0
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

تأملات قرآنية

مصطلحات قرآنية

هل تعلم

علوم القرآن

أسباب النزول

التفسير والمفسرون

التفسير

مفهوم التفسير

التفسير الموضوعي

التأويل

مناهج التفسير

منهج تفسير القرآن بالقرآن

منهج التفسير الفقهي

منهج التفسير الأثري أو الروائي

منهج التفسير الإجتهادي

منهج التفسير الأدبي

منهج التفسير اللغوي

منهج التفسير العرفاني

منهج التفسير بالرأي

منهج التفسير العلمي

مواضيع عامة في المناهج

التفاسير وتراجم مفسريها

التفاسير

تراجم المفسرين

القراء والقراءات

القرّاء

رأي المفسرين في القراءات

تحليل النص القرآني

أحكام التلاوة

تاريخ القرآن

جمع وتدوين القرآن

التحريف ونفيه عن القرآن

نزول القرآن

الناسخ والمنسوخ

المحكم والمتشابه

المكي والمدني

الأمثال في القرآن

فضائل السور

مواضيع عامة في علوم القرآن

فضائل اهل البيت القرآنية

الشفاء في القرآن

رسم وحركات القرآن

القسم في القرآن

اشباه ونظائر

آداب قراءة القرآن

الإعجاز القرآني

الوحي القرآني

الصرفة وموضوعاتها

الإعجاز الغيبي

الإعجاز العلمي والطبيعي

الإعجاز البلاغي والبياني

الإعجاز العددي

مواضيع إعجازية عامة

قصص قرآنية

قصص الأنبياء

قصة النبي ابراهيم وقومه

قصة النبي إدريس وقومه

قصة النبي اسماعيل

قصة النبي ذو الكفل

قصة النبي لوط وقومه

قصة النبي موسى وهارون وقومهم

قصة النبي داوود وقومه

قصة النبي زكريا وابنه يحيى

قصة النبي شعيب وقومه

قصة النبي سليمان وقومه

قصة النبي صالح وقومه

قصة النبي نوح وقومه

قصة النبي هود وقومه

قصة النبي إسحاق ويعقوب ويوسف

قصة النبي يونس وقومه

قصة النبي إلياس واليسع

قصة ذي القرنين وقصص أخرى

قصة نبي الله آدم

قصة نبي الله عيسى وقومه

قصة النبي أيوب وقومه

قصة النبي محمد صلى الله عليه وآله

سيرة النبي والائمة

سيرة الإمام المهدي ـ عليه السلام

سيرة الامام علي ـ عليه السلام

سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله

مواضيع عامة في سيرة النبي والأئمة

حضارات

مقالات عامة من التاريخ الإسلامي

العصر الجاهلي قبل الإسلام

اليهود

مواضيع عامة في القصص القرآنية

العقائد في القرآن

أصول

التوحيد

النبوة

العدل

الامامة

المعاد

سؤال وجواب

شبهات وردود

فرق واديان ومذاهب

الشفاعة والتوسل

مقالات عقائدية عامة

قضايا أخلاقية في القرآن الكريم

قضايا إجتماعية في القرآن الكريم

مقالات قرآنية

التفسير الجامع

حرف الألف

سورة آل عمران

سورة الأنعام

سورة الأعراف

سورة الأنفال

سورة إبراهيم

سورة الإسراء

سورة الأنبياء

سورة الأحزاب

سورة الأحقاف

سورة الإنسان

سورة الانفطار

سورة الإنشقاق

سورة الأعلى

سورة الإخلاص

حرف الباء

سورة البقرة

سورة البروج

سورة البلد

سورة البينة

حرف التاء

سورة التوبة

سورة التغابن

سورة التحريم

سورة التكوير

سورة التين

سورة التكاثر

حرف الجيم

سورة الجاثية

سورة الجمعة

سورة الجن

حرف الحاء

سورة الحجر

سورة الحج

سورة الحديد

سورة الحشر

سورة الحاقة

الحجرات

حرف الدال

سورة الدخان

حرف الذال

سورة الذاريات

حرف الراء

سورة الرعد

سورة الروم

سورة الرحمن

حرف الزاي

سورة الزمر

سورة الزخرف

سورة الزلزلة

حرف السين

سورة السجدة

سورة سبأ

حرف الشين

سورة الشعراء

سورة الشورى

سورة الشمس

سورة الشرح

حرف الصاد

سورة الصافات

سورة ص

سورة الصف

حرف الضاد

سورة الضحى

حرف الطاء

سورة طه

سورة الطور

سورة الطلاق

سورة الطارق

حرف العين

سورة العنكبوت

سورة عبس

سورة العلق

سورة العاديات

