مفرزات القناة الهضمية في الحشرات Secretions of the Alimentary Canal))
1- مفرزات غدد الرأس (Secretions of the Head Glands)
تنشأ من الوريقة الجنينية الخارجية (Ectoderm) للحشرة عدة غدد توجد في رأس الحشرة متصلة بأجزاء الفم . ويمكن تمييز عدة أنواع من هذه الغدد في الكثير من الحشرات، وإن غاب بعضها في بعض الحشرات :
أ - غدد الفكوك العليا ((Mandibular Glands : وهي عبارة عن كييسات صغيرة عند فتحة الفم قرب قواعد الفكوك العليا، وتوجد عند حشرات عديمة الأجنحة والنمل الأبيض وغمدية الأجنحة والدبابير. وتكون هذه الغدد كبيرة في يرقات حرشفية الأجنحة، في حين تغيب في بالغاتها، وتتخصص في إفراز اللعاب .
وفي نحل العسل مثلاً تكون هذه الغدد كبيرة في الملكة أكثر منها في الشغالة وتكون صغيرة جداً في الذكور . وتفرز هذه الغدد في ملكات النحل الفيرومونات (Pheromones) التي تلعب دوراً مهماً في تنظيم المستعمرة وفي إفراز رائحة تجذب بها الملكة الذكور أثناء طيرانها لعملية التلقيح وحفلة الزفاف، في حين أنها في الشغالات تفرز لعاباً يطري الشرانق قبل أن تنطلق منها الأطوار التالية .
ب - غدد الفكوك السفلى ((Maxillary glands : توجد في حشرات رتبة ذوات الذنب القافز ورتبة ذات العجز (Protura) وفي بعض يرقات شبكية الأجنحة وغشائية الأجنحة والبق الدقيقي وفائدتها إفراز اللعاب، وقد تسهم في عملية تزييت أجزاء الفم. أما في المفترسات من نصفية الأجنحة فإن هذه الغدد تفرز مادة سامة لقتل الفريسة .
ج- الغدد اللسانية (Hypopharyngeal Glands) : وتظهر في أتم تكوينها في حشرات غشائية الأجنحة ، ولاسيما في شغالات نحل العسل، بينما تضمر في الملكات وتختفي نهائياً في الذكور. حيث يوجد منها غدة واحدة على كل جانب من الرأس تتألف من أنبوب طويل ملتف تتصل به أعداد كبيرة من الفصيصات (Lobules) ، وتفتح هذه الغدد عند قاعدة اللسان بواسطة قنوات منفصلة (شكل 1) . وهذه الغدد تفرز الغذاء الملكي الذي ستأكله الصغار التي ستفقس . ويلعب هذا الغذاء دوراً مهماً في تحديد شكل اليرقة ودورها في الخلية. كما أن هذه الغدد تفرز أنزيم الإنفرتاز (Invertase) الذي يحلل سكر القصب إلى سكر فواكه وسكر عنب .

الشكل (1) : الأعضاء الداخلية والغدد المفرزة في شغالة نحل العسل (عن Weber & Weidner، 1995)
د - غدد الشفة السفلى (Labial Glands) : وتعرف هذه الغدد بالغدد اللعابية (Salivary Glands) . وهي أعضاء مزدوجة تقع عادة في منطقة الرأس والصدر على جانبي المريء وأسفل القناة الهضمية الأمامية، وقد تمتد حتى البطن. وقد تكون عنقودية أو خيطية، وتتحد قناتاهما لتكونا قناة لعابية واحدة مشتركة ((Common Salivary Duct تفتح عادة عند قاعدة الشفة السفلى بالقرب من قاعدة اللسان. وقد يوجد للغلة مخزن لعابي (Salivary Reservior) يتم تجميع اللعاب فيه (شكل 2). توجد الغدد اللعابية في معظم الحشرات ولكنها توجد في عدد محدود من أنواع رتبة غمدية الأجنحة. ويختلف شكلها وتركيبها تبعاً لنوع الحشرة، فهي كبيرة وواضحة في رتبة الصراصير Dictyoptera)) ، حيث تتألف من زوجين من الفصوص (Lobes) زوج على كل جانب، وكل فص يشمل مجموعات عنقودية غدية ((Glandular Acini ، ويصحب الفصوص في كثير من الحشرات مخزن لعابي، كما في الصرصور الأمريكي (شكل 3). وتكون الغدد اللعابية في الحشرات الكاملة لحرشفية الأجنحة على شكل أنابيب خيطية، بينما تتحور في يرقاتها على شكل أنبوبتين طويلتين متعرجتين تمتدان على جانبي القناة الهضمية وتفرزان خيوطاً حريرية تستعملها اليرقة في عمل الشرنقة (شكل 1) . أما في الحشرات ذات الجناحين فهي عبارة عن أعضاء أنبوبية يفوق طولها طول الجسم . والغدد اللعابية في حشرات غشائية الأجنحة متطورة جداً ومعقدة، ففي نحل العسل تتألف الغدد اللعابية من زوجين من الأعضاء العنقودية أحدهما في الرأس والآخر في الصدر وتتحد قنواتها الأربع في قناة واحدة مشتركة (شكل 1) . وفي الحشرات الماصة للدم كالبعوض مثلاً يوجد بها زوج من الغدد اللعابية تتركب كل غدة من ثلاثة فصوص الوسطى منها متخصصة في إفراز مادة مانعة لتجلط الدم أو تخثره (Anticoagilant) ، وكذلك مادة مهيجة لتساعدها على التوارد السريع للدم مكان الثقب حتى تأخذ الحشرة كفايتها من الدم . وتتكون الغدد اللعابية في حشرات نصفية الأجنحة من (1-4) فصوص، كما تحتوي أيضاً على مخزن لعابي. واللعاب عموماً سائل مائي نقي معتدل الحموضة، إذ تتراوح درجة الحموضة له في الصرصور الأمريكي (6-9) .

الشكل (2) أشكال مختلفة لأجزاء القناة الهضمية في الحشرات (عن مصادر مختلفة)

الشكل (3): بعض أشكال الغدد اللعابية وتحوراتها في الحشرات ( عن Eidmonn & Kühlhorn، 1990)
ومن أهم وظائف اللعاب :
1- ترطيب غذاء الحشرة، فمثلاً عندما يبدأ الصرصور بتناول غذائه تكون أجزاء فمه مبللة باللعاب لترطيب هذا الغذاء .
2- يقوم اللعاب في الذبابة المنزلية بترطيب الغذاء الجاف (سكر جاف) وإسالته لتتغذى عليه .
3- يعمل اللعاب على إبقاء أجزاء الفم نظيفة بعد كل وجبة غذاء .
4- الحشرات العشبية التغذية والماصة للعصارة يحتوي لعابها على أنزيمات كأنزيم الآميلاز (Amylase) الذي يحول النشاء إلى سكر ، وأنزيم الأنفرتاز (Invertase) الذي يجزئ سكر القصب (Sucrose) إلى سكر العنب غلوكوز (Glucose) وسكر الفواكه فركتوز (Fructose) .
5- الحشرات المفترسة ذات الهضم الخارجي (كما سيرد فيما بعد) يحتوي لعابها على أنزيم البروتييز (Protease) لتحويل البروتين إلى ببتون، وأنزيم الليباز (Lipase) لهضم الليبيدات والدهون .
6- الحشرات الماصة للدم يحتوي لعابها على مادة مانعة لتجلط الدم ليبقى سائلاً يسهل امتصاصه فذبابة التسي تسي من جنس Glossina)) مثلاً لا يحتوي لعابها على أي أنزيمات هاضمة ولكنه يحتوي على كميات كبيرة من المواد المضادة لتخثر الدم، ولو أزيلت هذه الغدد اللعابية من هذه الذبابة وهي حية وتركت للتغذي سرعان ما يتجلط الدم الذي تتغذى عليه ويتحول إلى ما يشبه السدادة.
7- في يرقات حرشفية الأجنحة وغشائية الأجنحة تتحور الغدد اللعابية لإفراز الحرير، وتعرف حينئذٍ بغدد الحرير (Silk Glands) .
2- الأنزيمات الهاضمة Digestive Enzymes)) :
عند وصول الغذاء إلى المعدة تفرز زوائد المعدة أو الردوب المعوية إفرازاتها الهاضمة، كما تفرز الخلايا الظهارية لمعدة الحشرات أنزيمات مختلفة تتلاءم مع نوعية الغذاء الذي تتغذى عليه الحشرة . ويمكن عموماً أن نميز ثلاث مجموعات من الأنزيمات هي :
أ - أنزيمات الهضم الكربوهيدرات ((Carbohydrases : التي تؤثر في المواد الكربوهيدراتية إلى سكريات بسيطة، وهي تشمل أنزيم الآميلاز (Amylase) الذي يحلل النشاء (Maltose) ، وأنزيمات الجليكوزيدازات (Glycosidases) التي تحلل السكريات المعقدة الثنائية والثلاثية كالمالتوز والسكروز واللاكتوز . فأنزيم ألفا - غلوكوزيدازات يهضم سكر الشعير المالتوز وهو سكر ثنائي، وأنزيم بيتا – غالاكتوزيدازات ((β-Galactosidases الذي يهضم سكر اللبن (Lactose) كما في يرقة نحل العسل .
ب - أنزيمات الهضم البروتينات (Proteases) : وهي تهضم المواد البروتينية مثل أنزيم الأندوببتيدازات (Endopeptidases) التي تحلل البروتينات والببتونات فتحولها إلى متعددة الببتيدات (Polypeptides) وهو في الحشرات غالباً ما يكون من شبيهات التربسين (Trypsine-like) التي تعمل على أكمل وجه في الوسط القلوي . والنوع الثاني يشمل أنزيمات الأكسوببتيدازات (Exopeptidases) التي تكمل العملية فتهضم أنزيمات الداي ببتيدازات (Dipeptidases) الببتيدات الثنائية (Dipeptides) إلى أحماض أمينية . ومن الجدير بالذكر أن أنزيمات الأندوببتيدازات غالباً ما تكون في تجويف المعدة أو المعي الأوسط ، بينما النوع الثاني أي الأكسوببتيدازات فيوجد في الخلايا الطلائية الظهارية للمعدة، مما يرجح أن عملية الامتصاص قد تبدأ قبل أن يتم هضم البروتين .
جـ - أنزيمات الهضم الدهون ((Lipases : مثل أنزيم الليباز (Lipase) الذي يتوسط عملية التحليل بالماء للدهون الموجودة في غذاء الحشرة .
ومن الأنزيمات التي تفرزها بعض الحشرات ولا توجد في الحيوانات الثديية ما يلي :
1- أنزيمات السيللولاز (Cellulase) والهيميسيللولاز (Hemicellulase) والليجنوسيللولاز (Lignocellulase) . وهذه الأنزيمات توجد في أمعاء الحشرات التي تتغذى على الأنسجة النباتية مثل حفارات الأخشاب من غمدية الأجنحة والحشرات من رتبة مستقيمة الأجنحة .
2- أنزيم الكيتيناز (Chitinase) : ويوجد في الجهاز الهضمي لبعض الحشرات المفترسة ليساعدها على هضم جدار جسم الفريسة .
3- أنزيم سيريسيناز (Siricinase) : ويوجد في فراشات دودة الحرير. وتستخدمه الفراشة لتحليل المادة اللاصقة للخيوط الحريرية للشرنقة سيرسين (Siricin) لتتمكن الفراشة الخروج من الشرنقة .
4- أنزيم الليشيناز ((Lichenase : وتفرزه الحشرات التي تتغدى على الاشنة (Lichnes).
5- أنزيم كولاجيناز (Collaginase) : وتفرزه يرقات الذباب الأزرق من جنس (Lucilia) التي تتغذى على الجثث أو الحيوانات الثديية الميتة وما تحتويه من مادة الكولاجين، إذ إن هذه المادة مولدة للغراء أو الهلام ذات طبيعة بروتينية لا تتأثر بأنزيمات الأندوببتيدازات من نوع التربسين، غير أن براز هذه اليرقات يحتوي على أنزيم الكولاجيناز القادر على هضم وتحليل هذه المادة .
6- أنزيم الكيراتيناز (Keratinase) : يمتلك كل من قمل الطيور القارض Mallophaga)) ويرقات عثة الملابس (Tiniedae) وخنافس الجلود أنزيماً يحلل مادة الكيراتين (Keratin) ذات الطبيعة البروتينية تحليلاً مائياً ويفككها. ويستطيع أي عامل قوي من عوامل الاختزال أن يحطم روابط الكبريت في الكيراتين، لأن ضآلة عدد القصبات الهوائية التي تغذي المعي المتوسط تسبب انخفاض جهد الأكسدة والاختزال، وبالتالي اختزال الروابط الثنائية. وعندما تتحرر سلاسل الببتيدات يصبح أنزيم الكيراتيناز فعالاً .
7- أنزيم البكتيناز (Pectinase) : يساعد هذا الأنزيم اللعابي حشرات المن ونطاطات الوراق وبق البذور على إدخال فمها الثابت الماص في أنسجة النبات، لأن هذا الأنزيم يحلل البكتين الموجود في جدر خلايا الأنسجة النباتية. وتبدأ أقصى درجة من النشاط الأنزيمي عندما تتوفر لهذه الأنزيمات ظروف معينة مناسبة، ولاسيما درجة الحموضة (pH) ودرجة الحرارة (Temperature). وتتأثر درجة الحموضة في المعي الأمامي بطبيعة الغذاء وتختلف باختلافه. وإن ارتفاع الحموضة في المعي الأمامي عندما تتغذى الحشرة على السكريات يعود إلى فعل الكائنات الحية الدقيقة المتعايشة مع الحشرة، حيث تحلل الغذاء جزئياً منتجة بذلك أحماضاً عضوية. وتكون درجة حموضة المعي المتوسط عموماً معتدلة وحوالي (6,3). أما حموضة المعي الخلفي فتميل قليلاً إلى الحامضية وذلك لصب أنابيب مالبيجي مفرزاتها من حمض البولة في مقدمة هذا الجزء من القناة الهضمية. ولدرجة الحرارة أيضاً ، تأثير كبير في سرعة وإتمام التفاعل الأنزيمي، فكلما ارتفعت درجة الحرارة ازدادت سرعة التفاعل الأنزيمي، إلا أن الزيادة يجب أن لا تتعدى حداً معيناً (40-45) درجة مئوية ، وإلا حصل تلف للأنزيمات بحيث يتضاءل مفعولها فيما بعد . ومن المعروف أن إفراز الأنزيمات لا يجري التحكم به عصبياً، بل قد يكون نتيجة مباشرة لتأثير الغذاء في الخلايا المفرزة أو قد يقع تحت سيطرة وتحكم الغدد الصماء (Endocrine Glands) .