مدخل إلى الإعلام التربوي:
إن العلاقة بين الإعلام والتربية علاقة قوية وفعالة وديناميكية بين طبيعة وقوة ووظائف المؤسسات الإعلامية والتربوية، فكلاهما من أهم مؤسسات التنشئة المتكاملة للنشئ، بل يعدان من أهم مؤسسات التنشئة للفرد من بداية حياته وطوال عمره، فالعلاقة بين التربية والإعلام علاقة ترابطية تعادلية قوية، فترابطهما وقوتهما يؤديان إلى النمو الثقافي ونتائج إيجابية في الفكر والتربية والتنشئة الاجتماعية.
إن العلاقة القوية والمتكاملة بين الإعلام والتربية تجعلنا نقول إن العملية الإعلامية في بعض جوانبها عملية تربوية وأن العملية التربوية هي أيضاً في بعض جوانبها عملية إعلامية، فالتربية في جوهرها عملية اتصال وعملية توجيهية والإعلام كذلك، فكلاهما يتعامل مع أفراد المجتمع ويهدف إلى خدمتهم من خلال التعاون بينهما في إطار قيم المجتمع وثقافته.
ومن هذه العلاقة القوية بين الإعلام والتربية تولد علم "الإعلام التربوي"، والذي أصطلح عليه في بدايته على أنه يشمل الواجبات التربوية لوسائل الإعلام العامة، بحيث تقدم وسائل الإعلام محتوى داخل إطار ملتزم بأهداف التربية في المجتمع، وبقيم المجتمع الخلقية، فالإعلام التربوي يُعد استثماراً لوسائل الإعلام والاتصال من أجل تحقيق أهداف التربية في ضوء السياستين التعليمية والإعلامية للدولة.
إن الإعلام التربوي مصطلح جديد نسبياً، ظهر في أواخر السبعينات عندما استخدمته المنظمة الدولية للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) للدلالة على التطور الذي طرأ على نظم المعلومات التربوية وأساليب توثيقها وتصديقها والإفادة منها، وذلك أثناء انعقاد الدورة السادسة والثلاثين للمؤتمر الدولي للتربية عام 1977م ومع التطور التقني الهائل الذي طرأ على وسائل الإعلام في العقود الثلاثة الماضية من خلال تقنية البث القضائي عبر الأقمار الصناعية تطور مفهوم ومعنى الإعلام التربوي ليشمل الواجبات التربوية لوسائل الإعلام العامة المتمثلة في السعي لتحقيق الأهداف العامة للتربية في المجتمع والالتزام بالقيم الأخلاقية.
والإعلام التربوي عندما ظهر كان يعنى توصيل أخبار ومعلومات تتعلق بالمجال التربوي بقصد إحداث تأثير أو تغيير في سلوك المستفيدين من العملية التربوية من طلبة المدارس والجامعات والمعاهد والأساتذة والعمال، وقد يكون الإعلام التربوي داخل المؤسسة التعليمية بحيث يقوم به ويُشرف عليه العاملون في تلك المؤسسات من طلبة وأساتذة، أو قد يكون خارج المؤسسات التعليمية أي موجهاً من قبل إدارات الإعلام في وزارة التربية والتعليم العالي والبحث العلمي إلى المؤسسات التعليمية والقائمين عليها وطلابها.
الإعلام التربوي عملية نشر وتقديم معلومات وحقائق وأخبار وموضوعات ووثائق صادقة ودقيقة للمجتمع المدرسي من طلاب وأساتذة وعمال عبر وسائل الإعلام المدرسي من صحافة وإذاعة مدرسية وتليفزيون ومسرح مدرسي بهدف السمو بمشاعرهم وعواطفهم والارتقاء بمستواهم الفكري والثقافي وتنمية القيم الروحية والاجتماعية لبناء شخصياتهم، وإتاحة الفرصة أمامهم للمشاركة وإبداء الرأي وتزويدهم بعناصر معرفية جديدة ومساعدتهم على مواجهة الأحداث الجارية حولهم محلياً ودولياً، وتشخيص وعلاج مشكلاتهم الخاصة والمدرسية بما يحقق لهم التوافق التربوي.
فالإعلام التربوي يعمل على تنمية مهارات الطالب أثناء الدراسة من خلال اشتراكه في نشاطاته المدرسية من صحافة وإذاعة مدرسية، وتليفزيون ومسرح مدرسي والمناظرات... إلخ، من أجل اكتشاف الطلاب ذوي الابتكارات المميزة بما يمكن من إعدادهم واستثمار قدراتهم في المستقبل، وأن يُصبح لديهم مهارات مميزة في مجالات الإعلام بصفة عامة، واختيار النشاطات التي تناسب ميولهم ومواهبهم وشخصياتهم في المستقبل، ويتم ذلك من خلال المتخصصين في الإعلام التربوي.
الإعلام التربوي يعني القيم التربوية والأخلاقية في الرسالة الإعلامية، كما يعني البيانات الخاصة بالعملة التربوية وطرق جمعها وفهرستها ونشرها، كما يعني مجموعة البرامج المقدمة من خلال الوسائل التعليمية المختلفة، أيضاً يعني استخدام كافة الأساليب التكنولوجية الحديثة في وسائل الاتصال "المنشورة - المسموعة - المرئية" للتوعية من خلال الآراء والمعلومات والخبرات والمعتقدات والاتجاهات التي تمس النواحي التربوية والعلمية والثقافية والاجتماعية وكل ذلك من خلال الاتصال الجماهيري أو الاتصال الشخصي بأي من وسائل الاتصال الحديثة المسموعة أو المرئية أو المقروءة.
ويمكننا أن نستخلص مما سبق أن الأعلام التربوي أصبح في عصرنا الحالي ذو أهمية كبيرة جداً للمجتمعات تنبع من أهمية التربية والتعليم وأهدافها في أي مجتمع، فلا يمكن لأي مجتمع أن ينهض ويتقدم بدون الاهتمام بالقيم والأهداف التربوية الأصلية له، أو بدون الاهتمام بمجال التعليم والذي يُعد مؤشراً رئيسياً على تقدم أي مجتمع ورقيه، فالإعلام التربوي هو الإعلام الذي يعمل على بث القيم والأهداف التربوية الأصلية في المجتمع من خلال وسائلة العامة والمتخصصة، وتوظيفها في خدمة مجال التعليم الذي يعد السبيل الوحيد لتقدم المجتمع ورقية.