مفهوم البرودة عند ابن رشد (القرن 6ﻫ/12م)
المؤلف:
سائر بصمه جي
المصدر:
التبريد في التراث العلمي العربي
الجزء والصفحة:
ص43
2026-07-25
8
يعتبر ابن رشد (توفي 595ﻫ/1198م) أن الحرارة والبرودة ظاهرتان مؤثرتان في وجود الأشياء على ما هي عليه من بنية وشكل. ويكون تأثير الحرارة في تكوين الأجسام أكبر من تأثير البرودة التي تأتي في المقام الثاني الذي يقتصر على تعديل نِسب الحرارة.
قال ابن رشد: «إنه قد تبيَّن هنالك أن الحرارة والبرودة هما الكيفيتان الفاعلتان في الكون التي تُحرك المكون إلى أن يكون ذا قوام وشكل وصورة، وأن الحرارة هي التي تفعل ذلك أولًا وبالذات، والبرودة ثانيًا وعلى القصد الثاني. وإنما كان ذلك كذلك لأن الحرارة هي التي تفعل في المكون الخلط أولًا، ثم الطبخ ثم النضج والتمام والقوام والشكل، وذلك بعد أن نفى الفضلة التي لا تصلح أن تكون جسدًا لذلك المكون عنه. وهي في هذا المعنى تستعين بالبرودة؛ لأن الحرارة التي تفعل هذا هي حرارة مقرَّرة معدَّلة، وتعديلها يكون بالبرودة. وأكثر ما تستعين بالبرودة لإصلاح ما يلحق فعل الحرارة من الرخاوة، والتليين الذي يلحق عن فعلها في المكون؛ فهي بالبرودة تصلح لهذا المعنى.»
ثم حاول ابن رشد توضيح أن علاقة التضاد التي بين الحرارة والبرودة ليست مباشرة على مستوى المفاهيم، وإنما على مستوى الأجسام؛ فالجسم الحارُّ عندما يصرف الحرارة عنه فهو يحل مكانها البرودة، والعكس صحيح.
«والأضداد لا تقبل بعضها بعضًا، وإنما يقبلها الحامل لها على جهة التعاقب، مثال ذلك أن الحرارة لا تقبل البرودة، وإنما يقبل البرودة الجسم الحار بأن تنسلخ عنه الحرارة ويقبل البرودة، وبالعكس.»
أما عن كيفية تسبيب الشمس للحرارة والبرودة في الجو فإن العملية تتم كما يأتي: عندما تميل أشعة الشمس مبتعدةً نحو الجنوب فإن حرارتها تنخفض في الشمال؛ الأمر الذي يدفع بالمواد ذات الطبيعة المائية للتشكل مثل الأمطار، وعندما تصعد هذه الأشعة من الجنوب فإنها تسخن الشمال، وهكذا دوالَيك تتكرر الحالة؛ فإذا كان الشمال باردًا كان الجنوب ساخنًا والعكس صحيح.
قال ابن رشد: «إن الشمس إذا انحدرت إلى الجنوب قل تسخينها في الشمال، فغلبت طبيعة الأسطقس المائي لغلبة البرودة، فاستحال الهواء ماءً وكانت الأمطار، وإذا صعدت من الجنوب اشتد تسخينها في الشمال فتتأيَّد طبيعة النار والهواء، ويكون فعلها هذا دورًا ويتعادل؛ أعني إذا كان البرد في جهة الشمال استحرَّت جهة الجنوب وبالعكس؛ أي إذا برد الجنوب استحرَّ الشمال؛ ولذلك يكون شتاؤنا وصيفنا في جهة الجنوب؛ أعني في الأقاليم التي بعدها من الشمس من تلك الجهة بعد أقاليمنا، والصيف بعكس ذلك ها هنا، ويكون عنها في هاتين الحركتين جنسان من البخار؛ أحدهما دخاني وهو حارٌّ يابس، والآخر حارٌّ رطب أو باردٌ رطب.»
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في تاريخ الفيزياء
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة