0
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

علم الحديث

تعريف علم الحديث وتاريخه

أقسام الحديث

الجرح والتعديل

الأصول الأربعمائة

الجوامع الحديثيّة المتقدّمة

الجوامع الحديثيّة المتأخّرة

موضوعات عامة

أحاديث وروايات مختارة

الأحاديث القدسيّة

علوم الحديث عند أهل السنّة والجماعة

علم الرجال

تعريف علم الرجال

الحاجة إلى علم الرجال

التوثيقات الخاصة

التوثيقات العامة

موضوعات عامة

أصحاب النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)

أصحاب الأئمة (عليهم السلام)

العلماء من القرن الرابع إلى القرن الخامس عشر الهجري

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

البحث حول حديث الطينة

المؤلف:  السيد عبد الله شبر

المصدر:  مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار (ت: مجتبى المحمودي)

الجزء والصفحة:  ج1، ص 26 ــ 42

2026-07-08

18

+

-

20

الحديث الأوّل: [حديث الطينة]

ما رويته بأسانيد عديدة وطرق سديدة عن جملة من مشايخي الكرام وأساتيذي العظام، ومنهم - وهو أعظمهم شأناً، وأرفعهم مكاناً، وأقومهم برهاناً - قدوة الأنام، [وعلم الأعلام، فريد الدهر، وناموس العصر، وعظيم القدر، صدر صدور الأفاضل، وبدر بدور المحافل، وجامع أسباب الفواضل والفضائل، ووارث علوم الأواخر والأوائل، ورافع الإشكالات من معضلات المسائل بواضحات الشواهد، ومحكمات الدلائل، خرّيت طريق التحقيق، ومالك أزمّة الفضل بالنظر الدقيق، المؤيّد من اللَّه تعالى بلطفه الجلي والخفي] (1)، شيخنا ومولانا الشيخ جعفر النجفيّ، مدّ اللَّه ظلّه على العالمين، وأدام اللَّه فضله على المسلمين، عن الشيخ الأعظم، والركن الأقوم، [والطود الأشمّ، حامي بيضة الإسلام والمسلمين، ومحيي شريعة سيّد المرسلين، وخلاصة المتقدّمين والمتأخّرين، ومرجع العلماء المحقّقين، وملاذ الفضلاء المدقّقين، العالم العلم الربّاني الفريد، الوحيد الذي ليس له ثاني] (2)، المرحوم المبرور مولانا محمّد باقر الأصفهاني البهبهانيّ، عن والده الأجلّ الأكمل المولى محمّد أكمل، عن الشيخ النحرير، والمحقّق الخبير، غوّاص بحار الأنوار وجواهر الآثار، [الذي لم تسمع بمثله الأعصار والأدوار، ولم تكتحل بنظيره العيون والأبصار، المؤيّد المسدّد، الفيض الإلهيّ القدسيّ، المحقّق الثالث والعلّامة الثاني] (3) محمّد باقر المجلسيّ، رفع اللَّه في أعلا علّيّين قدره، عن مشايخه المذكورين في الإجازات، إلى أن يتّصل السند بالأئمّة الهداة، عليهم أتمّ السلام وأفضل الصلاة.

ح (4): وعن شيخنا الأقدم، وأستاذنا الأقوم، عن الإمام الهمام، والبحر القمقام، [كشّاف قواعد الإسلام، وحلّال معاقد الأحكام، ترجمان الحكماء والعارفين، ولسان الفقهاء والمتكلّمين، ومرجع المحقّقين، وملاذ المدقّقين، ذي الفواضل الجميلة والفضائل الجليلة، الظاهرة البيّنة للداني والنائي](5)، المرحوم المبرور السيّد محمّد مهدي الطباطبائي - قدّس اللَّه سرّه ونوّر ضريحه - عن جملة من مشايخه الأعلام والفضلاء الكرام، ومنهم العالم الربّانيّ الشيخ يوسف البحرانيّ، عن مشايخه المعروفين المذكورين في إجازاته حتّى يتّصل السند بالنبيّ (صلى الله عليه وآله) وعترته.

وعن سيّدنا المقدّم عن شيخه وأستاذه الأجلّ الأكمل، قدوة العلماء والمحدّثين الكُمَّل، الشيخ محمّد مهدي الفتونيّ، عن شيخه وأستاذه الشهير في الآفاق، والفائق معاصريه على الإطلاق، المولى أبو الحسن الشريف العامليّ النجفيّ، عن عدّة من مشايخه الكرام، ومنهم علّامة الأنام الفاضل المجلسيّ، عن جملة من المشايخ الأعلام والفضلاء الكرام، ومنهم زبدة المحقّقين، وصفوة المدقّقين، وملاذ المحدّثين، ومحيي ما اندرس من شريعة سيّد المرسلين، التقيّ النقيّ، المهذّب الصفيّ المولى محمّد تقي بن المجلسيّ - قدّس اللَّه سرّه ورفع في الجنان قدره - عن عمدة المحقّقين، وزبدة المدقّقين، وصفوة المجتهدين، وشيخ الإسلام والمسلمين، بهاء الملّة والحقّ والدين الشيخ محمّد العامليّ الشهير بالبهائيّ، عن والده العالم العامل، والمتبحّر الكامل، الفاضل الصمدانيّ، الشيخ حسين بن عبد الصمد الحارثيّ الهمدانيّ، عن شيخيه الجليلين النبيلين العَلَمين العالمين العاملين السيّد حسن بن  جعفر الكركيّ والشيخ زين الدين الشهير بالشهيد الثاني - قدّس اللَّه سرّهما ورفع في الجنان قدرهما - عن الشيخ الفاضل التقيّ عليّ بن عبد العالي الميسيّ، عن شيخه السعيد الشهيد محمّد ابن داود المؤذّن الجزينيّ، عن الشيخ الكامل ضياء الدين عليّ، عن والده الأفضل الأكمل المحقّق الجامع في معارج السعادة بين رتبتي العلم والشهادة الشيخ شمس الدين محمّد بن مكّيّ الشهير بالشهيد الأوّل - قدّس سرّه ورفع قدره -.

