الجهاز التنفسي في الحشرات The respiratory system
تُعرف عملية التنفس (Respiration) بأنها عملية تبادل الغازات بين الكائن الحي والوسط الذي يعيش فيه. وتتضمن عملية التنفس عموماً طوراً كيميائياً وآخر فيزيائياً أو طبيعياً . ويتمثل الطور الكيميائي في أكسدة نواتج الاستقلاب الهضمي داخل أنسجة الجسم وينتج عن ذلك غاز ثاني أوكسيد الكربون والماء، بينما يتمثل الطور الفيزيائي أو الطبيعي في تمرير غاز الأوكسجين وتوصيله إلى الأنسجة والتخلص من غاز ثاني أوكسيد الكربون. ومجموعة الأعضاء الخاصة التي تشترك في عملية التبادل الغازي بين البيئة ودم أو خلايا الجسم في الحيوان تعرف بالجهاز التنفسي (The Respiratory System) . وتتميز الحشرات بامتلاكها لجهاز تنفس خاص ذي كفاءة عالية ويختلف عما هو في الفقاريات . فبدلاً من انتقال الأوكسجين إلى خلايا الجسم عن طريق الدم فإنه ينتقل إليها مباشرة عن طريق أنابيب تعرف بالقصبات الهوائية (Tracheae)، وتتخلص من معظم غاز ثاني أوكسيد الكربون بالطريقة نفسها. وتفتح القصبات الهوائية نحو خارج الجسم عن طريق فتحات أو ثغور تنفسية (Spiracles or Stigmata) . وتتفرع القصبات الهوائية في الجسم وتتخلل الخلايا وتنتشر بين الألياف العضلية وتحيط بأعضاء الجسم وزوائده متشعبة في صورة تفرعات غاية في الدقة لتصل إلى جميع خلايا الجسم تقريباً حاملة إليها الهواء الخارجي وتعرف هذه التفرعات الدقيقة بالقصيبات الهوائية (Tracheoles) . وتنشأ أعضاء التنفس سواء كانت قصبات هوائية أو خياشيم من جدار الجسم وتركيبها النسيجي يكون مماثلاً له، لذلك تتخلص الحشرة من طبقة القشرة الداخلية عند كل انسلاخ .
تركيب الجهاز التنفسي القصبي (The Structure of the Tracheal System)
تتكون الأنابيب أو القصبات الهوائية في الحشرات كانغمادات داخلية من طبقة الأكتودرم الخارجية على جانبي الجسم في طور الجنين وتعرف فتحاتها الخارجية بالثغور التنفسية .
1- الثغور التنفسية (The Spiracles or Stigmata)
إن مجموع الثغور التنفسية في معظم الحشرات عشرة أزواج يكون موقعها في منطقة البلورا لكل من حلقات الصدر من البطن للحشرات الكاملة، ماعدا رتبة ذات الذنب المزدوج (Diplura) والجنس (Japyx) التي تمتلك (11) زوجاً من الثغور التنفسية ، (4) أزواج صدرية زوجان على كل من الصدر الثاني والصدر الثالث و(7) أزواج على الحلقات البطنية السبع الأولى (شكل 1 - و). وعموما يوجد زوجان بمنطقة الصدر المتوسط والخلفي و (6-8) أزواج في منطقة البطن. وقد يختلف العدد تبعاً لنوع الحشرة، كما يختلف العدد تبعاً لجنس الحشرة. ففي أنثى بعض الحشرات ذات الجناحين توجد خمسة أزواج من الثغور التنفسية، بينما ذكورها (6-7) أزواج .
وعموماً هناك نوعان من فتحات الثغور التنفسية لدى الحشرات (شكل 1)، وهي :
أ - فتحة ثغر بسيطة Simple)) : وهي لا تزيد عن فتحات خارجية للقصبات الهوائية (شكل 1-أ).
ب - فتحة ثغر تنتهي إلى حجرة : تكون نهاية القصبة الهوائية فيه غائرة وتوجد في قاع حجرة تنفسية أو تجويف أو دهليز (Atrium) تفتح للخارج بفتحة الحجرة التنفسية. وتزود الثغور التنفسية بشعيرات كيتينية أو صفائح مثقبة (Sieve Plates) تساعد على إبعاد الأتربة والأوساخ والشوائب من الدخول إلى الثغر، بالإضافة إلى أنها تعرقل إلى حد ما من فقد الماء أو دخوله للثغر (شكل 1 - جـ) . وتزود الثغور التنفسية بجهاز إقفال خاص لفتحه وإغلاقه حسب الحاجة، وذلك لمنع أو تقليل تبخر الماء من جسم الحشرة عن طريق هذه الثغور ، وذلك بعضلات مرتبطة بهذا الجهاز . وهناك طريقتان لغلق وفتح الثغور ، وهما :
1- تتحور ثنيات من جدار الجسم بشكل شفتين متقابلتين يؤدي تقابلهما إلى غلق الثغر، كما في حشرة Sminthrus spp.)) من رتبة ذات الذنب القافز (شكل 1 ب) .
