ارتكزت النهضة اليابانية الحديثة على قاعدة اقتصادية وفَّرت للنظام الجديد الموارد اللازمة لبناء قوته العسكرية، ونظامه التعليمي، ومؤسَّسات الدولة الحديثة، وكان جانبٌ من تلك القاعدة الاقتصادية موروثًا عن عصر طوكوجاوا، ولكن ما أُدخِل عليه من إصلاحات جعله يندمج في البناء الاقتصادي الحديث ويدعم الاقتصاد الوطني.
وكان في مقدمة الإصلاحات التي أدخلتها حكومة مايجي إقرار حق الملكية الفردية للأرض الزراعية، وتخليصه من القيود الموروثة من الماضي.
وكان صدور قرار إلغاء الإقطاع (أغسطس 1871م) أول خطوة في هذا السبيل؛ فقد تحرَّر الفلاحون مِن الإقطاع، وأصبحوا يتمتعون — من الناحية النظرية — بالحقوق الكاملة على حيازتهم الزراعية، وإن لم يصدر نصٌّ قانوني صرَّح بذلك، وفي سبتمبر من نفس العام، صدر قرار إطلاق يد الفلاح في اختيار المحصول الذي يزرعه، وأصبح باستطاعة الفلاح الصغير أن يستدين بضمان الأرض، ولما كانت ظروفه المادية لا تمكنه — غالبًا — من سداد الدين، فإن أرضه كانت تتعرَّض للمصادرة وفاءً للديون، وبذلك تراكمت حقوق الملكية في أيدي أثرياء الفلاحين من المرابين، وتحول صغار الفلاحين إلى مجرَّد مستأجرين للأرض، ووضع نظام جديد لضرائب الأطيان ساعد على تدهور أوضاع صغار الفلاحين لصالح كبارهم.
لقد كانت عجلات التاريخ تتحرك بالفعل في الاتجاه نحو دعم الملكية الفردية للأرض الزراعية والعمل على تركزها في أيدٍ محدودة، وفي كل بلد من البلاد التي شهدت مثل هذه الحركة، كان الفلاح البسيط — سواء كان حائزًا للأرض أو مالكًا صغيرًا أو مستأجرًا — هو الضحية التي تتمزق أشلاء تحت تلك العجلات، هكذا كان مصير الفلاح الياباني في مجتمع بدأ يتحرك صوب الرأسمالية.

احتفال مهرجان زراعة الأرز باليابان.
وفَقَد صِغارُ الفلاحين أملاكهم لعجزهم عن سداد الضرائب الحكومية التي تراكمت عليهم، وعجزهم عن سداد الديون التي حصلوا عليها بضمان الأرض، وشهد عقد الثمانينيات من القرن التاسع عشر ذروة انتقال الملكيات الزراعية من صغار الملاك إلى كبارهم، وترتَّب على ذلك تطوُّر اجتماعي سريع الإيقاع شهده الريف الياباني خلال ذلك العقد من الزمان، فقد أدَّى ذلك إلى وجود فائض كبير في العمالة اتجه نحو الصناعة المنزلية أو نزح إلى المدن التماسًا للرزق في الأعمال التي لا تتطلب مهارة خاصة.
وكان وجود هذا الفائض في العمالة الريفية مُشجعًا لبعض أصحاب المشروعات الصناعية الصغيرة على الاتجاه بمشروعاتهم نحو الريف لتنشيط الصناعات المنزلية، والاستفادة من وفرة ورخص الأيدي العاملة، وبذلك ساعد الإصلاح الزراعي — الذي أدخلته حكومة مايجي — على خلق سوق العمل التي تُعَد شرطًا من الشروط الأساسية للتطور الرأسمالي، فارتبط نشوء سوق العمل بذلك الفائض الكبير في الأيدي العاملة من الفلاحين المُعدَمين، ومن مُلاك المساحات الضئيلة من الأطيان ولكن امتصاص الصناعة الحديثة لتلك الأيدي العاملة كان بطيئًا نتيجة تطوُّرها الوئيد، فظل هذا الفائض في العمالة راكدًا في الريف، مما أدى إلى هبوط مستوى المعيشة والأجور معًا، وفي أواخر عصر مايجي، أخذ فائض العمالة الريفية يزحف — تدريجيًّا — على الصناعة الحديثة، وانخفضت نسبة العاملين بالزراعة من نحو 80٪ من السكان عند بداية عصر مايجي إلى 58٪ من السكان عام 1913م.
ولمَّا كانت الدولة تستمد معظم مواردها المالية من ضرائب الأطيان، فقد أولت الزراعةَ اهتمامًا خاصًّا، في نفس الوقت الذي كانت تعمل فيه على إقامة صناعة حديثة على النمط الغربي، فبذلت الدولة جهودًا كبيرة لتطوير الزراعة واستصلاح الأراضي، وكان الاتجاه العام للسياسة الزراعية لحكومة مايجي يستهدف في زيادة الإنتاج القومي من الزراعة — وخاصةً من زراعة المحاصيل النقدية الجديدة — لخدمة التجارة الخارجية والصناعة المحلية على حدٍّ سواء، ونتيجة لذلك زاد الإنتاج الزراعي فيما بين 1878–1912م بنسبة 121٪ عما كان عليه عند بداية الفترة، أي بمعدل نمو قدره 2٫7٪ سنويًّا، وزادت إنتاجية الأرض بنسبة 76٪ خلال تلك الفترة، وإنتاجية العمل بنسبة 117٪.
وقد حمل قطاع الإنتاج الزراعي عبء سياسة التصنيع التي تبنَّتها حكومة مايجي؛ لأن الحكومة كانت تدفع معونات مالية سخية للبيوتات التجارية وأصحاب المشروعات الصناعية الحديثة تشجيعًا لهم على المساهمة في الاستثمار الصناعي، هذا فضلًا عن قيام الحكومة بتأسيس الصناعات الاستراتيجية والعسكرية الهامة، مما تطلب موارد مالية تحمَّلها بالكامل قطاع الزراعة، فضاق مُلاك الأراضي بالأعباء الضريبية الملقاة على عاتقهم، كما عانى الفلاحون شظف العيش، وانعكس ذلك على حركة الفلاحين الاحتجاجية والثورية وخاصة في العقدين الأولين من عصر مايجي.
وإذا كانت سياسة الدولة الخاصة بالتصنيع وإتاحة فرصة النمو أمام رأس المال التجاري على حساب الزراعة والمجتمع الريفي، من أقوى بواعث تلك الحركة، فإن ذلك يدفعنا إلى إلقاء نظرة على تلك السياسة التي كانت حجر الزاوية في النظام الاقتصادي الذي أقامته حكومة مايجي.