أثر التغرير في زواج العاجز عن المعاشرة الزوجية فقهاً
المؤلف:
احتفال ثامر احمد العنزي
المصدر:
اثر العجز عن المعاشرة الزوجية في مسائل الأحوال الشخصية
الجزء والصفحة:
ص 38-43
2026-07-04
43
إذا غرر الرجل بالمرأة وأخفى عيبه فلا شك أن لها طلب الفرقة بالفسخ أو التفريق أما إذا غررت المرأة أو وليها بالرجل وأخفوا حالة عجزها فهل يحق للزوج طلب التفريق وإعطائه الحق بالمطالبة بالتعويض ؟ لم يتطرق الفقهاء إلى مسألة التعويض وإنما تحدثوا إلى مسألة رجوع الزوج بالمهر الذي دفعه على قولين:
- القول الأول : ذهب إليه الحنفية والشافعية وهو بوجه عام عدم رجوع الزوج على من غره في إخفاء عيب الزوجة مع الاختلاف في التفاصيل.
فقد ذهب الحنفية إلى أن الرجل إذا تزوج بالمرأة على مهر مسمى ثم وجد بها عيباً أو كان بها عيب فإن النكاح جائز ، ولا يرد في النكاح من عيب وإن عظم وكبر (1)؛ لأن الزوج قادر على دفع الضرر عن نفسه بالطلاق، ويمكنه أن يستمتع بغيرها (2)، ولا يرجع على من غره بالمهر.
أما الشافعية (3) ، فإنهم أجازوا الفسخ بعيب الزوجة وفي مسألة الرجوع بالمهر على من غره التفصيل الآتي:
1- إذا تم فسخ عقد الزواج بعيبها قبل الدخول فإن المهر يسقط.
2- إذا فسخ العقد بعيب الزوجة بعد الدخول فإن الزوج لا يعود بالمهر على من غر به. - إذا حدث العيب بعد العقد والوطء، فإنها تستحق المهر المسمى كاملاً، ولا يرجع على من غر به؛ لانتفاء التدليس.
- القول الثاني : ذهب المالكية والحنابلة والجعفرية إلى حق الزوج بالرجوع على من غره بالزواج من امرأة فيها عيب.
إذ فرق المالكية فيما إذا كان الغار هي المرأة وبين أن يكون الولي، فإن كانت الزوجة هي الغارة (التي غررت به ) فإنه يرجع عليها بالمهر ويترك لها منه شيئاً جبراً لكسرها وإن كان الولي هو الذي غرر به فلا يترك له شيئاً، كذلك لم يفرقوا بين عيوب المرأة وعيوب الرجل فيما يخص الرد بالعيوب، إذ جاء في شرح المختصر : وأما" داء الفرج فتُرَدُّ به المرأة؛ لأنه يمنع الوطء، وقال أيضاً فإذا كان بها هذه الأدواء فإنه يردُّها، ولا مهر عليه إن لم يطا؛ لأنه دخل على السلامة ولم يدخل على العيب فليس عليه المهر، فإن وطئ بعد علمه بهذه الأدواء، أو استمتع بها ما يكون من الاستمتاع، فعليه المهر المسمى، أو مهر المثل إن لم يسم؛ لأنه قد رضي بالنكاح مع العيوب التي فيها، كما يرضى بالسلعة إذا اشتراها وبها عيب إذا علم به، فليس له ردّها، فإن وطئ قبل أن يعلم بالعيب، فله أن يرجع بالمهر على من غره، فإن كانت المرأة هي الغارة، ترك لها ربع دينار، وإن كان الولي هو الغار، لم يترك له شيئاً (4).
وقال الحنابلة إن أي الزوجين وجد بصاحبه جنوناً أو جذاماً أو برصاً أو كانت المرأة رتقاء أو قرناء أو عفلاء أو فتقاء أو الرجل مجبوباً، فلمن وجد ذلك منهما بصاحبه الخيار في فسخ النكاح وإذا فسخ النكاح قبل المسيس فلا مهر وإن كان بعده وادعى أنه ما علم وحلف كان له أن يفسخ وعليه المهر يرجع به على من غره (5).