2- يزود الثغر بصمام يقع في النهاية الداخلية لحجرة التنفس، وهو يتحكم في حجم فتحة القصبة الهوائية كما في معظم الحشرات (شكل 1 - جـ د، هـ) .
تغذى عضلات الثغور التنفسية بأعصاب ترد إليها من العقدة العصبية الموجودة في حلقة الجسم التي توجد بها عضلات الثغر أو من العقلة العصبية السابقة لها مباشرة والتي تعمل على تنظيم الثغور التنفسية في إنفتاحها وانغلاقها. بالإضافة إلى أهمية الثغور التنفسية في الحشرات في عملية التنفس فإنها تعمل على المحافظة على المحتوى المائي لجسم الحشرة، وكذلك تتخلص الحشرة عن طريقه أثناء عملية الانسلاخ من القشرة القديمة المبطنة لقصباتها الهوائية ليحل محلها أخرى جديدة في الطور التالي. وترتبط آلية فتح الثغور التنفسية وغلقها بعوامل عديدة كيماوية وعصبية وإفرازات هرمونية. وينظم فتح وغلق الثغور التنفسية عموماً تركيز الأوكسجين في هواء القصبات وتراكم غاز ثاني أوكسيد الكربون في الأنسجة، إذ يلاحظ أن الثغور التنفسية تبقى مفتوحة مدة أطول أثناء استهلاك الأوكسجين، وكذلك عندما يكون تركيز غاز ثاني أوكسيد الكربون عالياً أيضاً. وقد تلعب الحموضة العالية لسوائل الأنسجة والتي تنتج عن نقص الأوكسجين أو عن الزيادة في غاز ثاني أوكسيد الكربون دور المنبه الفعال في ذلك. وقد استغلت هذه الظاهرة علمياً في تخدير الحشرات المجنحة مختبرياً لسهولة التعامل معها، وكذلك في أغراض التدخين بغاز حمض الإيدروسيانيك (سيانيد الكالسيوم أو البوتاسيوم) لزيادة فعاليته في مكافحة حشرات المخازن . فإذا حقن غاز ثاني أوكسيد الكربون في الحجرة التي سيتم فيها التدخين قبل إجراء العملية بفترة أدى ذلك إلى فتح الحشرات لثغورها التنفسية الموجودة، وعند تقديم المادة المدخنة السامة بعد ذلك تستنشق الحشرات لكميات أكبر من الغاز السام وبالتالي تصبح عملية التدخين والمكافحة أكثر كفاءة وفعالية وتأثيراً .

الشكل (1): أشكال وتركيبات الثغور التنفسية في بعض رتب الحشرات (عن مصادر مختلفة).
أما من الناحية العصبية المتعلقة بمثل هذه العمليات فمن الجائز أن يكون للعقد العصبية في الحبل العصبي البطني للجهاز العصبي المركزي السيطرة على قفل وفتح الثغور التنفسية منفرداً أو بالتنسيق مع عوامل أخرى. فمثلاً يؤدي تنفس الخلايا إلى إنقاص معدلات الأوكسجين ورفع معدلات ثاني أوكسيد الكربون، والتغير في معدل كلا الغازين يدفع الجهاز المركزي إلى إرسال سيالات عصبية إلى العضلات المغلقة للثغور، ولهذا ترتخي العضلات وتفتح الثغور بواسطة القضبان المرنة . وأيضاً تتأثر عضلات إغلاق الثغور التنفسية تأثراً مباشراً بثاني أوكسيد الكربون وترتخي عندما يرتفع التركيز الموضعي لهذا الغاز.