ح: وعن شيخنا زين الملّة والدين، عن الشيخ الجليل جمال الدين أحمد بن خاتون، عن العالم المحقّق، أفضل المتأخّرين، وأكمل المتبحّرين، نور الملّة والدين، عليّ بن عبد العالي الكركيّ العامليّ، عن الشيخ الورع الجليل عليّ بن هلال الجزائريّ، عن الشيخ العالم العابد جمال الدين أحمد بن فهد الحلّيّ، عن الشيخ زين الدين عليّ بن الخازن، عن شيخنا الشهيد الأوّل محمّد بن مكّيّ.

ح: وعن الشيخ محمّد بن المؤذّن، عن السيّد الأجلّ السيّد عليّ بن دقّاق الحسينيّ، عن الشيخ محمّد بن شجاع القطّان، عن الشيخ الجليل الفاضل المقداد بن عبداللَّه السيوريّ الحلّيّ، عن شيخنا الشهيد الأوّل، عن جماعة من مشايخه منهم السيّد المحقّق الطاهر عميد الدين عبدالمطّلب الحسينيّ، والشيخ الأفضل فخر المحقّقين ولد العلّامة أبو طالب محمّد الحلّيّ، والسيّد الفاضل النسّابة أبو عبداللَّه محمّد بن القاسم بن معيّة الحسينيّ، والسيّد الكبير نجم الدين مهنّا بن سنان المدنيّ، والمولى الفاضل ملك العلماء مولانا قطب الدين محمّد الرازيّ، عن الشيخ الأكمل آية اللَّه في العالمين والمؤيّد بالدلائل والبراهين المفلجة للخصوم والمعاندين، حجّة الخاصّة على العامّة، المشتهر في الآفاق بالعلّامة، جمال الملّة والدين أبي منصور الحسن بن الشيخ الأعظم الأطهر يوسف بن المطهّر، عن والده المبرور، عن شيخه الأفضل رئيس المحقّقين الكُمّل نجم الملّة والدين أبي القاسم جعفر بن الحسن بن سعيد الحلّيّ الشهير بالمحقّق - قدّس سرّه ورفع قدره - عن السيّد الجليل النسّابة فخار بن معد الموسويّ، عن شاذان بن جبرئيل القمّيّ، عن الشيخ الفقيه العماد أبي جعفر محمّد بن أبي القاسم الطبريّ، عن الشيخ الفقيه السديد السعيد أبي عليّ الحسن، عن والده رئيس المذهب وشيخ الطائفة وقدوة الفرقة الناجية الفائقة، الشيخ أبي جعفر محمّد بن الحسن الطوسيّ - نوّر اللَّه مرقده وفي الجنان خلّده -.

ح: وعن الشيخ العلّامة، عن السيّد الطاهر ذي المناقب والمفاخر رضي الدين عليّ بن طاوس الحسينيّ رحمه الله، عن حسين بن أحمد السوراويّ، عن محمّد بن أبي القاسم الطبريّ، عن الشيخ الفقيه أبي عليّ، عن والده محمّد بن الحسن الطوسيّ.

ح: وعن العلّامة جمال الملّة والدين، عن أستاذه أفضل المحقّقين وسلطان الحكماء والمتكلّمين، والحجّة على الخصوم والمعاندين، نصير الملّة والحقّ والدين محمّد الطوسيّ، عن والده الأجلّ محمّد بن الحسن الطوسيّ، عن السيّد الجليل فضل اللَّه الراونديّ، عن السيّد المجتبى بن الداعي الحسينيّ، عن شيخ الطائفة محمّد بن الحسن الطوسيّ، عن شيخ المشايخ العظام، وقدوة العلماء الأعلام، والحجّة على الخاصّ والعام، مُلهم الحقّ ودليله، ومنار الدين وسبيله، الشيخ المفيد أبي عبداللَّه محمّد بن محمّد بن النعمان الحارثيّ العكبريّ البغداديّ، عن الشيخ المعظّم، والعلم المقدَّم، رئيس المحدّثين، ومحيي معالم الدين، عماد الدين أبي جعفر محمّد بن عليّ بن موسى بن بابويه القمّيّ في كتاب( العلل)، عن أبيه الثقة الجليل، عن سعد بن عبداللَّه، عن أحمد بن محمّد السيّاريّ، عن محمّد بن عبداللَّه بن مهران الكوفيّ، عن حنّان بن سدير، عن أبيه، عن أبي إسحاق الليثيّ، قال: قلت لأبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر (عليه السلام): يا بن رسول اللَّه، أخبرني عن المؤمن المستبصر إذا بلغ في المعرفة وكمل هل يزني ؟ قال: «اللّهمّ لا».

قلت: فيلوط؟ قال: «اللّهمّ لا».

قلت: فيسرق؟ قال: «لا».

قلت: فيشرب الخمر؟ قال: «لا».

قلت: فيأتي بكبيرة من هذه الكبائر أو فاحشة من هذه الفواحش؟ قال: «لا».