وأما الجعفرية فقد جاء في المسألة (988) في الكتب الفتوائية للسيستاني: "إذا فسخ الرجل بأحد عيوب المرأة فإن كان الفسخ بعد الدخول استحقت المرأة تمام المهر وعليها العدة كما في الطلاق، وإن كان الفسخ قبله لم تستحق شيئاً ولا عدّة عليها، هذا إذا لم يكن تدليس، وأما مع التدليس - المتحقق بتوصيف المرأة للرجل عند إرادة الزواج بالسلامة من العيب مع العلم به، أو بالسكوت عن بيان العيب ممن عليه البيان مع إقدام الزوج بارتكاز السلامة منه فإن كان المدلس، نفس المرأة لم تستحق المهر إذا اختار الرجل الفسخ، وإن اختار البقاء فعليه تمام المهر لها، وإن كان المدلس غير الزوجة فالمهر المسمّى يستقر على الزوج بالدخول، ولكن يحق له بعد دفعه إليها أن يرجع به على المدلس، وإذا فسخت المرأة بعيب الرجل استحقت تمام المهر إن كان بعد الدخول، وإن كان قبله لم تستحق شيئاً، إلا في العنن فإنها تستحق عليه فيه نصف المهر المسمى (6).
بعد استقراء أقوال المذاهب في مسألة التغرير يتضح أن جمهور الفقهاء قد اتفقوا على ثبوت حق الفسخ في حال التغرير بعيب يمنع المعاشرة الزوجية، غير أنهم اختلفوا في مدى أحقية الزوج بالرجوع على الغار ،بالمهر، فذهب الحنفية والشافعية إلى عدم رجوعه بالمهر، في حين رأى المالكية والحنابلة والجعفرية ثبوت الرجوع على الغار سواء كانت الزوجة أو وليها، مع بعض الفوارق في مقدار المهر وحالة الدخول.
والرأي الذي يذهب إلى عدم ضمان الغار للمهر - كما عند الحنفية والشافعية – يقوم على اعتبار أن الزوج يملك دفع الضرر عن نفسه بالطلاق، وأنّ النكاح من العقود المغلظة التي يترتب عليها من الآثار ما يختلف عن سائر المعاملات، إلا أنّ هذا التكييف لا يخلو من نظر، إذ إنّ قاعدة ( الغُرور يوجب الضمان) (7) من القواعد الكلية المقررة في الفقه، والتي تقتضي تحميل الغار مسؤولية ما ترتب على تدليسه من ضرر، ولا سيما أن المهر في هذه الحالة دفع بعقد قائم على سلامة الزوجة من العيب.
وبناءً على ذلك، فإن ما ذهب إليه المالكية والحنابلة والجعفرية من القول برجوع الزوج بالمهر على من غره، هو الأقرب لمقاصد الشريعة وقواعدها العامة؛ لأنه يحقق العدالة في توزيع الآثار ويمنع استغلال أحد الطرفين لحقه في الإخفاء أو التدليس، كما أن فيه تحقيقا لقاعدة (لا ضرر ولا ضرار ) (8)، وردعاً عن التغرير في عقود الزواج التي تقوم على الشفافية والأمانة، ونحن مع الرأي الذي يقول برجوع الزوج على من غرر به بوجه عام (المدلس) كما هو عند الجعفرية.
ومما تجدر الإشارة إليه هو أن التعويض بمفهومه الحالي كان معروفاً عند الفقهاء المسلمين القدامى وأصحاب المذاهب المشهورة، لكن بتسميات مختلفة كالضمان (9) والغرم وكان رأي جمهور الفقهاء المسلمين برجوع المغرور على الغار بما غُرم به، هو عقوبة تعزيرية مالية متمثلة بالتعويض المالي الذي أداه الزوج في تلك الزيجة؛ لأن فيه جبر للضرر الذي قد يصيب الزوج، وخاصة أنه لا يحق له الفسخ بعيوب الزوجة عند بعض الفقهاء، وبناءً عليه يتبين ما يأتي:
1- إن التغرير من الأفعال المحرمة شرعاً ويدخل في باب الغش فهو موجب للتعزير وفيه موجب للتعويض.
2- وجوب التعويض عن الضرر المادي الذي ترتب على التغرير في النكاح؛ من تكاليف الزواج ومصاريف إقامة العرس وخاصة فيما يفرضه العرف في الوقت الحالي.
