بعد أن نبه الله الانسان إلى أنه بمثابة المسافر الذي يجب عليه اعداد الزاد لسفره بين له أن زاده هو التقوى: (فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ). ويكمن سر الترغيب بتهيئة الزاد في آيات الحج في أن الحج هو من أفضل مصاديق التقوى وأن الانسان فيه يرى التاريخ الاسلامي مجسدا أمامه ويتعرف على روح التعبد وعلى صور فريدة من مظاهر القرب الالهي ومشاهد تضحية بكل التوحيد والمظهر التام للتقوى نبي الله ابراهيم عليه السلام كل ذلك مضافا الى أن بلاد الوحي هي مركز الايات الالهية الشفافة: (فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ[1]).
وإذا كانت كلمة (خير) في الاية التي هي مورد البحث تفضيلية يكون المراد هو أفضلية التقوى بالنسبة الى سائر الملكات النفسانية كالتوكل والعدل والإحسان وما شابه ذلك أي إن جميع الملكات النفسانية هي الزاد والمتاع للمسافر والتقوى أفضلها جميعا وما قيل عن العدل: (اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ[2]) إنما هو اشارة الى أن التقوى هي الاصل وأن ملكة العدل وسيلة للوصول الى ذلك المحور الاصلي الذي هو التقوى.
إلا أن كلمة (خير) لما كانت هنا (تعيينية) وبمعنى (الخير المطلق) وهو ما يفهم من ظاهر الاية فيكون معنى الاية أن الزاد الوحيد والمتاع المفيد هو التقوى وأن الانسان غير المتقي لا زاد له في واقع الامر وحقيقته.
إن الانسان في سفر دائم فهو لايعرف أي نوع من الجمود والركود والتوقف وكل مسافر يحتاج الى متاع السفر وغذاء الانسان هو الفكر والذكر والشكر ولما كان أي واحدة من هذه المواد الغذائية لا تنفع إلا بالتقوى لذا يأتي الحديث أحيانا عن الاثر العلمي للتقوى مثل: (إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا[3]) وأحيانا عن الاثر الاقتصادي له: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ[4]). وهكذا تكون التقوى هي الزاد لطريقي الدنيا والآخرة حيث إن الدنيا والآخرة جزآن من أجزاء السير الى الله المتصلة ببعضها.
وعلى أي حال فالمتاع الوحيد للسالك والمسافر هو التقوى وأفضل مصاديقها هي التقوى الالهية: (وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ).
لقد بين الله في جملة (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ ۚ وَاتَّقُونِ) ثلاثة مطالب متناسقة ومنسجمة مع بعضها: 1. اعداد الزاد.
2. ان الزاد الوحيد للسالك هو التقوى.
3. التقوى الالهية.
وكل واحد من هذه المطالب إنما يأتي في إطار آخر غيره وتحت مظلته فالتقوى الالهية: (وَاتَّقُونِ) إنما تستظل بالأصل الكلي الذي هو التقوى: (فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ) والاصل الكلي للتقوى هو الاخر يستظل تحت اعداد الزاد: (وَتَزَوَّدُوا).
[1] سورة آل عمران الاية 97
[3] سورة الانفال الاية 29
[4] سورة الاعراف الاية 96.