البيئة الرعوية في وسط آسيا
المؤلف:
د. يسرى الجوهري
المصدر:
المضمون البشري في الجغرافيا
الجزء والصفحة:
ص 190 ـ 193
2026-08-09
22
إذا اعتبرنا حرفة الجمع أول حرفة ابتدأ بها الإنسان القديم أو المرحلة الأولى من مراحل تقدمه فأنه يليها في الترتيب حرفة الصيد التي يعمل فيها الإنسان جاهدا ليحتال ويتغلب على الحيوان الذي يريد صيده واستخدام عقله في ابتداع أدوات يستطيع بها صيد الحيوان وقد أوجدت هذه الحرفة نوعان من التعاون بين الصيادين للاشتراك في صيد الفريسة واقتسامها.
ويمكننا أن نعتبر مرحلة الرعى المرحلة الثالثة في تطور حرف الانسان وفي هذه المرحلة جميعها يتضح تأثير البيئة التي امات على السكان القيام بحرفة معينة وتؤثر البيئة في نواحي متعددة فيما يختص بالإنسان نجملها فيما يلي:
1ـ الصفات الجنسية وأن يكون أثر البيئة فيها قديم واهم عنصر يؤثر في هذه الناحية المناخ وهو ما يعبر عنه باسم الإقليمية ومن بين أهم المميزات الجسمية التي تظهر آثار فيها البيئة القامة ولو أن بعض علماء الانثروبولوجي يعتقدون أنها صفة ثابته لا تتغير نتيجة البيئة إلا قليلا ودليلهم على ذلك أن الجماعات النوردية طويلة القامة في شمال أوروبا يجاورها جماعات قصيرة القامة مثل اللاب والسامويد ولكن يمكن أن نرجع قصر القامة إلى عامل البيئة القاسية التي تحتاج إلى جهد متواصل لجمع القوت أو إلى البرودة شديدة ويظهر أثر البيئة أيضاً في لون البشرة إذ أن لون البشرة السائد في الأقاليم المدارية المطيرة هو البنى القائم إلى الأسود الفاتح بينما تسود اللون الأبيض المشرب بالحمرة في العروض المدارية ويرى البعض أن هذا الرأى مردود عليه بأن الاقاليم المدارية المطيرة تضم عناصر فاتحة اللون كالعناصر الهندية الحمراء من الاراواك في حوض الامزون ، كما أن سكان تسمانيا القدماء ذوي البشرة السمراء القائمة وقد انقرضوا أخيرا من سكان الأقاليم المعتدلة.
2ـ ويظهر أثر البيئة أيضاً في الناحيتين الروحية والعقلية في المعتقدات والأساطير والتقاليد فقدماء المصريون قدسوا النيل وسكان الانديز عبدوا الشمس لأنها قليلاً ما تظهر عندهم والهنود الحمر قدسوا الامطار واعتبروها رسول خير وبركة وكانت الجنة عندهم هي أرض الصيد السعيد.
3ـ وتؤثر البيئة في النواحي الاقتصادية والاجتماعية فهي التي تحدد حرفة الانسان وهو أما أن يحترف الصيد أو الرعي أو الزراعة أو الصناعة أو التجارة هذا مع عدم اغفال اثر الانسان فى الحرف الراقية فالجهات الاستوائية التي تتوفر بها الثمار والجذور نسبياً ساعدت على حرفة الجمع والجهات التي تكثر فيها الحيوانات ساعدت على حرفة الصيد والحيوانات التي وجدت في بيئة الحشائش ساعدت على قيام حرفة الرعي ويحدد الموقع الجغرافي أيضا الدول البحرية التي تشتغل بالصيد البحري أو بالتجارة إذ يشتغل سكان السواحل بحرفة صيد الاسماك علاوة على الملاحة وتقوم الصناعة في الجهات التي تتوفر فيها مقوماتها كالمواد الخام و موارد القوة والوقود والمعادن اللازمة للتطور الصناعى الحديث وتؤثر البيئة في عدد السكان أيضاً فهناك بيلات تساعد على تضخم عدد السكان واخرى طاردة وهي الجهات الفقيرة في مواردها ولهذا فهي قليلة السكان وتؤثر الخواص الطبيعية كالبحار والمحيطات والمستنقعات وسلاسل الجبال والصحراوات على انتشار السكان من جهة لأخرى وليس معنى ذلك أنها كانت مانعة تماما للهجرات بل أنها عينت الطريق وحددته ويتضح هذا من هجرات وغزوات الرعاة . وتحدد البيئة أيضا علاقة الفرد بمجتمعه وهي التي تقرر النظم الاجتماعية ووحدة المجتمع كالأسرة أو العشيرة أو القبيلة.
وفي حرفة الرعي وهي حرفة انتاجية متقدمة نوعا يحاول الانسان أن يثبت وجوده ويستغل الارض ويستأنس الحيوان ولا يقتله بل يعمل على تكاثره على عكس الحال في حرفة الجمع أو الصيد حيث نجد الفرد فيها مستهتر مدمر فقط ويقصد بعملية الانتاج في حرفة الرعي اختيار الإنسان للرعى الصالح والمحافظة على الحيوانات التي يملكها ومحاولة تغذيتها عن طريق إنتاج الارض ويستفيد هو بما ننتجه هذه الحيوانات فالاستفادة من الارض هنا عن طريق غير مباشر .