3- كذلك أن قاعدة ( الغار ضامن ) في المعاملات بالإمكان القياس عليها عند النكاح؛ لأن معنى القاعدة متضمن في أن الغار يتحمل مسؤولية التغرير بالمغرر به؛ لأنه قد يتسبب له بإتلاف مال أو يكون سبباً لمساعدة آخر على إتلاف ما لغيره إذ لا يقتصر مضمون هذه القاعدة في باب المعاوضات فقط بل لها من الفروع في أبواب فقهية أخرى مثل باب الزواج، فلقد سئل أحمد بن حنبل : (شخص عقد النكاح على امرأة وهو لا يملك المال وليس للمرأة علم بذلك يتم التفريق بينهما ؟ قال لا، إلا أن تعمد القول لها بقوله عندي من المال والتجارة كذا وكذا تسبب التغرير بها ). يتضح لنا أن المعنى الإجمالي للقاعدة وهو أن كل غار قد يتسبب في إلحاق الأذى للمغرور والذي قد يتبع كلامه ويعمل على ما طلبه منه دون تردد لثقته به وحسن نيته فلذلك يلزم منه الحاق الضرر بالمغرور فإن حصل غرم رجع المغرر به على الغار (10).
إذن من حق ولي الأمر أن يفرض عقوبة تعزيرية على الغار (الرجل أو المرأة) جبراً للضرر المتحقق تعويضاً إضافياً يختلف عن المهر، وذلك لما تكبده الزوج المغرر به من تكاليف ومصاريف الخطبة والزواج، كذلك الزوجة لما أصابها من ضرر مادي أو معنوي.
__________
1- أبو عبد الله محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني، الأصل، ج10، ط1، دار ابن حزم، بیروت، 1433هـ / 2012م،ص 243.
2- عثمان بن علي الزيلعي الحنفي، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشلبي، ج3، ط1، المطبعة الكبرى الأميرية، بولاق - القاهرة، 1314هـ ، ص25.
3- أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي روضة الطالبين وعمدة المفتين، ج 7، ط3، المكتب الإسلامي، بيروت - دمشق - عمان، 1991م، ص181 182؛ د. وهبة الزحيلي الفقه الإسلامي وأدلته، ج 9، ط4 ، دار الفكر، سورية دمشق ، ص 7057.
4- أبو بكر محمد بن عبد الله المالكي الأبهري، شرح المختصر الكبير لابن عبد الحكم، ج1، ط1، جمعية دار البر بدبي، 1422هـ / 2020م، ص 662 .
5- أبو القاسم عمر بن الحسين بن عبد الله الخرقي متن الخرقي على مذهب أبي عبد الله أحمد بن حنبل، بدون طبعة دار الصحابة للتراث، 1413هـ / 1993م، ص 104.
6- الموقع الإلكتروني: /13/656/https://www.sistani.org/arabic/book تاريخ الزيارة : 2025/4/22
7- أحمد بن الشيخ محمد الزرقا ، شرح القواعد الفقهية، ط 2 ، دار القلم، دمشق - سوريا، 1409هـ/1989م، ص 183.
8- أحمد بن الشيخ محمد الزرقا ، شرح القواعد الفقهية، ط 2 ، دار القلم، دمشق - سوريا، 1409هـ/1989م، ، ص 1165.
9- علاء الدين أبو بكر بن مسعود الكاساني الحنفي، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، ج2، ط1، مطبعة شركة المطبوعات العلمية، مصر، (1327 - 1328هـ ) ، ص 334؛ شمس الدين أبو عبد الله المغربي الحطاب، مواهب الجليل في شرح مختصر خليل، ج 4، ط3 ، دار الفكر ، 1412هـ / 1992م ، ص 333؛ أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي روضة الطالبين وعمدة المفتين، ج 17، ط3، المكتب الإسلامي، بيروت - دمشق - عمان، 1991م ، ص 347؛ محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بأبن قدامة المقدسي المغني، ج 7، مكتبة القاهرة، بدون طبعة، 1388هـ/ 1968م ص 149.
10- د. سعيد سليمان العقيد النقبي، قاعدة الغار ضامن وتطبيقاتها في وسائل التواصل الاجتماعي، بحث منشور في جامعة الشارقة الصراط، مجلد 26 ، العدد (1) جويلية، 2024م، ص 229-458.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في قانون الاحوال الشخصية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة