أمر الله سبحانه العقلاء أن يخشوه ويتقوه: (وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) وهذا الامر يشير الى وجود اقسام ودرجات للتقوى.
فبعض الناس ليس لديهم منها إلا التقوى من نار جهنم: (فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ[1]) و(قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا[2]) وهذه المجموعة تخشى الله لكنها تسعى لنفسها لا للقاء الله ومن هنا فتقوى هذه المجموعة يقتصر دورها على تخليصهم من جهنم وليس من المعروف أإنها توصلهم الى الدرجات العليا من الجنة ولقاء الله أم لا؟
وبعض آخر لديهم - إضافةً إلى خشيتهم من النار - تقوى الشوق والرغبة في الوصول إلى الجنة أيضاً، أي إنهم كما يجتنبون المحرمات يؤدون الواجبات أيضاً كي ينالوا الجنة. وهؤلاء وإن كانوا يتمتعون بالعقل والحكمة وقد هيئوا متاعهم للوصول إلى الجنة، إلا أنهم عاجزون عن مواصلة الطريق، إذ لم يهينوا له عدته. ولما كانت التقوى تعني الخشية والحذر، فيكون معنى تقوى الشوق إلى الجنة هو إزالة موانع الوصول إليها وتهيئة مستلزمات الفوز بها.
أما بعض آخر، فهم مع امتلاكهم لنوعي التقوى اللذين ذكرناهما، تكون جميع أعمالهم (حبا الله)، فتشملهم الدرجة الكاملة لآية (وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) وهذه الدرجة العليا من التقوى لها من الآثر ما يجعلها تتقدم حتى تصل (لقاء الله)، جالبة الشخص المتقي معها إلى لقاء الله أيضاً؛ لأن التقوى الإلهية هي التي تنال الله[3]، وهذه التقوى النائلة الله توصل المتقي أيضاً إلى لقاء الله، حيث إنّ وصف التقوى ليس معزولاً عن نفس المتقي.
إن من اتصف بالتقوى الإلهية هو المقتدر الواقعي الذي يكون (اسم الله) دواؤه، و (ذكر الله) شفاؤه، و (طاعة الله) غناه: «يا مَن اسمه دواء، وذكره شفاء وطاعته غنى[4]، ومن هنا فسوف لا تنقطع به السبل، حيث إن متاعه هذا متاع أبدي، يرافقه حتى آخر الطريق، ويهديه إلى لقاء الحق، لذا قال الله تعالى: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ).
ويشير ذيل هذه الآية إلى أنّ أهل التقوى يكونون عقلاء حكماء، أما غيرهم فسفهاء لا عقل لهم، حتى وصف القرآن قلوبهم بقوله: (وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ[5]).
ان درجات التقوى الثلاث تعتمد على مراتب ودرجات اللب واللبيب وتوضيح ذلك أن اللب هو العقل النفي والخالص من كل شائبة ولوث[6].
واللبيب هو الانسان ذو اللب والمقاوم للالتقاط فاللب والعقل النظري يحافظ على خلوصه ونقاوته بتنزهه عن تأثيرات الوهم والخيال واللب والعقل العملي ينال خلوصه ببراءته من نفوذ الشهوة والغضب وتكمن تقوى العقل النظري في صيانة البرهان العلمي من مغالطات الوهم والخيال أما تقوى العقل العملي فتتحقق من خلال حراسة العزم العملي من وسمة ووصمة السمعة وقبح الشهوة ونقص الغضب. ولا يمكن احراز أي نوع من التقوى دون اللب والعقل كما أن كل عقل هو منشأ للتقوى لذا تتوقف درجات التقوى وأنواعها على درجات اللب والعقل وأنواعهما.
وإنما دعا الله سبحانه أولو الالباب للتقوى: (وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) مع ان الجميع مكلفون بها بسبب تزود هذه المجموعة بها.
[4] إقبال الأعمال، ص 224 ؛ مفاتيح الجنان، دعاء كميل.
[5] سورة إبراهيم، الآية 43 .
[6] مفردات ألفاظ القرآن ص733لسان العرب ج1ص729-730ل ب ب