قلت: فيذنب ذنباً؟ قال: «نعم، وهو مذنب ملمّ».

قلت: ما معنى ملمّ؟ قال «الملمّ بالذنب لا يلزمه ولا يصرّ عليه».

قال: فقلت: سبحان اللَّه! ما أعجب هذا، لا يزني ولا يلوط ولا يسرق ولا يشرب الخمر، ولا يأتي كبيرة من الكبائر ولا فاحشة.

فقال (عليه السلام): «لا عجب من أمر اللَّه، إنّ اللَّه (عزّ وجلّ) يفعل ما يشاء، ولا يُسئَل عمّا يفعل وهم يُسئَلون، فممّ عجبت يا إبراهيم؟ سَلْ ولا تستنكف ولا تستحسر (6)، فإنّ هذا العلم لا يتعلّمه مستكبر ولا مستحسر».

قلت: يا بن رسول اللَّه، إنّي أجد من شيعتكم من يشرب الخمر ويقطع الطريق، ويخيف السبيل، ويزني ويلوط، ويأكل الربا ويرتكب الفواحش، ويتهاون بالصلاة والصيام والزكاة، ويقطع الرحم، ويأتي الكبائر، فكيف هذا؟ ولِمَ ذاك؟

فقال: «يا إبراهيم، وهل يختلج بصدرك شيء غير هذا؟».

قلت: نعم يا بن رسول اللَّه، أخرى أعظم من ذلك.

فقال: «وما هو يا أبا إسحاق؟»

قال: فقلت: يا بن رسول اللَّه، وأجد من أعدائكم ومناصبيكم من يكثر من الصلوات ومن الصيام، ويخرج الزكاة، ويتابع بين الحجّ والعمرة، ويحضّ على الجهاد، ويؤثر على البرّ وعلى صلة الأرحام، ويقضي حقوق إخوانه ويواسيهم من ماله، ويتجنّب شرب الخمر والزنا واللواط وسائر الفواحش، فممّ ذاك؟ ولم ذاك؟ فسّره لي يا بن رسول اللَّه، وبرهنه وبيّنه، فقد - واللَّه - كثر فكري، وسهر ليلي، وضاق ذرعي.

قال: فتبسّم (عليه السلام) ثمّ قال: «يا إبراهيم، خُذ إليك بياناً شافياً فيما سألت، وعلماً مكنوناً من خزائن علم اللَّه وسرّه، أخبرني يا إبراهيم، كيف تجد اعتقادهما؟».

قلت: يا بن رسول اللَّه، أجد محبّيكم وشيعتكم على ما هم فيه ممّا وصفته من أفعالهم، لو أعطي أحدهم ما بين المشرق والمغرب ذهباً وفضّة أن يزول عن ولايتكم ومحبّتكم إلى موالاة غيركم وإلى محبّتهم ما زال ولو ضربت خياشيمه بالسيوف فيكم، ولو قُتل فيكم ما ارتدع ولا رجع عن محبّتكم وولايتكم.

وأرى الناصب على ما هو عليه ممّا وصفته من أفعالهم لو أعطي أحدهم ما بين المشرق والمغرب ذهباً وفضّة أن يزول عن محبّة الطواغيت وموالاتهم إلى موالاتكم ما فعل ولا زال ولو ضربت خياشيمه بالسيوف فيهم، ولو قتل فيهم ما ارتدع ولا رجع، وإذا سمع أحدهم منقبة لكم وفضلًا اشمأزّ من ذلك وتغيّر لونه، ورؤي كراهية ذلك في وجهه؛ تعصّباً لكم ومحبّة لهم.

قال: فتبسّم الباقر (عليه السلام) ثمّ قال: «يا إبراهيم، هاهنا هلكت العاملة الناصبة ﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (4) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ [الغاشية: 4-5]، ومن أجل ذلك قال (عزّ وجلّ): ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: 23]، ويحك يا إبراهيم! أتدري ما السبب والقصّة في ذلك؟ وما الذي قد خفي على الناس منه؟» قلت: يا بن رسول اللَّه، فبيّنه لي واشرحه وبرهنه.

قال: « يا إبراهيم، إنّ اللَّه تبارك وتعالى لم يزل عالماً قديماً، خلق الأشياء لا من شيء، ومن زعم أنّ اللَّه تعالى خلق الأشياء من شيء فقد كفر؛ لأنّه لو كان ذلك الشيء الذي خلق منه الأشياء قديماً معه في أزليّته وهويّته كان ذلك أزليّاً، بل خلق اللَّه (عزّ وجلّ) الأشياء كلّها لا من شيء، فكان ممّا خلق اللَّه (عزّ وجلّ) أرضاً طيّبة، ثمّ فجّر منها ماءً عذباً زلالًا، فعرض عليها ولايتنا أهل البيت فقبلتها، وأجرى ذلك الماء عليها سبعة أيّام حتّى طبّقها وعمّها، ثمّ نضب ذلك الماء عنها، فأخذ من صفوة ذلك الطين طيناً فجعله طين الأئمّة، ثمّ أخذ ثفل (7) ذلك الطين فخلق منه شيعتنا، ولو ترك طينتكم على حالها - يا إبراهيم - كما ترك طينتنا لكنتم ونحن شيئاً واحداً».

قلت: يا بن رسول اللَّه، فما فعل بطينتنا؟

قال: «أخبرك يا إبراهيم، خلق اللَّه (عزّ وجلّ) بعد ذلك أرضاً سبخة خبيثة منتنة، ثمّ فجّر منها ماءً اجاجاً آسناً (8) مالحاً، فعرض عليها ولايتنا أهل البيت فلم تقبلها، فأجرى ذلك الماء عليها سبعة أيّام ثمّ طبّقها وعمّها، ثمّ نضب ذلك الماء عنها، ثمّ أخذ من ذلك الطين فخلق منه الطغاة وأئمّتهم ثمّ مزجه بثفل طينتكم، ولو ترك طينتهم على حالها ولم يمزجها بطينتكم لم يشهدوا الشهادتين، ولا صلّوا ولا صاموا، ولا زكّوا ولا حجّوا ولا أدّوا أمانة، ولا أشبهوكم في الصور، وليس شيء أكبر على المؤمن من أن يرى صورة عدوّه مثل صورته».

قلت: يا بن رسول اللَّه، فما صنع بالطينتين؟

قال: «مزج بينهما بالماء الأوّل والماء الثاني، ثمّ عركها عرك الأديم، ثمّ أخذ من ذلك قبضة فقال: هذه إلى الجنّة ولا أبالي، وأخذ قبضة أخرى وقال: هذه إلى النار ولا أبالي، ثمّ خلط بينهما فوقع من سنخ المؤمن وطينته على سنخ الكافر وطينته، ووقع من سنخ الكافر وطينته على سنخ المؤمن وطينته؛ فما رأيته من شيعتنا من زناً ولواط أو ترك صلاة أو صيام أو حجّ أو جهاد أو خيانة أو كبيرة من هذه الكبائر فهو من طينة الناصب وعنصره الذي قد مزج فيه؛ لأنّ من سنخ الناصب وعنصره وطينته اكتساب المآثم والفواحش والكبائر.

وما رأيت من الناصب ومواظبته على الصلاة والصيام والزكاة والحجّ والجهاد وأبواب البرّ فهو من طينة المؤمن وسنخه الذي قد مزج فيه؛ لأنّ من سنخ المؤمن وعنصره وطينته اكتساب الحسنات واستعمال الخير واجتناب المآثم، فإذا عرضت هذه الأعمال كلّها على اللَّه (عزّ وجلّ) قال: أنا عدل لا أجور، ومنصف لا أظلم، وحَكَم لا أحيف ولا أميل ولا أشطط (9)، ألحقوا الأعمال السيّئة التي اجترحها المؤمن بسنخ الناصب وطينته، وألحقوا الأعمال الحسنة التي اكتسبها الناصب بسنخ المؤمن وطينته، ردّوها كلّها إلى أصلها، فإنّي أنا اللَّه لا إله إلّا أنا، عالم السرّ وأخفى، وأنا المطّلع على قلوب عبادي، لا أحيف ولا أظلم ولا ألزم أحداً إلّا ما عرفته منه قبل أن أخلقه».

ثمّ قال الباقر (عليه السلام): «يا إبراهيم، اقرأ هذه الآية».

قلت: يا بن رسول اللَّه، أيّة آية؟

قال: «قوله تعالى: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ [يوسف: 79] هو في الظاهر ما تفهمونه، وهو واللَّه في الباطن هذا بعينه. يا إبراهيم، إنّ للقرآن ظاهراً وباطناً ومحكماً ومتشابهاً وناسخاً ومنسوخاً».

ثمّ قال: «أخبرني يا إبراهيم عن الشمس إذا طلعت وبدا شعاعها في البلدان، أهو باين من القرص؟»

قلت: في حال طلوعه باين.

قال (عليه السلام): «أليس إذا غابت الشمس اتّصل ذلك الشعاع بالقرص حتّى يعود إليه؟».

قلت: نعم.

قال: «كذلك يعود كلّ شيء إلى سنخه وجوهره وأصله، فإذا كان يوم القيامة نزع اللَّه (عزّ وجلّ) سنخ الناصب وطينته مع أثقاله وأوزاره من المؤمن، فيلحقها كلّها بالناصب، وينزع سنخ المؤمن وطينته مع حسناته وأبواب برّه واجتهاده من الناصب، فيلحقها كلّها بالمؤمن، أفترى هاهنا ظلماً وعدواناً؟»

قلت: لا يا بن رسول اللَّه.

قال (عليه السلام): «هذا - واللَّه - القضاء الفاصل، والحكم القاطع، والعدل البيّن ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: 23]، هذا - يا إبراهيم - ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: 147]، هذا من حكم الملكوت».

قلت: يا بن رسول اللَّه، وما حكم الملكوت؟

قال: «حكم اللَّه وحكم أنبيائه وقصّة الخضر وموسى (عليهما السلام) حين استصحبه فقال: ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ [الكهف: 67 - 68] افهم يا إبراهيم واعقل، أنكر موسى على الخضر واستفظع أفعاله حتّى قال له الخضر: يا موسى، ما فعلته عن أمري، إنّما فعلته عن أمر اللَّه (عزّ وجلّ)، هذا - ويحك يا إبراهيم! - قرآن يُتلى وأخبار تُؤثر عن اللَّه (عزّ وجلّ)، من ردّ منها حرفاً فقد كفر وأشرك وردّ على اللَّه (عزّ وجلّ)».

قال الليثيّ: فكأنّي لم أعقل الآيات - وأنا أقرؤها أربعين سنة – إلّا ذلك اليوم.

فقلت: يا بن رسول اللَّه، ما أعجب هذا! أتؤخذ حسنات أعدائكم فتردّ على شيعتكم، وتؤخذ سيّئات محبّيكم فتردّ على مبغضيكم؟!

