للدعاء ثلاث درجات هي:
1. الدعاء بلسان الاستعداد وهو ما يمتلك أثرا بالغا بالتأكيد إذ عندما يمتلك الموجود الاستعداد المطلوب لتقبل الكمال والفيض فإن الفاعل (وهو الله عز وجل) لن يبخل ولن يمسك بل سيؤتي كل موجود ما يرغب وذلك بحسب استعداده وقابليته: (قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ[1]).
وقد ورد حول هذا الجزء من الدعاء قوله تعالى: (يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ[2])، وكذلك قوله سبحانه: (وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ[3])، أي: أن الله عز وجل قد أعطاكم كل شيء سألتموه بلسان الاستعداد فيما رد سبحانه معظم الادعية التي قيلت بلسان المقام لا الاستعداد. تذكير :إذا كان السؤال بلسان الاستعداد التام فإن حرف الجر من في قوله تعالى: (وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ) ليس للتبعيض ولو لا ذلك لتضمن معنى التبعيض.
2. الدعاء بلسان الحال وهو أدنى مرتبة من الدعاء بلسان الاستعداد ويرى البعض أن الحال هو اللاستعداد نفسه إذ تمر بالشخص أحيانا مسألة الحال والاستعداد المرحلي والزائل ويتوجه قلبه الى الله مخلصا حيث يكون دعاؤه في هذه الحالة مستجابا وكما هو الحال في الدعاء بلسان الاستعداد فإن الدعاء اللفظي في هذا القسم لا يعد ضروريا وفيه يتصف المرء بالخضوع والخشوع والطلب واللجوء وما شابه ذلك حيث يطلب الشخص في هذه الحالة من ربه ما يناسب حالته الخاصة وإن لم يكن استعداده قد بلغ النصاب التام المطلوب.
3. الدعاء بلسان المقال وتأثير مثل هذا الدعاء ليس كالدعاء في الدرجتين الاوليتين رغم احتفاظه بصبغته العبادية: الدعاء مخ العبادة[4].
تجدر الاشارة هنا الى أن الدعاة ليسوا متساوين وهو مانوّه اليه رسول الله ﷺ في حديثه مع أبي ذر قدس سره قائلا: يا أبا ذر يكفي من الدعاء مع البر ما يكفي الطعام من الملح[5]، أي: اسمع الى أن يكون لسان دعائك لسان استعداد، بحيث يؤثر في الحال بمجرد تأوهك[6]، وحاول أن تزيد من نسبة استعدادك إذ سيكون دعاؤك مستجابا بقليل من الدعاء ولو بلسان المقال بدلا من قليل من الاستعداد وقصور في الحال وزيادة في السؤال فإن ذلك لن يغير من الامور شيء.
ويكون الدعاء إما زمانيا أو نفسيا وأحيانا مقدمة في أي لسان من الالسنة أي: أن هناك فرقا بين القراءة (التلاوة) والطلب (الارادة) وإن كان الدعاء يتضمن الطلب على أية حال.
وتوضيح ذلك هو: إن الطلب أحيانا يكون لمجرد شهود أو رؤية المدعو، وفي هذه الحالة يقوم الداعي بدعوة المدعو من أجل مشاهدته وفي أحيان اخرى يكون الطلب شيئا آخر حيث يدعو الداعي للشفاء أو لشيء آخر ولهذا فإن الدعاء الذي يكون معنى القراءة وجذب انتباه المدعو تارة أو الجذب الانتباه حيث يطالب الانسان بلقاء المدعو تارة أخرى أو يكون جذب انتباه المدعو كمقدمة لبيان طلبه في أحيان اخرى فيدعو الله سبحانه ليهتم بالسائل ويسأله عما يريد ثم يقوم الداعي ببيان طلبه ومثل هذا الدعاء وهذه القراءة تمثلان مقدمة لسؤال وطلب وهو ما ترمي اليه الاية الشريفة: (يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا[7]).
ولعل الشاهد الابرز على درجة قراءة الدعاء الذي يعد سؤالا خاصا ويكون الطلب فيه هو مجرد مشاهدة المدعو هو دعاء سيدنا موسى عليه السلام عندما قال: (رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ[8])، أو الدعاء القائل: اللهم إني أسآلك من جمالك بأجمله وكل جمالك جميل[9]. وقد يكون مطلب هذا النوع من الدعاء هو العثور على جمال المطلوب ومشاهدته كما ورد في جمال الرجال في قولهم: جمال الرجال في عقولهم[10].
[6] الأوّاه الذي يُكثر التأوه وهو أن يقول: أوه؛ وكل كلام يدل على حزن: تأوه، ويُعَبر بالأوّاه عَمَّن يُظهر خشية الله». التوقيف على مهمات التعاريف خلوف بن محمد: 1 / 102، فصل الواو)؛ وأَوَّهَ فلانٌ وأُمَّةَ، إذا توجّع فقال: آءِ، أو قال: هاه عند التوجع فأَخْرَجَ نَفْسَهُ بهذا الصوت ليتفرج عَنْهُ ما بِهِ؛ والأواهُ: الدّعاء للخير». (كتاب العين: 1 / 285).
[10] بحار الأنوار: 100 / 224 .