إن أهمية آلية غلق الثغور التنفسية لدى الحشرات للمحافظة على الماء في جسمها يمكن أن تظهر بسهولة وذلك بطريقة القياس الكمي لبخار الماء الذي تفقده الحشرات الحية . ففي إحدى التجارب على بعض البراغيث المكتملة من جنس (Xenopsylla) تبين أنها خسرت ضعف الكمية من الماء عندما أجبرت على بقاء ثغورها التنفسية مفتوحة وذلك بتعريضها إلى (5%) من غاز ثاني أوكسيد الكربون. وهذا كله يوضح مدى أهمية تواتر فتح بعض الثغور التنفسية وانغلاق أخرى في الحشرات الأرضية وذلك في سبيل تنظيم النشاط التنفسي من جهة، والتقليل من كمية البخر من جهة أخرى. ففي الجراد مثلا تفتح الثغور التنفسية الأولى والثانية والرابعة أثناء عملية الشهيق ثم تقفل ويفتح الثغر العاشر من أجل عملية الزفير، وعندما تكون الحشرة أكثر نشاطاً فإن عملية الزفير هذه تتم عبر الثغور من الخامس إلى العاشر. ويكون زمن بقاء ثغور عملية الزفير مفتوحة هو ربع أو نصف زمن انفتاح ثغور الشهيق، وذلك من أجل التقليل من التبخر .
2 - أنماط الأجهزة التنفسية Type of the Respiratory Systems))
تقسم الأجهزة التنفسية في الحشرات إلى ثلاثة أنماط رئيسية تبعاً لعدد ونظام الفتحات التنفسية العاملة وهي كما يلي (شكل 2) :
1-2- الجهاز التنفسي المفتوح أو التام (Holopneustic) : حيث يوجد عشرة أزواج من الثغور التنفسية العاملة (2 زوج صدرية + 8 أزواج بطنية )، وهو النوع الشائع في معظم الحشرات .
2-2- الجهاز التنفسي نصف المفتوح (Hemipneustic) : وهو النمط السائد في اليرقات، وفيه يقفل زوج أو أكثر من الفتحات التنفسية أو يبطل عملها ، ويشمل الأنماط التالية :
أ - ذو الثغور المحيطية (Peripneustic) : وقد تكون جميع الثغور التنفسية عاملة ماعدا الثغر التنفسي الخاص بالحلقة الصدرية الثالثة، كما في يرقات رتب شبكية الأجنحة وحرشفية الأجنحة وغمدية الأجنحة (شكل 2- د، هـ) .

الشكل (2) : أنماط الجهاز التنفسي نصف المفتوح في الحشرات
أ) ذو الثغور الخلفية ، ب) ذو الثغور الأولية، جـ) ذو الثغور الطرفية، د) ذو الثغور المحيطية (يرقة الجعال)، هـ) ذو الثغور المحيطية (يرقة فراشة الصقر) (عن مصادر مختلفة)
ب - ذو الثغور الطرفية (Amphipneustic) : الثغور المفتوحة العاملة تكون زوجين فقط، الأول في الحلقة الصدرية الثانية والثاني في الحلقة البطنية الثامنة، كما في يرقات الذباب (شكل 2- جـ). أما باقي الثغور فتكون غير عاملة أو غير موجودة .
ج - ذو الثغور الأمامية (Propneustic) : يفتح زوج واحد فقط (الحلقة الصدرية الثانية)، كما في عذارى البعوض (شكل 2- ب).
د – ذو الثغور الخلفية (Metapneustic) : وفيه تكون الثغور العاملة زوجاً واحداً فقط خاصاً بالحلقة البطنية الثامنة كما في يرقات البعوض من فصيلة (Culicidae) (شكل 2- أ) .
ويمكن ضم الأنماط الثلاثة الأخيرة في مجموعة واحدة تحت اسم الأجهزة التنفسية قليلة الفتحات (Oligopneustice) وهي تمثل مجموعة الحشرات أو أطوارها التي تعيش في الوسط المائي أو شبه المائي الرطب .
2-3- الجهاز التنفسي المغلق Apneustic : وهو النمط الشائع في الحشرات المائية، إذ إن جميع الثغور التنفسية هنا مقفلة أو غير عاملة . وفي هذه الحالة يدخل الهواء الجوي إلى الجهاز القصبي إما من خلال جدار الجسم (Dermapneustic) بالانتشار الغازي ، وإما عن طريق ما يعرف بالغلاصم أو الخياشيم (Gills or Branchineustic) (شكل 2) .
3- القصبات والقصيبات الهوائية (The Tracheae and Tracheoles)
القصبات الهوائية عبارة عن أنابيب مرنة مقواة من الداخل وتظهر بلون فضي لدى امتلائها بالهواء . يفتح كل ثغر تنفسي في قصبة هوائية مستعرضة (Transverse Trachea) . وترتبط القصبات الهوائية المستعرضة في كل جانب بجذع طولي (Longitudinal Trunk) . ثم تتفرع القصبات الهوائية بعد ذلك داخل جسم الحشرة إلى فروع ثانوية تتجه إلى السطح الظهري لتغذي جدار الجسم والقلب والعضلات وباقي الأنسجة الظهرية. وتتجه بعض الفروع الأخرى جانبياً لتغذى القناة الهضمية وملحقاتها والجهاز التكاثري، أو بطنياً لتغذي جدار الجسم والحبل العصبي والعضلات (شكل 2- ز والشكل 3 - ب، هـ) . والبطانة الداخلية لهذه القصبات تكون عبارة عن مادة قشرية، وهي استمرار لقشرة جدار الجسم في الحشرات كما ذكر سابقا، لأن القصبات ما هي إلا انخماصات للوريقة الخارجية فمن الطبيعي أن تستمر القشرة فيها ويصبح وضعها كبطانة داخلية (Intima) نتيجة الانخماص . وإذا ما فُحصت القصبة الهوائية مجهرياً أعطت مظهراً مخططاً يعزى إلى كون البطانة الداخلية قد أصبحت ثخينة لتشكل حلقات خيطية الشكل مرتبة بعضها قريب بعض وتكون نافرة في جوف القصبة (شكل 3- أ) . وتعرف هذه التغلظات الحلقية الحلزونية باسم الأشرطة الكيتينية (Taenidia) ، وتكون وظيفتها المحافظة على القصبات الهوائية مفتوحة دائماً دون انطباقها بفعل ضغط الأنسجة المحيطة لكي تسمح بحرية التبادل الغازي. وتختفي هذه الأشرطة الكيتينية من القصبات قريباً من الثغور التنفسية ، حيث تقوم البطانة بإعداد جهاز آخر .

الشكل (3) القصبات والقصيبات الهوائية في الحشرات (عن مصادر مختلفة)
وكما يبدو من الشكل (3- أ) تحيط بالبطانة الداخلية طبقة من نسيج ظهاري من الخلايا الطلائية ثم يلي ذلك خارجياً الغشاء القاعدي .
وفي حشرات كثيرة من ذوات الأجنحة القوية الطيران كالجراد ونحل العسل تتسع القصبات الهوائية الرئيسية أو الفرعية مشكلة ما يُعرف بالأكياس الهوائية ((Air Sacs ذات جدران غاية في الرقة (شكل 4)، إذ تختفي هنا الأشرطة الكيتينية (Taenidia) أو تكون ضعيفة وغير منتظمة في توضعها، مما يجعل هذه الأكياس الهوائية تنطوي بتأثير الضغط أو تنتفخ بتأثيره أيضاً. وتنتفخ هذه الأكياس عند امتلائها بالهواء ، حيث تلعب بذلك دوراً مهماً في تهوية الجملة القصبية. وتنتشر هذه الأكياس على طول الجذوع القصبية الرئيسية لكثير من الحشرات . ومن أهم وظائفها :
أ - تزويد الحشرة بأكبر كمية من الأوكسجين تتولد عنه طاقة لتعويض المجهود الكبير الذي تقوم به .
ب - تقلل من الكثافة النوعية للحشرة لتساعدها على الطيران.
ج - تحافظ على مكان ملائم أو فراغ داخلي مناسب لنمو المبايض دون الحاجة لتمدد البطن ، كما في الذباب المنزلي والسيكادا (شكل 4-ب) .
د - تعمل على معادلة الضغط على السطح الداخلي لأعضاء السمع كما في الجراد، وذلك بتكوين الفراغ السمعي لأعضاء السمع.
هـ - المحافظة على درجة حرارة عالية في الحشرات الكبيرة الحجم والتي تحتاج إلى توليد حرارة عالية عند الطيران .
وباستمرار تفرع القصبات الهوائية يقل قطر هذه الأنابيب تدريجياً إلى أن تصل إلى خلية تنفسية نهائية (Respiratory End Cell) تعطي عدداً من القصيبات الهوائية المقفولة النهاية (Tracheoles) والتي تتميز برقة جدرانها وضيقها (لا يزيد قطرها عن ميكرون واحد) وخلوها من التغلظات الكيتينية الحلزونية (شكل 3 - أ، جـ ، د) . وتعتبر هذه القصيبات جزءاً من الخلية. وتضيق هذه القصيبات حتى تصل إلى (0,1) ميكرون. وتنتهي النهايات الدقيقة للقصيبات هذه إما بين الخلايا أو تلتصق ببعض الخلايا على شكل شبكة تغلف بعض الأعضاء كالخصي والمبايض، أو أنها تنفذ إلى داخل الخلايا كما في النسج والألياف العضلية وتحتوي هذه القصيبات على سائل أو هواء .

الشكل (4): نماذج مختلفة من الأكياس الهوائية في بعض الحشرات المجنحة (عن مصادر مختلفة)