قال (عليه السلام): «إي واللَّه الذي لا إله إلّا هو، فالق الحبّة وبارئ النسمة وفاطر الأرض والسماء، ما أخبرتك إلّا بالحقّ، وما أتيتك إلّا بالصدق، وما ظلمهم اللَّه وما اللَّه بظلّام للعبيد، وما أخبرتك لموجود في القرآن كلّه».

قلت: هذا بعينه يوجد في القرآن؟

قال: «نعم، يوجد في أكثر من ثلاثين موضعاً في القرآن، أتحبّ أن أقرأ ذلك عليك؟»

قلت: بلى يا بن رسول اللَّه.

فقال عليه السلام: «قال اللَّه (عزّ وجلّ): ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [العنكبوت: 12 ـ 13]، أزيدك يا إبراهيم؟»

قلت: بلى يا بن رسول اللَّه.

قال: «﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل: 25]، أتحبّ أن أزيدك؟»

قلت: بلى يا بن رسول اللَّه.

قال: «﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: 70]، يبدّل اللَّه سيّئات شيعتنا حسنات، ويبدّل اللَّه حسنات أعدائنا سيّئات، وجلال اللَّه ووجه اللَّه، إنّ هذا لمن عدله وإنصافه، لا رادّ لقضائه ولا مُعقّب لحكمه، وهو السميع العليم، ألم ابيّن لك أمر المزج والطينتين من القرآن؟»

قلت: بلى يا بن رسول اللَّه.

قال (عليه السلام): «اقرأ يا إبراهيم: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [النجم: 32]، يعني من الأرض الطيّبة والأرض المنتنة، ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى﴾ يقول: لا يفتخر أحدكم بكثرة صلاته وصيامه وزكاته ونسكه؛ لأنّ اللَّه (عزّ وجلّ) أعلم بمن اتّقى منكم، فإنّ ذلك من قِبل اللمم، وهو المزاج، أزيدك يا إبراهيم؟»

قلت: بلى يا بن رسول اللَّه.

قال: «﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ * فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: 29 ـ 30]»، يعني أئمّة الجور دون أئمّة الحقّ ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾؛ خُذها إليك يا أبا إسحاق، فواللَّه، إنّه لمن غرر أحاديثنا، وباطن سرائرنا، ومكنون خزائننا، وانصرف ولا تُطْلع على سرّنا إلّا مؤمناً مستبصراً، فإنّك إذا أذعت سرّنا بُليت في نفسك ومالك وأهلك وولدك» (10).

تبصرة:

اعلم أنّ هذا الخبر ونحوه من متشابهات الأخبار، ومعضلات الآثار، التي تحيّرت فيها الأنظار، وتصادمت فيها الأفكار، واختلفت في توجيهها كلمات علمائنا الأبرار، وقد تخرّجوا عمّا يلزم من ظاهرها من الجبر ورفع الاختيار بوجوه:

الأوّل: أنّها أخبار آحاد لا توجب علماً ولا عملًا، فيجب ردّها وطرحها، سيّما وهي مخالفة للكتاب الكريم والسنّة القطعيّة وإجماع الإماميّة والأدلّة العقليّة والبراهين القطعيّة.

وفيه: إنّ هذه الأخبار قد رواها العلماء الأعلام في جوامعهم العظام بأسانيد عديدة، وطرق سديدة، ولا يبعد أن تكون من المتواترات معنى، فلا معنى لطرحها وردّها، بل لا بدّ من توجيهها، وقد رواها ثقة الإسلام في الكافي بطرق شتّى، ومتون عديدة (11)، والشيخ في الأمالي (12)، والبرقي في المحاسن (13)، والصدوق في العلل (14)، وعليّ بن إبراهيم (15)، والعيّاشي (16) في تفسيريهما، والصفّار في بصائر الدرجات (17)، وغيرهم في غيرها، بأسانيد وافرة وطرق متكاثرة.

بل الأولى حينئذٍ أن يقال: إنّ هذه الأخبار متشابهة يجب الوقوف عندها وردّ أمرها وتسليمه إليهم (عليهم السلام)، فإنّ كلامهم (عليهم السلام) كالقرآن ينقسم إلى محكم ومتشابه، كما ورد عنهم (عليهم السلام): «إنّ في أخبارنا متشابهاً كمتشابه القرآن ومحكماً كمحكمه، فردّوا متشابهها إلى محكمها، ولا تتّبعوا متشابهها دون محكمها فتضلّوا» (18).

الثاني: أنّها محمولة على التقيّة؛ لموافقتها لروايات العامّة، ولما ذهب إليه الأشاعرة، وهم جلّهم، ولمخالفتها أخبار الاختيار والاستطاعة المعلومة من طريقتهم (عليهم السلام).

وهذا مشارك لما قبله في الضعف، فإنّ الظاهر من بعضها أنّها من أسرار علومهم وكنوز أسرارهم.

الثالث: أنّها كناية عمّا علمه اللَّه تعالى وقدّره من اختلاط المؤمن والكافر في الدنيا، واستيلاء أئمّة الجور وأتباعهم على أئمّة الحقّ وأتباعهم، وعلم أنّ المؤمنين إنّما يرتكبون الآثام لاستيلاء أهل الباطل عليهم، وعدم تولّي أئمّة الحقّ لسياستهم، فيعذرهم لذلك ويعفو عنهم، ويعذّب أئمّة الجور وأتباعهم بتسبّبهم لجرائم من خالطهم مع ما يستحقّون من جرائم أنفسهم.

الرابع: أنّها كناية عن علمه تعالى بما هم إليه صائرون، فإنّه تعالى لمّا خلقهم مع علمه بأحوالهم فكأنّه تعالى خلقهم من طينات مختلفة؛ ولا يخفى ضعفه.

الخامس: أنّها كناية عن اختلاف استعدادهم وتفاوت قابليّاتهم، وهذا أمر بيّن لا يمكن إنكاره؛ إذ لا شبهة في أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) وأبا جهل ليسا في درجة واحدة من الاستعداد والقابليّة، وهذا لا يستلزم سقوط التكليف، فإنّ اللَّه تعالى كلّف النبيّ (صلى الله عليه وآله) حسبما أعطاه من الاستعداد لتحصيل الكمالات، وكلّف أبا جهل حسبما أعطاه من ذلك، ولم يكلّفه ما ليس في وسعه، ولم يجبره على شيء من الشرّ والفساد.

السادس: أنّ غاية ما يلزم من الخلق من الطينتين الميل والمحبّة لما يقتضيه كلّ منهما من خير وشرّ بالاختيار، وذلك لا يستلزم الجبر، سيّما بعد تصريحه (عليه السلام) بخلط الطينتين الموجب، لتدافع الطبيعتين والوقوف على حدّ الاعتدال، بحيث يصير المؤمن قادراً على السيّئة، والكافر قادراً على الحسنة.

ويؤيّده قوله (عليه السلام) في بعض أخبار هذا الباب: «فقلوب المؤمنين تحنُّ إلى ما خلقوا منه، وقلوب الكافرين تحنّ إلى ما خلقوا منه» (19)، وظاهره أنّ ذلك الخلط والمزج صار سبباً لمجرّد الميل، لا أنّه رفع القدرة والاختيار وصار علّة للإجبار.

ولعلّ الحكمة والمصلحة في مزج الطينتين إظهار قدرته تعالى في إخراج الكافر من المؤمن وبالعكس - دفعاً لتوهّم استنادهم إلى الطبائع - أو ظهور رحمته تعالى في فسّاق المؤمنين بغفران ذنوبهم، أو تعيّش المؤمنين في دولة الكافرين؛ إذ لو لم تكن رابطة الاختلاط ولم يكن لهم رأفة وأخلاق حسنة كانوا كلّهم بمنزلة الشياطين، فلم يتخلّص أحد من بطشهم، أو لوقوع المؤمن بين الخوف والرجاء، حيث لا يعلم أنّ الغالب فيه الخير أو الشرّ، أو رفع العُجب عنه بفعل الطاعات، أو الرجوع إليه تعالى في حفظ نفسه من المعاصي أو غير ذلك من الحِكَم والمصالح التي لا تدركها عقولنا القاصرة وأفهامنا الفاترة.

السابع: ما اعتمده أكثر الأصحاب وعوّلوا عليه في هذا الباب، وهو أنّ ذلك مُنزّل على العلم الإلهيّ، فإنّه تعالى لمّا خلق الأرواح كلّها قابلة للخير والشرّ، وقادرة على فعلهما، وعلم أنّ بعضها يعود إلى الخير المحض وهو الإيمان، وبعضها يعود إلى الشرّ المحض وهو الكفر باختيارها، عاملها هذه المعاملة كالخلق من الطينة الطيّبة أو الخبيثة، فحيث علم اللَّه من (زيد) أنّه يختار الخير والإيمان البتّة ولو لم يخلق من طينة طيّبة، خلقه منها، ولمّا علم من (عمرو) أنّه يختار الشرّ والكفر البتّة خلقه من طينة خبيثة؛ لطفاً بالأوّل وتسهيلًا عليه وإكراماً له؛ لما علم من حسن نيّته وعمله، وبالعكس في الثاني، وعلم اللَّه ليس بعلّة لصدور الأفعال.

وهذا معنى جيّد تنطبق عليه أكثر أخبار الباب ويستنبط من أخبارهم (عليهم السلام)، كما أشير إليه في الحديث المذكور بقوله (عليه السلام) حكاية عنه تعالى: «أنا المطّلع على قلوب عبادي، لا أحيف ولا أظلم ولا ألزم أحداً إلّا ما عرفته منه قبل أن أخلقه»، ويستفاد ذلك من أخبار أخر ذكرها يفضي إلى التطويل.

الثامن: أنّ اللَّه سبحانه وتعالى لمّا خلق الأرواح قبل خلق الأبدان في عالم الذرّ وكلّفها بتكليف حين تجرّدها، أجّج لها ناراً وأمرها بالدخول إليها والاقتحام فيها، فامتثل بعضها وبادر إلى الإطاعة، فكانت عليه برداً وسلاماً، وأبى بعضها ولم يمتثل، فندم وخسر، ثمّ طلب الرجوع مرّة أخرى، فأبى ولم يمتثل أيضاً، فقامت هناك الحجّة، وثبتت المحجّة، وتحقّق الإيمان والكفر بالإطاعة والعصيان قبل استقرار الأرواح في الأبدان، ووقع معلوم اللَّه تعالى مطابقاً لعلمه، فخلق تعالى للأرواح المطيعة مسكناً مناسباً لها - وهو البدن - من طينة علّيّين، وخلق للأرواح العاصية مسكناً من طينة سجّين، كما خلق تعالى للمؤمن جنّة وللكافر ناراً، وذلك ليستقرّ كلّ واحد فيما يناسبه، ويعود كلّ جزء إلى كلّه، وكلّ فرع إلى أصله.

فظهر أنّ الخلق من الطينتين تابع للإيمان والكفر، ومسبّب عن العمل دون العكس، فلا يلزم الجبر ولا ينافي الاختيار، ألا ترى أنّ اللَّه تعالى لمّا علم أنّ بين النبيّين والمؤمنين اتّصالًا من وجه وانفصالًا من وجه آخر -؛ لأنّ المؤمنين يوافقونهم في العقائد ويخالفونهم أحياناً في الأعمال؛ لصدور المعصية منهم - خلق قلوب المؤمنين من طينة النبيّين، وخلق أبدانهم من دون ذلك؛ لانحطاط درجتهم وشرفهم، فوضع كلّاً في درجته.

وإنّك إذا قرّرت لعبدك المطيع بيتاً شريفاً ولعبدك العاصي بيتاً وضيعاً صحّ ذلك عقلًا وشرعاً، ولا يصفك عاقل بالظلم والجور؛ إذ الظلم وضع الشيء في غير موضعه، وهو يلزم لو انعكس الأمر أو وقع التساوي، فبان أنّ الخلق من طينتين علّيّين وسجّين، تابع للطاعة والمعصية والإيمان والكفر دون العكس.

التاسع: ما صار إليه المحدّث المحقّق الكاشانيّ في الوافي حيث قال - بعد إيراد الخبر المذكور باختلافٍ يسير في ألفاظه - ما نصّه: جملة القول في بيان السرّ فيه: أنّه قد تحقّق وثبت أنّ كلّا من العوالم الثلاثة له مدخل في خلق الإنسان وفي طينته ومادّته من كلّ حظّ ونصيب، فلعلّ الأرض الطيّبة كناية عمّا له في جملة طينته من آثار عالم الملكوت، الذي منه الأرواح المثاليّة والقوى الخياليّة الفلكيّة المعبّر عنها بـ« المدبّرات أمراً»، والماء العذب عمّا له في طبيعته من إفاضات عالم الجبروت، الذي منه الجواهر القدسيّة والأرواح العالية المجرّدة عن الصور المعبّر عنها بـ«السابقات سبقاً»، والأرض الخبيثة عمّا له في طينته من أجزاء عالم الملك، الذي منه الأبدان العنصريّة المسخّرة تحت الحركات الفلكيّة المسخّرة لما فوقها، والماء الأجاج المالح الآسن عمّا له في طينته من تهييجات الأوهام الباطلة والأهواء المموّهة الرديّة، الحاصلة من تركيب الملك مع الملكوت ممّا لا أصل له ولا حقيقة.

ثمّ الصفوة من الطينة الطيّبة عبارة عمّا غلب عليه إفاضة الجبروت من ذلك، والثفل منه ما غلب عليه أثر الملكوت، وكدورة الطين المنتن الخبيث عمّا غلب عليه طبائع عالم الملك وما يتبعه من الأهواء المضلّة.

وإنّما لم يذكر نصيب عالم الملك للأئمّة (عليهم السلام) مع أنّ أبدانهم العنصريّة منه؛ لأنّهم لم يتعلّقوا بهذه الدنيا ولا بهذه الأجساد تعلّق ركون وإخلاد، فهم وإن كانوا في النشأة الفانية بأبدانهم العنصريّة، ولكنّهم ليسوا من أهلها كما مضى بيانه. قال الصادق (عليه السلام) في حديث حفص بن غياث: «يا حفص، ما أنزلت الدنيا من نفسي إلّا بمنزلة الميتة إذا اضطررت إليها أكلت منها»، فلا جرم نفضوا أذيالهم منها بالكلّيّة إذا ارتحلوا عنها، ولم يبقَ معهم منها كدورة.

وإنّما لم يذكر نصيب الناصب وأئمّة الكفر من إفاضة عالم الجبروت مع أنّ لهم منه حظّ الشعور والإدراك وغير ذلك؛ لعدم تعلّقهم به ولا ركونهم إليه، ولذا تراهم تشمئزّ نفوسهم من سماع العلم والحكمة، ويثقل عليهم فهم الأسرار والمعارف، فليس لهم من ذلك العالم « ﴿...إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [الرعد: 14]»، ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: 19]، فلا جرم ذهب عنهم نصيبهم من ذلك العالم حين أخلدوا إلى الأرض واتّبعوا أهواءهم.

فإذا جاء يوم الفصل وميّز اللَّه الخبيث من الطيّب ارتقى من غلب عليه إفاضات عالم الجبروت إلى الجبروت وأعلى الجنان، والتحق بالمقرّبين، ومن غلب عليه آثار الملكوت إلى الملكوت ومواصلة الحور والولدان، والتحق بأصحاب اليمين، وبقي من غلب عليه الملك في الحسرة والثبور والهوان والتعذيب بالنيران؛ إذ فرّق الموت بينه وبين محبوباته ومشتهياته؛ فالأشقياء وإن انتقلوا إلى نشأة من جنس نشأة الملكوت خلقت بتبعيّتها بالعرض، إلّا أنّهم يحملون معهم من الدنيا من صور أعمالهم وأخلاقهم وعقائدهم ممّا لا يمكن انفكاكهم عنه ممّا يتأذّون به، ويعذّبون بمجاورته من سموم وحميم وظلّ من يحموم، ومن حيّات وعقارب ذوات لدغ وسموم، ومن ذهب وفضّة كنزوها في دار الدنيا ولم ينفقوها في سبيل اللَّه، واشرب في قلوبهم محبّتها  ﴿فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: 35]، ومن آلهة يعبدونها من دون اللَّه من حجر أو خشب أو حيوان أو غيرها ممّا يعتقدون فيه أنّه ينفعهم، وهو يضرّهم؛ إذ يقال لهم:  ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: 98].

وبالجملة، المرء مع من أحبّ، فمحبوب الأشقياء لمّا كان من متاع الدنيا الذي لا حقيقة له ولا أصل، بل هو متاع الغرور، فإذا كان يوم القيامة وبرزت حواقُّ الأمر وكسد متاعهم وصار لا شيئاً محضاً، فيتألّمون بذلك، ويتمنّون الرجوع إلى الدنيا التي هي وطنهم المألوف؛ لأنّهم من أهلها، ليسوا من أهل النشأة الباقية؛ لأنّهم رضوا بالحياة الدنيا واطمأنّوا بها، فإذا فارقوها عُذِّبوا بفراقها في نار جهنّم بأعمالهم التي أحاطت بهم.

وجميع المعاصي والشهوات يرجع إلى متاع هذه النشأة الدنيويّة ومحبّتها، فمن كان من أهلها عُذِّب بمفارقتها لا محالة، ومن ليس من أهلها، وإنّما ابتلي بها وارتكبها مع إيمان منه بقبحها أو خوف من اللَّه سبحانه في إتيانها، فلا جرم يندم على ارتكابها إذا رجع إلى عقله وأناب إلى ربّه، فتصير ندامته عليها والاعتراف بها وذلّ مقامه بين يدي ربّه حياءً منه تعالى سبباً لتنوير قلبه، وهذا معنى تبديل سيّئاتهم حسنات.

فالأشقياء إنّما عُذِّبوا بما لم يفعلوا لحنينهم إلى ذلك، وشهوتهم له، وعقد ضمائرهم على فعله دائماً إن تيسّر لهم؛ لأنّهم كانوا من أهله ومن جنسه ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام: 28]، والسعداء إنّما لم يخلدوا في العذاب ولم يشتدّ عليهم العقاب بما فعلوا من القبائح؛ لأنّهم ارتكبوا على كره من عقولهم وخوف من ربّهم؛ لأنّهم لم يكونوا من أهلها ولا من جنسها، بل أثيبوا بما لم يفعلوا من الخيرات لحنينهم إليه وعزمهم عليه وعقد ضمائرهم على فعله دائماً إن تيسّر لهم، فإنّما الأعمال بالنيّات، وإنّما لكلّ امرئٍ ما نوى، وإنّما ينوي كلّ ما يناسب طينته وتقتضيه جبلّته، كما قال اللَّه سبحانه:  ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: 84]، ولهذا ورد في الحديث أنّ كلّاً من أهل الجنّة والنّار إنّما يخلدون فيما يخلدون على نيّاتهم.

وإنّما يعذّب بعض السعداء حين خروجهم من الدنيا بسبب مفارقة ما مزج بطينتهم من طينة الأشقياء ممّا أنسوا به قليلًا وألفوه بسبب ابتلائهم به ما داموا في الدنيا.

وروى الصدوق رحمه الله في اعتقاداته مرسلًا أنّه لا يصيب أحداً من أهل التوحيد ألم في النار إذا دخلوها، وإنّما تصيبهم الآلام عند الخروج منها، فتكون تلك الآلام جزاءً بما كسبت أيديهم، وما اللَّه بظلّام للعبيد (20). انتهى كلامه، رفع مقامه.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ما بين المعقوفتين أثبتناه من نسخة «ر».

(2) ما بين المعقوفتين أثبتناه من نسخة «ر».

(3) ما بين المعقوفتين أثبتناه من نسخة «ر».

(4) علامة لتحويل السند وبيان طريق آخر له.

(5) ما بين المعقوفتين أثبتناه من نسخة «ر».

(6) أي لا تملّ، وهو استفعال في حسر، إذا أعيا وتعب. انظر: مجمع البحرين، ج 3، ص 267 (حسر).

(7) الثفل: ما سَفَل من كلّ شيء. الصحاح، ج 4، ص 1646 (ثفل).

(8) الأجاج: الملح المُرّ. لسان العرب، ج 2 ص 207 (أجج) والآسن: المتغيّر ريحه. لسان العرب، ج 13، ص 16(أسن).

(9) شطَطَ: جار في الحكم. القاموس المحيط، ج 1، ص 909(شطط).

(10) علل الشرائع، ج 2، 606 - 610، ح 81؛ عنه في بحار الأنوار، ج 5، ص 228 - 233، ح 6؛ ج 64، ص 102 - 108، ح 21.

(11) الكافي، ج 2، ص 2، باب طينة المؤمن والكافر.

(12) الأمالي، للطوسي، ص 149، المجلس 5، ح 244؛ وص 308، المجلس 11، ح 620.

(13) المحاسن، ج 1 ص 229، باب اختلاط الطينتين.

(14) علل الشرائع، ج 2، ص 489 و606.

(15) تفسير القمي، ج 1، ص 383.

(16) تفسير العيّاشي، ج 2 ص 164 - 165.

(17) بصائر الدرجات، ص 34.

(18) عيون الأخبار، ج 2، ص 261.

(19) الكافي، ج 2، ص 2، باب طينة المؤمن والكافر، ح 1؛ علل الشرائع، ج 1، ص 82، ح 2؛ الاختصاص، ص 24، ح 4؛ بحار الأنوار، ج 5، ص 239، ح 18.

(20) الوافي، ج 4، ص 51 - 54.

 

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

الاكثر قراءة في أحاديث وروايات مختارة

اخر الاخبار

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد