الحفاظ على حرمة المسجد الحرام
المؤلف:
الشيخ عبدالله الجوادي الطبري الآملي
المصدر:
تسنيم في تفسير القران الكريم
الجزء والصفحة:
ج 9، ص714-716
2026-07-23
84
كانت العرب – حتى في العصر الجاهلي تكن احتراما كبيرا للمسجد الحرام والكعبة الشريفة وقد أشار الله عز وجل كذلك الى هذا الامر في الايتين المفسرتين لكي يراعي المسلمون أيضا تلك الحرمة[1]:
1. قوله تعالى: (وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّىٰ يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ) وهو جمع بين المنطوق والمفهوم يمثل الغاية.
2. قوله تعالى: (فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ ۗ كَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ) وهو مفهوم الجملة الاولى يعتبر منطوقا واضحا أي إذا قاتلوكم داخل المسجد الحرام عندئذ ابروا لمقاتلتهم وإن كان ذلك في المسجد الحرام.
3. قوله تعالى: (فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) والذي يكون منطوقه بالشكل التالي إذا كف المشركون أيديهم عن مقاتلكم ومحاربتكم فلا تقتلوا داخل المسجد الحرام لأنكم إنما تحاربون من أجل الاسلام والإسلام يعتبر هذا المكان (المسجد الحرام) مقدسا ومحترما.
ويستفيد من الجمل الثلاث المذكورة في أعلاه حيث تجمع الأولى بين المفهوم والمنطوق وتتعلق الثانية بخصوص المفهوم بينما تخص الثالثة المنطوق بالذات أن مسألة الحفاظ على حرمة المسجد الحرام وعدم الانتقاص من قدسيته واحترامه هي جانب كبير من الأهمية ولكن لايمكن المحافظة على حرمة المسجد الحرام وعدم تدنيس قدسية الأشهر الحرم إلا إذا كان أصل الاسلام محفوظا وغير مهدد فإن تعرض أصل الاسلام للخطر والتهديد فعندئذ لامفر من تطبيق الحكم القائل: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ[2])، وهذا يعني أن القصاص ممكن إذا ما انتهكت الحرمات. وقال تعالى في الاية الثانينة: (فَإِنِ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) أي إذا كفوا عن القتال فإن الله سبحانه غفور رحيم إلا أن بعض المفسرين قالوا بأن المعنى: (فَإِنِ انتَهَوْا) هو كف المشركين والكافرين عن شركهم وكفرهم والدخول في الاسلام[3]، لكن ومع أخذ النقطتين التاليتين بعين الاعتبار يبدو هذا التفسير غير كاف ويبدو أن المعنى الاصح لقوله تعالى: (فَإِنِ انتَهَوْا) هو الكف عن القتال داخل المسجد الحرام وأما النقطتان فهما: 1. يشير ظاهر الاية وسياقها الى أن الجملة المذكورة متعلقة بذيل الاية في قوله تعالى: (وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ...) لأنها أقرب الى معناها. والأصل في القيد الواقع بعد بعض الجمل هو تعلقه بالجملة الاخيرة وعليه فإن القيد في (فَإِنِ انتَهَوْا) يعني تجنب القتال بالقرب من المسجد الحرام لا الكف عن مطلق القتال مع الدخول في الاسلام حيث تتضمن الاية التالية مفاد (انتَهَوْا).
2. وعلى أساس هذا الاحتمال فقط وهو أن القيد المذكور بمعنى تجنب القتال قرب المسجد الحرام فإنه لا حاجة الى التكرار لأن معنى تجنب القتال مشروط بقبول الدخول في الاسلام الوارد في ذيل الاية: (فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ[4]).
الخلاصة: فإن القيد في قوله سبحانه وتعالى: (فَإِنِ انتَهَوْا) في كل من الايتين المذكورتين متعلق بالجملة الاقرب وليس تكرارا.
[1] قال أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة، من خطبة له عليه السلام تسمّى القاصعة، وفيه يذكر الكعبة المقدسة: «أَلَا تَرَونَ أَنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ اخْتَبَرَ الأَوَّلِينَ مِنْ لَدُنْ آدَمَ صَلَّى الله عَلَيْهِ إِلَى الْآخِرِينَ مِنْ هذا العالم بأحجار لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَا تُبْصِرُ وَلَا تَسْمَعُ، فَعَجَلَهَا بَيْنَهُ الْحَرَامَ الَّذِي جَعَلَهُ لِلنَّاسِ قياما ، ثُمَّ وَضَعَهُ بِأَوْعَرِ بِقَاعِ الأَرْضِ حَجَراً، وَأَقل نَسَائِقِ الدُّنْيَا مَدَراً، وَأَضْيَقِ بُطُونِ الأَوْدِيَةِ قطراً، بَينَ جِبَالِ خَشِنَةٌ ، وَرِمَال دَيثَهُ، وَعُيُون وَشِلَة، وقُرى مُنْقَطِعَةِ، لا يَرْكُو بِهَا خُفٌ وَلَا حَافِرٌ وَلَا ظُلْفٌ. ثُمَّ أَمَرَ آدَمَ وَوَلَدَهُ أَنْ يَتْنُوا أَعْطَافَهُمْ نَحْوَهُ، فَصَارَ مَثَابَةٌ لِنتَجَعِ أَسْفَارِهِمْ، وَغَايَةً لِلْقَى رِحَالِهِمْ، تهوي إليه تمارُ الأَفْئِدَةِ مِنْ مَفَاوِزِ قِفَار سَحِيقَة، وَمَهَاوِي فِجَاجٍ عَمِيقَة، وَجَزَائِرِ بِحَـار مُنقَطِعَة، حَتَّى يَرُوا مَنَاكِبَهُمْ ذُلُلاً مسللُونَ الله حَوْلَهُ، وَيَرْمُلُونَ عَلَى أَقْدَامِهِمْ شُعَنَا غُبْراهُ، قَدْ نَبَدُوا السَّرابِيلَ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ، وَشَوْهُوا بِإِعْفَاءِ الشُّعُورِ حَاسِنَ خَلْقِهِمْ، أَبْتِلاءٌ عَظِيا، وَامْتِحَانَا شَدِيداً، وَاخْتِبَاراً مبينا، وتمحيصاً بليغاً ، جَعَلَهُ اللهُ تَعَالَى سَبَباً لِرَحْمَتِهِ، وَوُصْلَةٌ إِلَى جَنَّتِهِ، وَلَوْ أَرَادَ سُبْحَانَهُ أَنْ يَضَعَ بَيْنَهُ الْحَرَامَ، وَمَشَاعِرَهُ الْعِظَامَ بَيْنَ جَنَّاتٍ وَأَنْهَارِ، وَسَهْل وَقَرَارِ، جَمَّ الأَشْجَارِ، دَانِيَ الشمارِ، مُلْتَفَّ الْبَنَى، مُتَّصِل القُرَى، بَيْنَ بُرَّة سَمْرَاءَ، وَرَوْضَة خَفْرَاءَ، وَأَرْيَافِ مُحْدِقَة، وَعِرَاصِ مُغْدِقَة، وَزُرُوع نَاضِرَة، وَطُرُق عَامِرَة، لَكَانَ قَدْ صَغُرَ قَدْرُ الْجَزَاءِ عَلَى حَسَبٍ ضَعْفِ الْبَلاءِ. وَلَوْ كَانَ الأَسَاسُ المَحْمُولُ عَلَيْهَا ، وَالأحْجَارُ الْمُرْفُوعُ بِهَا، بَيْنَ زُمُردَة خَفْرَاءَ، وَيَأْقُونَة حمراء، وَنُور وَضِياء، لتقف ذلك مُضَارَعَةَ الشَّلِّ في الصُّدُورِ، وَلَوَضَعَ تُجَاهَدَةَ إِبْلِيسَ عَنِ القُلُوبِ، وَلَنَفَى مُعْتَلَجَ الرَّيْبِ مِنَ النَّاسِ.
[3] راجع التبيان: 2 / 146؛ مجمع البيان: 1 - 2 / 512؛ روح المعاني: 2 / 114؛ الجامع لأحكام القرآن المجلد 1 ، 2 / 329 وغيرهم. قال أمين الإسلام الطبرسي قدس سره: أي امتنعوا من كفرهم بالتوبة منه عن مجاهد وغيره (فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) فاختصر الكلام لدلالة ما تقدم من الشرط عليه وفيه الدلالة على أنه يقبل توبة القاتل عمداً؛ لأنه بين عزّ اسمه أنه يقبل توبة المشرك والشرك أعظم من القتل.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في مقالات قرآنية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة