تفسير الآية (193) من سورة البقرة
المؤلف:
الشيخ عبدالله الجوادي الطبري الآملي
المصدر:
تسنيم في تفسير القران الكريم
الجزء والصفحة:
ج 9، ص721-724
2026-07-24
81
(وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ۖ فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ)
خلاصة التفسير: يأمر الله تعالى في هذه الاية المسلمين قائلا: قاتلوا المشركين حتى يتم القضاء على الشرك ومعالمه ويسود دين الله الاسلام في كل الأرجاء إذ حتى لو تم اخراج المشركين من أرض الحجاز[1] كلها فإنهم لن يكفوا عن إثارة الفتن ونسج المؤامرات الثقافية والسياسية والاجتماعية وحتى العسكرية والعمل على إغراء المسلمين لترك دينهم والترويج للشرك وعليه لابد من أن تقاتلوا الى أن تنمحي آثار الشرك.
ومن خلال مقارنة (الفتنة والدين) يبدو أن المقصود من الفتنة هو الشرك والكفر المحفزان للدسائس والمؤامرات ويشير أمر مقاتلة المشركين دون هوادة حتى ازالة معالم الشرك المسبب للفتن وسيادة دين الله يشير الى الهدف من القتال في الأسلام والمثل بتحقيق شعار (لا إله إلا الله) بكل معانيه فجملة (لا إله) تعادل قوله تعالى: (لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ) وتقابل عبارة (إلا الله) قوله سبحانه (وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ) وهذا يعني أنه لا ينبغي لأي دين أن يكون موجودا وقائما غير دين التوحيد ولا ريب في أن المراد من القتال هو محو آثار الفتنة في حين يكون استقرار ركائز الدين والحفاظ على الحكومة الاسلامية ورفض كل فكر معاد للدين مرهونا بالمسائل الثقافية وعلى رأسها التعليم والتزكية والتبليغ وما شابه ذلك.
وتتحمل الحكومة مسؤولية إدارة القتال والجهاد بأنواعه العملية والعلمية حتى يتم تقويض أسس الفتنة وقبول الاسلام دينا وحيدا وعليه فإذا تخلى المشركون عن شركهم فلا ينبغي قتالهم وإنما يكون القتال ضد المعتدين إذا فتوقف الحرب مشروط بزوال الفتنة وتجدر الاشارة الى أن المشركين قد ظلموا أنفسهم بشركهم وكفرهم وفي نفس الوقت كانوا يتسببون في ظلم غيرهم كذلك وعندما يقلعون ويكفون عن شركهم المثير للفتن فلن يعاقبوا معاقبة المعتدي ويكمن السر في نسبة العدوان الى الظالمون في ما يحملونه من عقيدة فاسدة وآراء زائفة واعتبارهم أن مايقوم به المؤمنون من القتال والحرب هو بمثابة العدوان.
تناسب الايات: هذه الاية معطوفة على: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) في الاية (190) من سورة البقرة[2]، ومن قبيل ذكر العام بعد الخاص[3]، وهي تبين الغاية والهدف من مقاتلة الكافرين والمشركين[4] وتحدد أمد القتال[5]، حيث بنيت الاية السابقة وجوب أصل القتال[6] والإذن ببدئه وشروعه[7].
ويتلخص هدف محاربة الكفار ومقاتلتهم في إجبارهم على الكف عن ايذاء المسلمين وتعذيبهم[8]، ولتحقيق هذا الهدف أمر الله سبحانه المسلمين قائلا: قاتلوا هؤلاء الكفار الذين أخرجوكم من مكة ومنعوكم من دخول المسجد الحرام والذين مازالوا يثيرون الفتن لكي يمتنعوا ويكفوا عن تعذيب المسلمين وإيذائهم وإجبارهم على ترك دينهم أو طردهم من ديارهم وموطنهم أو مصادرة أموالهم ظلما وعدوانا أو التسلط عليهم والسيطرة على مقدراتهم[9].
[1] قال هشام الكلبي: حدّدت معالم وتخوم جزيرة العرب وقالوا بنزول العرب وتكاثرهم في خمس مناطق هي: 1. تهامة. 2. الحجاز. 3. نجد. 4. العروض. 5. اليمن. (لغت نامه: 6 / 8716)، وتقع الحجاز في غرب الجزيرة العربية وتمتد على طول ساحل البحر الأحمر ومن أهم وأقدم مدنها: مكة والمدينة والطائف وضواحيها وقراها. (لغت نامه: 6 / 8716)، وهي اليوم من أكثر مناطق المملكة العربية السعودية سكاناً وأكثر عمراناً. (فرهنگ فارسی: 5 / 455).
[2] تفسير روح المعاني: 2/ 115. قال الآلوسي: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ) عطف على (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ) والأول مسوق لوجوب أصل القتال وهذا لبيان غايته.
[3] تفسير غرائب القرآن: 1/ 531. قال نظام الدين القمي النيسابوري غاية ما في الباب أن هذه الآية عامة وما قبلها مخصصة إياها، وهذا جائز ، فإن القرآن ليس على ترتيب النزول، ولو كان على الترتيب أيضاً فلا يضرنا الجواز نزول الخاص قبل العام عندنا، وذلك أن الخاص قاطع في دلالته تقدم أو تأخر، والعام دلالته على ما يدلّ عليه الخاص غير مقطوع بها، فلا بد من التخصيص جمعاً بينهما (حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ) قيل: أي شرك وكفر، وعلى هذا فالآية محمولة على الأغلب، فإنّ قتالهم لا يزيل الكفر رأساً، وإنّما الغالب الإزالة لأن من قُتِلَ منهم فقد زال كفره ومن لم يُقتل كان خائفاً من الثبات على كفره.
[4] تفسير روح المعاني: 2/ 115. قال :الآلوسي وهذا البيان غايته والمراد من الفتنة، الشرك على ما هو المأثور... ويؤيده أن مشركي العرب ليس في حقهم إلا الإسلام أو السيف لقوله سبحانه: (تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ) ويكون الدين الله، أي خالصاً له.
[5] تفسير الميزان: 2 / 62.
[6] تفسیر روح المعاني: 2 / 115.
[7] التفسير المنير: المجلد 1 - 2، 2/ 180. قال وهبة الزحيلي: رُوي عن جماعة من الصحابة... أن أول آية نزلت في الإذن بالقتال هي: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ) وهذا رأي أكثر علماء التفسير.
[8] قال صاحب التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج وهذه الفتنة في الدين أشدّ على المؤمن الحر الأبي من قتل النفوس؛ لأنّ العقيدة أقدس شيء في الوجود، وأغلى وأسمى من كل شيء في الكون، وليس هناك بلاء ومضايقة على الإنسان أشدّ من إيذائه واضطهاده في دينه وتعذيبه من أجل عقيدته التي تمكنت في قلبه وعقله ونفسه، ورأى السعادة في الدنيا والآخرة بسلامتها وصحتها ووجودها لديه، فهي الكنز ورأس المال الرابح ويهون في سبيلها التضحية بالنفس والنفيس، فيكون ما تفعلونه معهم من القتل في الحرم أقل مما يتصفون به من الفتنة، أي التعذيب من أجل إرجاعكم إلى الكفر.
[9] نظم الدرر: 1 / 365. قال :البقاعي: ولما كان المراد بما مضى من قتالهم كف أذاهم بأي فعل كان حققه بقوله: (وَاقْتُلُوهُمْ) أي هؤلاء الذين نسبناهم إلى قتالكم وإخراجكم وفتنتكم أعـم مــن أن يكونوا كفاراً، أو لا (حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ)، أي توجد فتنة بألا يقدروا أن يُؤذوا أحداً من أهل الإسلام ليردّوه عن دينه أو يخرجوه من داره أو يخلعوه من ماله أو يغلبوه على حقه، فقال كل من وقع منه ذلك كفراً أو بغياً في سبيل الله حتى يفيء إلى أمر الله (وَيَكُونَ الدِّينُ) أي الطاعة والعبادة.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في مقالات قرآنية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة