لا ريب في أن القرآن الكريم هو كتاب هداية ونور، فإلى جانب بحثه للمواضيع العلمية والبحوث العقلية والأمور الفقهية، نراه يشير إلى الكثير مـــن المسائل الأخلاقية والتربوية التي تحمل في طياتها طابع تطبيق الأحكام الفقهية والحقوقية. وفي الآية التي نقوم بتفسيرها وبعد بيان حكم جواز المباشرة في لـيـالي الصيام، شبه القرآن الكريم كلا من الزوجين باللباس قائلاً: (هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ) حيث تضمّن هذا التشبيه اللطيف الكثير من النقاط التربوية الدقيقة، وفيما يلي نتناول بعضاً منها: 1. من المعلوم أن اللباس يحمي مُرتديه من العديد من الأضرار؛ فالزواج وإن كان مشتملاً على إشباع الغريزة فإن لــه صبغة ملكوتية تدفع إلى صيانة المرء من الوقوع في المعصية وارتكاب الذنب. ولعلّ ما رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: «مَن تَزَوْجَ فَقَد أَحْرَزَ نِصْفَ دِينَهُ[1]» هو أفضل شاهد على هذه الكلام.
فبإختيار المرأة لزوجها واختيار الرّجل لزوجته لن يكون لأي منهما العذر أو المبرّر للوقوع في المعصية[2]، لكن أعظم نتيجة يحصل عليها الأزواج من النكاح هي صيانة جوهر الدين من حبائل إبليس اللعين في الخارج والتخلص من وساوس النفس وأهوائها في الداخل.
2. من شأن اللباس أن يستر عيوب الإنسان ويحفظ له ماء وجهه وكرامته؛ وهكذا يجب أن تكون الزوجة والزوج فيستر كل منهما عيوب الآخر ويحافظ على مكانته الاجتماعية وسمعته بين أقرانه.
3. كما أنّ اللباس يحمي الإنسان من شدة الحر وقسوة البرد وغير ذلك، فعلى كل من الزوج والزوجة أن يكونــا سبباً للطمأنينة والأمل والتفاؤل لكل منهما في الحوادث المرة والأوقات الحلوة معاً.
4. من الواضح أن هناك علاقة قوية بين اللباس ومرتديه لالتصاق كل منهما بالآخر دون السماح لأي شيء آخر بالنفوذ بينهما، فكذلك ينبغي على العلاقة الزوجية أن تكون حميمة وودية لكيلا يسمح الزوج أو الزوجة بدخول أي متطفل أو غريب إلى حياتهما الخاصة تما قد يؤدي إلى كشف أسرارهما وانتهاك حرمة علاقتهما وبالتالي وقوع الفتن والمشاحنات.
5. تكون أعضاء الجسم كلها تقريباً في حالة تمـاس تــام ومباشر مع اللباس الذي يمنع بدوره حدوث أي تماس بين تلك الأعضاء وبين البيئة أو المجال الخارجي، ولذلك يجب على الزوجين أيضاً أن يحافظا على التماس الغريزي بينهما من خلال علاقتهما الزوجية الوثيقة والآصرة الحميمة وذلك لصعوبة حرمان الزوج أو الزوجة من التمتع باللذة الجنسية الغريزية، وفي نفس الوقت استحالة إبقاء الباب مفتوحاً في هذا المجال أمام الغرباء، بل لا بد من تحديد وتنسيق الغرائز دون تعطيلها بالطبع كما يفعل اللباس مع صاحبه.
6. لا شك في أن أياً منا لا يرغب في ارتداء الملابس البالية أو المتسخة وغير المناسبة؛ إذاً ينبغي للرجل والمرأة كذلك التدقيق والحذر في انتقاء واختيار شريك العمر.
7. اللباس بشكل عام يمنح الراحة والسرور للإنسان، وعلى الزوجين أن يكونا مصدر الراحة والطمأنينة والأمان لبعضهما البعض. ويُذكر أنّ القرآن الكريم استخدم كلمة «اللباس» أيضاً في «الليل» في قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا[3]) وعلى السكن والراحة والهدوء في قوله عزّ وجل: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ[4])؛ بالإضافة إلى استخدام التعبيرين المذكورين على الأزواج: (هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ) و(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً[5]).
8. واللباس كذلك يُمكنه أن يكون مصدر الجمال والزينة للإنسان، وعلى الرّجل والمرأة أن يكونا زينة وجمالاً لبعضهما البعض، فوجودهما جنباً إلى جنب داخل الأسرة وفي المجتمع من شأنه أن يُكسبهما مكانة متميّزة لم يكونا يمتلكانها قبل ذلك، ولهذا نرى الجميع يسعى إلى احترامهما أكثر من ذي قبل.
والخلاصة: فإنّ الهدف الأساسي من الزواج لا يقتصر على إرضاء الغريزة الجنسية وإشباع الرغبات والأهواء النفسية وحسب، بل وكذلك تأمين الرفاهية والراحة والطمأنينة والسعادة في ظل تأسيس الزوجين لأسرة حميمة ملؤها الحبّ والحنان فضلاً عن إنجاب الأطفال والمحافظة على الجنس البشري.
تذكير: 1. اللباس كلمة مفردة ومع ذلك استخدم القــرآن الكريم ضمير الجمع للإخبار عنه أحدهما (هُنَّ) والآخر: (وَأَنتُمْ): (هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ)، والسبب في عدم استخدام القرآن الكريم لكلمة «ألبسة» كجمع لكلمة «لباس» هو أنّ «لباس» مصدر والجمع والمفرد فيه سواء[6].
2. لا تقتصر المنافع والفوائد التي يمكن استشفافها من هذا التشبيه على الجانب العقلي فقط، بل هناك الكثير من الفوائد التي لا حصر لها، ولم يكتف المفسرون بوجوه التشابه المذكورة، وقد أشار الفخر الرازي إلى خمس من تلك الفوائد منتقداً بعضها[7].
3. هناك عنصران محوريان في الزواج بحيث لو تحقق ذينك العنصرين تحققت جميع المزايا الاخرى أحدهما: وجود المودة العقلانية بينهما. والأخر هو الرحمة والعاطفة: (وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً[8]). وسنتطرق الى النعصرين المذكورين بالتفصيل وكيفية تحقق جميع المزايا الاخرى في ضوء هذين العنصرين عند تفسيرنا للآية المتعلقة بالمودة والرحمة.
[1] مكارم الأخلاق الباب الثامن 196 .
[2] روض الجنان 3 / 51 ؛ كشف الأسرار: 1 / 504 .
[6] التفسير الكبير: المجلد 3 5 / 114.
[7] المصدر السابق: قال الفخر الرازي: «أما قوله تعالى: (هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ) ففيه مسائل: المسألة الأولى: قد ذكرنا في تشبيه الزوجين باللباس وجوهاً أحدها: أنه لمـا كــان الـرجــل والمرأة يعتنقان فيضم كل واحد منهما جسمه إلى جسم صاحبه حتى يصير كل واحد منهما لصاحبه كالثوب الذي يلبسه، سُمي كل واحد منهما لباساً. قال الربيع: من فراش لكم وأنتم لحاف لهن، وقال ابن زيد(هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ) يريد أن كل واحد منهما يستر صاحبه عند الجماع عن أبصار الناس. وثانيها: إنّما سُمي الزوجان لباساً ليستر كل واحد منهما صاحبه عما لا يحل، كما جاء في الخبر (مَنْ تَزَوجَ فَقَدْ أَحْرَزَ ثلثي دينه). وثالثها: إنه تعالى جعلهـا لباساً للرجل من حيث إنّه يخصها بنفسه كما يخص لباسه بنفسه، ويراها أهلاً لئن يلاقي كل بدنه كل بدنها كما يعمله في اللباس ورابعها يحتمل أن يكون المراد ستره بها عن جميع ا المفاسد التي يقع في البيت أولم تكن المرأة حاضرة، كما يستتر الإنسان بلباسه عن الحر والبرد وكثير من المضارّ. وخامسها: ذكر الأصم أنّ المراد أنّ كل واحد منهما كان كاللباس الساتر للآخر في ذلك المحظور الذي يفعلونه، وهذا ضعيف؛ لأنه تعالى أورد هذا الوصف على طريق الإنعام علينا، فكيف يحمل على التستر بهن في المحظور؟ المسألة الثانية: قال الواحدي: إنّما وحد اللباس بعـد قوله (هُنَّ) لأنه يجري تجرى المصدر، وفعال من مصادر فاعل، وتأويله: هن ملابسات لكم. المسألة الثالثة: قال صاحب الكشاف فإن قلت: ما موقع قوله (هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ) فنقول: هو استئناف كالبيان لسبب الإحلال، وهو أنه إذا حصلت بينكم وبينهنّ مثل هذه المخالطة والملابسة قل صبركم عنهن، وضعف عليكم اجتنابهن، فلذلك رخص لكم في مباشرتهن».