وتسود هذه الحرفة في مناطق الحشائش والأعشاب التي توجد في الاقاليم المناخية المختلفة فهى توجد في اقليم التندرا والاستبس بنوعيه الغني والفقير والبراري في امريكا الشمالية وفى إقليم البامبا في امريكا الجنوبية وفى اقليم الفلد بجنوب افريقيا وفي اقليم الدونز في جنوب وسط استراليا كما توجد أيضا في الأقاليم المدارية حيث يسود نطاق السافانا الممطر صيفا ويطلق عليها اسماء إقليمية مختلفة فهي السفانا السودانية في افريقية وسفانا المرتفعات في هضبة البحيرات والهضاب الشرقية في افريقيا تنزانيا وزامبيا وكينيا وأوغندا وروديسيا وتسمى باسم اليانوس ، في حوض الاورينوكو والكامبوس في هضبة البرازيل الداخلية وتوجد منها بضع مساحات متفرقة في جنوب شرق آسيا وفى الهند على وجه الخصوص وفى شمال استراليا إلى الجنوب من نطاق الغابات الموسمية كما توجد بعض المناطق العشبية في الاقاليم شبه الصحراوية على حافتي اقليمي البحر المتوسط والسافانا وهناك نوع آخر من المراعي الالبية التي يقصد بها المراعي فوق الجبال فوق نطاق الاشجار وتزدهر حشائشها بعد ذوبان الثلوج في الربيع والصيف كما هو الحال في سويسرا وإيطاليا وفرنسا ونضيف إليها المروج في غرب أوربا وفى شمال شرق آسيا وهى مروج غنية تكون غطاء نباتيا متماسكا من الحشائش وتكثر فيها المستنقعات وترباتها من اللبد النباتي .
أما فيما يتعلق بحيوانات الرعى فنجدها تختلف بحسب اختلاف نوع الحشائش وكثافتها ففي نطاق التندرا نجد حيوان الرنة وفى الاستبس والسهوب نجد الخيول إلى جانب الابقار فى الجهات الوفيرة وعلى سفوح الجبال والاغنام في مناطق الاستبس بنوعيها الغني والفقير وفي اقليمي البراري على سفوح الجبال وفي الاجزاء الحافة نوعا من اقليم البامبا كما يسود الجمال ذات السنامين على حواف منطقة الاستبس الآسيوي .
أما البيئة الصحراوية التي تقل فيها النباتات فتتميز بوجود حيوان يتحمل الجوع والعطش فترة طويلة وهو الجمل ويسود النوع ذو السنامين في صحاري وسط آسيا وتعيش إلى جانبه فى المراعى الصحراوية الفقيرة بعض الاغنام .
ويعيش حيوان الألباكا على الهضبات المرتفعة في آسيا وبخاصة فوق هضبة التبت كما نجد الياما والالباكا على مرتفعات الانديز .
أما في اقاليم السفانا فنجد انواعا مختلفة من الماشية وخاصة الابقار المعروفة بالترييوه وينتشر الجاموس فى مناطق محدودة في الجهات المدارية الكثيرة المياه فهو يوجد في جنوب الصين والأحواض النهرية في شبه جزيرة الصين الهندية وفي العراق وفى الجمهورية العربية المتحدة ولكن نلاحظ أنه يعتمد هنا على الإنتاج الزراعي ولا يعتمد اعتماداً كبيراً على الحشائش الطبيعية .
وفي نطاق المروج المزهرة في غرب أوربا وعلى المراعي الالبية تسود الأبقار وخاصة الأنواع المنتجة للألبان كالفريزيان والهولشتين والبرون سويس والجرس والجيرنس وفي اقليم البراري في امريكا الشمالية تجد الابقار تجاورها الأغنام في الجهات الأجف ونوعا كما تربى قطعان بعض الخيول .
أما في إقليم البامبا في أمريكا الجنوبية في الارجنتين وأورجواى على وجه الخصوص فيسود رعى الابقار المنتجة للحوم والأغنام المنتجة للحوم والأصواف وفي استراليا تسود تربية الابقار في نطاق السفانا وتربية الأغنام المنتجة للأصواف في حوض مری دارلنج وجنوب وسط آسيا وفي نيوزيلندا تربى الأبقار والاغنام المنتجة للضأن والألبان ومنتجاتها.
وتؤثر حرفة الرعي في النواحى الفكرية والاجتماعية للأنسان فيها ويعمل الإنسان فكرة يهتدى إلى طرق الاحتفاظ بحيواناته وسقايتها والاستفادة من منتجاتها مما ادى إلى قيام بعض الحرف البسيطة كحفظ الالبان ومنتجاتها وغزل الاصواف ونسجها والصناعات الجلدية أما من الناحية الاجتماعية ففيها بدأ النظام القبلي والابوي في الظهور وظهرت القبيلة والفخد والبطن وتتميز حرفة الرعى بالترحال والتجول والتنقل وملكية المرعى بين أفراد القبيلة ولكن قد تتنازع القبائل فيما بينها على المرعى .
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في جغرافية الحيوان
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة