر الحركة فيه كمؤثرات صوتية طبيعية، كأصوات الآلات في المصانع، أو صوت الرياح وهطول الأمطار ونحن بصدد إجراء حوار عن سؤال الأحوال الجوية، مثلا، أي أن هناك بعض الحالات التي يكون فيها من الضروري ظهور خلفية المكان في التسجيل، مع ضرورة ألا تطغى هذه الخلفية على كلام الضيف أو على أسئلة مذيع الحوار، وتأتي أهمية الخلفية هنا من أنها تضع المستمع في الجـو العـام للموضوع، خاصة إذا صاحبها وصف مبدع.
8- اللغة Language:
إن لغة الحوار تحكمها القواعد الخاصة باللغة الإذاعية بوجه عام، من حيث البساطة والوضوح والدقة والشخصية اللغوية للإذاعة. في الوقت نفسه هناك جوانب لغوية خاصة بالمستوى اللغوي للحوار الإذاعي أهم هذه الجوانب يستخدم المذيع تلك اللغة التي تناسب الموقف الحواري ككل، بما ينقل هذا الموقف بتفاصيله وخلفياته إلى الجمهور المستهدف، فالمستوى اللغوي المستخدم في حوار مع أحد رجال الدين يختلف عن هذا المستوى المستخدم في حوار مع سائق التاكسي، والحوار مع أحد العلماء المتخصصين في علوم الذرة يختلف في مستواه اللغوي عن الحوار مع أحد الفلاحين في المزرعة، معنى ذلك أن لغة الأسئلة والتعليقات التي يستخدمها المذيع أثناء إجراء الحوار لابد أن تتماشى مع ضيف الحوار ونظرا لأن موضوع الحوار لا ينفصل عـن الضيـف لأنه من المفترض أنه تم اختيار الضيف المناسب، يصبح الموضوع أيضًا من محددات المستوى اللغوي للحوار، فالحوار مع أحد عمال النظافـة حـول القمامة يختلف في مستواه اللغوي مع أحد الخبراء حول إجراءات جمع المعالجة الكيميائية للقمامة بحيث تتحول إلى سماد عضوي أو نحوه.
العنصر الآخر في محددات المستوى اللغوي للحوار هو الجمهور، بمعنى أن خصائص الجمهور، وعلى الأخص المستوى التعليمي والمهني، تؤثر في مستوى لغة الحوار، بحيث إذا كان الحوار يستهدف جمهور النخبة (المثقفين)، فإن اللغة التي يستخدمها مذيع الحوار ستختلف دون شك عـن اللغة التي يستخدمها نفس المذيع عندما يستهدف الحوار جمهور العمال في الصناعة، أو الفلاحين مثلا وإن كان في كل الأحوال يجب أن تكون لغة الحوار مفهومة وبعيدة عن الابتذال.
أم العنصر الأهم في تحديد المستوى اللغوي للحوار فهو السياق الحواري نفسه، أو الموقف الاجتماعي الذي يتم فيه الحوار أهمية هذا العنصر تأتي من كونه يجسد الجو العام للموقف بحيث ينتقل إلى الجمهور بصدق. فإذا أجرينا حوارا إذاعيا مع أحد علماء الطبيعة في معمل يغلفه الهدوء والنظافة والنظام، مع فإن هذا الجو ينعكس على لغة الحوار بما يجعلها مختلفة عن لغة حوار آخر أجري نفس العالم في مؤتمر علمي موسع يشهد اجتماعات مكثفة مع ومناقشات صاخبة، وإذا أجرينا حوارًا مع المصطافين على الشاطئ نهارًا، فإن مستواه اللغوي يختلف عن المستوى اللغوي لحوار أجريناه تليفونيا مع احد هؤلاء المصطافين عندما يكون ساهرا الليل في مكتبه بين الأوراق والكتب إلخ، ربما تكون هذه الأسئلة والأفكار مفيدة بعض الشيء في تفهم ضرورة أن يكون المستوى اللغوي متناسبًا مع الحوار بمحدداته المختلفة.
9- الوسيلة Medium:
هل تنعكس خصائص الوسيلة على المضمون الذي يقدم من خلالها؟ سؤال يجب أن يكون مطروحا على ساحة أساليب الممارسة بوسائل الاتصال الجماهيري المختلفة. إن الحوار الذي يقدم في "الراديو" تختلف ظروف التعرض له عن ظروف التعرض للحديث الصحفي الذي ينشر في الجريدة أو في المجلة، وكذلك بالنسبة للحوار الذي يقدم في التليفزيون، ففي حالة الراديو لا يمتلك المستمع أن يتعرض للحوار متى شاء، عكس مـا هـو عليـه الحال في الصحيفة أو المجلة. كما أن مستمع الراديو لا يرى الموقف الحواري " كما الحال في التليفزيون" والتعرض لوسائل الاتصال بصفة عامة، لا يعني الانتباه للمضمون الذي يقدم، فقد يشاهد الفرد التليفزيون عينه على الصورة وذهنه مشغول بشيء آخر، وقد يتصفح الجريدة وهو يفكر في أمور أخرى. هذه الخاصية تتيحها بصورة أكبر خصائص الراديو كوسيلة اتصال، حيث يمكن للفرد أن يتعرض للراديو وهو يمارس العمل (الانشغال الفعلي) في حين لا يمكنه ذلك أثناء مشاهدة التليفزيون أو قراءة الصحيفة. معنى ذلك أن علاقة مذيع الحوار بالوسيلة هي علاقة ذو حدين فهو يعمل في وسيلة تمكنه من الوصول إلى جمهور عريض متعلم وأمي غني وفقير.. إلخ، لكنه في نفس الوقت جمهور تتنافس عليه وسائل اتصال أخرى، كما أنه جمهور في عجلة من أمره تطحنه الحياة وأثقالها، كل هذا يفضي إلى ضرورة العناية الشديدة بالبرامج الإذاعية شكلا ومضمونا وإخراجا وأداء بحيث تجذب انتباه الجمهور وتثير اهتمامه، فبدون وجود الخدمة الإذاعية المتميزة يصبح القائم بالاتصال في الإذاعة كمن يتحدث إلى نفسه. إن البرامج الإذاعية الناجحة هي التي استفادت من خصائص الإذاعة كوسيلة اتصال وجعلت منها أداة قادرة على الصمود والمنافسة.
10- الجمهور Audience:
في الموقف الحواري يكون الجمهور المستهدف جزءا لا يتجزأ من هذا الموقف فالحوار يستهدف الجمهور، ومن أجله كان الحوار وكافة برامج الإذاعة وممارساتها الإعلامية المختلفة، والمذيع ينفذ دور الإذاعة حيال الجمهور، ويمثل ما ينتظره الجمهور من الإذاعة كمؤسسة في النظام الاجتماعي وأداة المذيع في ذلك هي الرسالة. وإذا كان المذيع يعمل في إطار دوره المهني الذي هو جزء من شخصيته، فإن منطلقه الأول في ذلك هو "الجمهور" الذي حددت الإذاعة مسؤوليتها تجاهه بموجب سياسة إعلامية معينة. من هنا، فإن مذيع الحوار يجب أن يضع نفسه مكان المستمع، بمعنى أن يسأل نفسه السؤال الآتي: لو أنني كنت واحدا من المستمعين، فما الذي أريد أو أنتظر معرفته من هذا الحوار؟ ما هو المضمون الأكثر أهمية؟ وما هي الأساليب الأكثر جذبا؟ وما الذي يجعلني أكثر تصديقا واقتناعا بالموقف الحواري ككل؟ فإذا وضع المذيع نفسه مكان المستمع العادي وهو بصدد الإجابة على مثل تلك التساؤلات فإنه ينتج هذا الحوار الجيد إن الإرادة الحرة والشخصية المستقلة لمذيع الحوار والقائم بالاتصال عموما وإحساسه بمسؤولية الإذاعة ومعرفته الكافية بالجمهور، كل ذلك يمكنه من أن يتقمص شخصية الجمهور ويوجه الرسالة الفعالة، وفي الوقت نفسه يحافظ على مكانته كقائم بالاتصال يحظى بالثقة والاحترام والمصداقية في النظام الاجتماعي بما في ذلك الوسيلة التي يعمل بها.
بعد هذا العرض الموجز لأهم مواصفات مذيع الحوار، سواء بصفته المهنية الذاتية، أو بصفته محددا لفعاليات عناصر الموقف الحواري يثار تساؤل هام هل كل المقابلات تتم في ظروف تسمح للقائم بالاتصال أن يعد لموضوع الحوار ويحصل على المعلومات الكافية عنه، ويحدد الضيف بتريث وغير ذلك من الخطوات التي يوضح الشرح السابق أنها تتطلب وقتا ونوعا من التأني؟
بالقطع ليست كل المقابلات تتم في ظروف بهذا الشكل، فالواقع أن القائم بالاتصال في الإذاعة كثيرا ما يجد فرصا ذهبية بحيث يتعين عليه إجراء الحوار، وهذا يسمى الحوار في الموقع On sport interview، أي الحوار الذي يتم بسرعة وبدون ترتيب أو إعداد مسبق، وهنا يظهر مدى الكفاءة المهنية لمذيع الحوار، بحيث يتعامل مع كل عناصر الموقف الحواري بأقصى كفاءة ممكنة، ولعل ذلك يتوقف على خصائص مذيع الحوار السابق الإشارة إليها، والتي تدور حول عناصر أساسية هي، المرونة وتتضمن أن يكون المذيع قادرا على إجراء الحوار في كل وقت وفي أي مكان أيا كان موضوعه، ومع كل الشخصيات. هذا بالإضافة إلى الصفات الأخرى مثل القدرة على الإنصات الجيد والفضول وحب الاستطلاع، والإصرار والمثابرة، والقدرة على ضبط الاعصاب مع إمكانية البروز والتألق وإظهار الحفاوة بالضيف.