سورة العصر

حرف الغين

سورة غافر

سورة الغاشية

حرف الفاء

سورة الفاتحة

سورة الفرقان

سورة فاطر

سورة فصلت

سورة الفتح

سورة الفجر

سورة الفيل

سورة الفلق

حرف القاف

سورة القصص

سورة ق

سورة القمر

سورة القلم

سورة القيامة

سورة القدر

سورة القارعة

سورة قريش

حرف الكاف

سورة الكهف

سورة الكوثر

سورة الكافرون

حرف اللام

سورة لقمان

سورة الليل

حرف الميم

سورة المائدة

سورة مريم

سورة المؤمنين

سورة محمد

سورة المجادلة

سورة الممتحنة

سورة المنافقين

سورة المُلك

سورة المعارج

سورة المزمل

سورة المدثر

سورة المرسلات

سورة المطففين

سورة الماعون

سورة المسد

حرف النون

سورة النساء

سورة النحل

سورة النور

سورة النمل

سورة النجم

سورة نوح

سورة النبأ

سورة النازعات

سورة النصر

سورة الناس

حرف الهاء

سورة هود

سورة الهمزة

حرف الواو

سورة الواقعة

حرف الياء

سورة يونس

سورة يوسف

سورة يس

آيات الأحكام

العبادات

المعاملات

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

عنصر الحياة في المجتمع

المؤلف:  الشيخ عبدالله الجوادي الطبري الآملي

المصدر:  تسنيم في تفسير القرآن الكريم

الجزء والصفحة:  ج 9، ص199-208

2026-06-13

28

+

-

20

أشار الله سبحانه وتعالى الى (القصاص) بأبلغ العبارات وأروع التشبيهات حيث قال عز وجل: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) ومعنى هذا أن الحياة الانسانية وفقا للثقافة القرآنية تختلف عن حياة النباتات التي لا غاية له منها إلا التغذية والنمو والتكاثر وتتميز عن حياة الحيوان الذي يكون تفكيره محصورا بالخيال والوهم وهدفه مقتصرا على الشهوة والغضب إنها (أي الحياة الانسانية) حياة متأهلة تسير معرفتها على خط متواز مع البرهان العقلي ولا يتوقف تصورها إلا عند حدود محبتها للسفر بصحبة الله الحبيب: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ[1]) فالقرآن الكريم يعتبر الفئتين الأولى والثانية اللتين تفتقران للحياة المتأهلة أمواتا: (وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ ۖ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ  [2]) (لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ[3]) وهكذا يمكننا الاستنباط من خلال مقارنة المؤمن بالكافر بأن المؤمن حي أما الكافر فهو ميت.

وخلاصة القول: فإن القرآن الكريم يرى أنه لا حياة للإنسان بعيدا عن الايمان بالوحي والعمل بتعاليمه وتنفيذ أوامره ومن خلال هذا المعنى السامي للحياة الفريدة نضمن حياتنا كذلك ضمن مفهومما هو أن الحياة الانسانية المطلوبة لن تتحقق إلا بالإيمان بالقصاص والعمل بموجبه وإن بدت لنا الحياة الحيوانية أو النباتية خارجة في الظاهر عن هذا المعنى. وتشبه حالة القصاص والقتال لإحياء الدين حالة السور في يوم القيامة الذي: (بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ[4]) أي أن القصاص والقتال يبدوان في الظاهر كسفيرين للموت والفناء لكن باطنيهما ملؤه الحياة والنجاة حيث يصل الشخص المعاقب بالقصاص الى الحياة المعنوية لتوبته وقبوله بحكم الله وذلك وفقا للآية الشريفة: (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا[5]) فيكون حاله كحال المجاهد المقدام وإلا فإن المقتول بالقصاص هو في الحقيقة ميت في الظاهر كما في الباطن كما يموت الكافر المهزوم ظاهرا وباطنا أيضا وما ذلك إلا لكون الاستجابة لدعوة الدين والامتثال لأوامره يمثلان عنصرا للحياة وسببا للبقاء أما نبذ كتاب الله فلا يقود سوى الى الموت والفناء: (نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ[6]).

والخلاصة: فإنه رغم قول الله سبحانه: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ[7]) ورغم أنه يبدو حكما الزاميا وايجابيا مصاحبا للتكليف ومشعرا بالمشقة والعناء إلا أن روحه وجوهره هو الحق أي أنه يندرج ضمن مصالح الافراد والمجتمع ومنفعتهم أما باطنه عليكم فهو لكم كذلك والحكم الذي تم بيانه أولا ب على ثم بين الشارع المقدس فيما بعد المصلحة من تشريعه والحكمة من وضعه تقرر بدخول اللام: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) تماما كحقيبة محاربة الكفار المعتدين التي تريد القول كتب لكم بدلا من عليكم: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ[8]) ويشبه هذا أيضا وقوع الانسان في مصيبة ما وإصابته بالضرر بسببها فصبر واحتسب ولم يتذمر أو يغضب فإن ذلك سيكون في مصلحته دون أدنى شك: (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا[9]) وقد جرت العادة على أن تكون البلايا سببا للكشف عن الطاقات المكنونة والمؤهلات الدفينة ولا شك في أن كل ذلك يعد رحمة وخيرا. وكذلك هو القصاص حيث يكون في مصلحة القاتل الذي لو كان يعلم قبل ارتكابه للجريمة ومبادرته اليها بأنه سيتعرض للعقاب والقصاص فربما لم يقد على مثل ذلك العمل وإذا قبل القاتل بالقصاص بعد ارتكابه القتل المتعمد ورضي به وتاب الى الله من فعلته تلك فإن ذلك سيجنيه الوقوع في العذاب الابدي في الاخرة وهو (أي القصاص) في مصلحة المجني عليه كذلك خاصة في قصاص الاطراف وذلك لأنه لن يعود مظلوما مسلوب الحق وهو في مصلحة أولياء المقتول أيضا لأن القصاص سينزع الغل من قلوبهم وسيفشي غليلهم فضلا عن أنه في مصلحة المجتمع بأسره حيث سيدفع الاخرين الى التفكير مليا والاعتبار بمن وقع في الخطأ قبل مبادرتهم الى ارتكاب مثل تلك الافعال وذلك حقن للدماء ومدعاة لتجنب قتل الاخرين ظلما بغير حق.

وهكذا كما أثبتت التجارب فإنه لا يمكن تحقيق هذه العوامل الايجابية بمجموعها بالاكتفاء بسجن القاتل بل يبقى القصاص هو العنصر الكفيل بإحياء المجتمع وإبقائه حيا وكلمة {حياة} المنونة تشير الى أهمية الحياة سيما إذا كانت ثمرة تطبيق العدالة .

وغالبا ما تشتبه الامور على علماء المعرفة الحسسيين والتجريبيين المتقيدين الذين لا يروق لهم الخوض في المعرفة العقلية والتجريدية المقدسة، فيخلطون بين الرحمة العاطفية والرحمة المعقولة، ولذلك نراهم يرجحون أحيانــا الـرحمــة الشعورية على العدل والعفو العاطفي على الإنصاف والمساواة الحسية على الحكمة المعقولة وهكذا دواليك، وبحجّة أنّ الحياة أفضل من الموت على الأقل في الظاهر، وأنّ الإبقاء على هذه الحياة واستمراريتها لا شك أكثر فائدة من عدمها ومحوها، يحاولون النيل من الحكم المعقول وقانون العدل والإنصاف واتهام الإسلام بافتقاره للعواطف وتجاهله للمشاعر كلّما طرح موضوع الإعدام سواء في القصاص أو فيما يتعلّق بحد المحارب وما شابه ذلك. وقد بينت الفئة المذكورة شبهاتها وأعذارها الواهية حول القصاص وحد المحارب وغير ذلك بطرق مختلفة مثل قولهم:

1. يُعتبر القصاص تحو الدّم بالدم وهو عمل غير منطقي.

2. إن أساس القصاص هو القسوة والعنف، ولا يمكن بأي حال من الأحوال إدارة المجتمع بالقسوة والتوتر.

3. يدل قانون القصاص على الروح الانتقامية لمشرعه وقسوة قلبه.

4. لا ريب في أنّ القاتل لم يكن يمتلك نفسية سليمة وإلا لما أقدم على ارتكاب هذه الجريمة غير المعقولة، إذاً فالمكان الصحيح والمناسب لمثل هؤلاء المرضى هو المستشفى لا المقبرة والمستشفى هو وحده الذي يستطيع معالجة مثل هذا المريض المؤقت، وأن يكون السجن مكاناً تُديره البرامج النفسية والأخلاقية لا مكانا للإعدام.

5. إن القوانين البالية والمتقادمة لا يمكنها أن تكون فاعلة في عصر جديد ومجتمع متطوّر، أما قانون القصاص وإزهاق النفوس الذي ورثته البشرية عن أسلافها الغابرين فقد انتهى مفعوله ولا يمكنه أن يُساير أو يواكب التغييرات الجذرية التي تطرأ كل حين في المجتمع سواء منها العلمية والفنية وغيرها. لكن الكثير من المفسرين الذين اعتبروا تلك الإشكالات بينة الغي وأن نقدها بين الرشد لم يبادروا إلى نقل ذلك النقد وشبهة عصر الأحاسيس والتجارب، فيما انبرى آخرون من أولي الألباب المتقدمين وبعض الباحثين المجددين المتأخرين إلى تناقل ذلك ونقده وانتقاده. ولعل تفسير محيي الدين بن العربي هو أبرز ما كُتِبَ في هذا الصدد من بين أهل المعرفة السابقين، حيث قال ابن العربي بأن قتل الجاني يشبه قطع عضو لدغته أفعى وأدت إلى تسممه، وبقطعه يمكن تجنيب سائر أعضاء الجسم من التسمم فتستمر فيه الحياة[10]. ومن التفاسير المتأخرة تفسير المنار وتفسير الميزان حيث قام صاحبهما ببسط الحديث وتفصيله حول تلك الشبهات[11].

ومن خلال تحليل لكون القصاص يُمثل عنصر الحياة في المجتمع، تكتمل لدينا الإجابة على الشبهات المذكورة. ووفقاً للتحليل المذكور:

1. فإن ما يردّده البعض من أن القصاص معناه غسل دم البريء بدم المذنب وبالتالي فإن غسل الدم بالدم يُمثل خطيئة، ليس صحيحاً، بل إن ما يحدث في القصاص هو غسل تلك الدماء البريئة بالكوثر الزلال وهو ماء الحياة، وذلك مصداقاً لما قاله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام : (رُدُّوا الْحَجَرَ مِنْ حَيْثُ جَاءَ، فَإِنَّ الشَّرَ لَا يَدْفَعُهُ إِلَّا الشَّرِّ[12]). نعم، ربّما كان القصاص والقتال «الجهاد» شراً بالنسبة للجناة والقتلة والكفّار والمعتدون، لكنّه وسيلة دفاعية عادلة لا يمكن الاستغناء عنها، بل هو الخير نفسه بالنسبة للمؤمنين.

2. لم يكن قطع العضو الفاسد أو التداوي بالكي - وهـو مــا كـان شائعاً في الأزمنة القديمة كوسيلة من وسائل العلاج - الذي ذكر أصله في نهج البلاغة[13] وفرعه في بعض دواوين الشعراء[14]، لم يكن يوماً يُمثل قسوة في قانون الأطباء أو سبباً لاتهام الطبيب العطوف بقسوة القلب أو عدم الرّحمة، بل بالعكس، فقانون قطع العضو الفاسد ملؤه الرحمة والحق، ودليل على عطف الطبيب ورقة قلبه وشفقته على المصاب.

3. في الحالات التي يكون فيها العفو أفضل والتخفيف أنفع وأدل فإن المختصين بشؤون المجتمع لن يتوانوا ولن يتأخروا في تطبيقه عن طيب خاطر ومعادلته ومساواته بالقصاص، بل واعتباره أفضل منه كذلك، وعندئذ لن تكون هناك أية حاجة إلى السجون لأنه - وكما أسلفنا بالتفصيل ـ فإن حق القصاص يُمثل تكليفاً بالنسبة للجاني لا المجني عليه أو ولي الدم.

4. أما ما يدعيه البعض بقولهم: إنّ قانون القصاص هو قانون قديم قد أكل عليه الدهر وشرب وأنه ليس مناسباً للعصر الحديث والجيل الجديد، فقد يصح ذلك بالنسبة للأمور الفرعية أو الثانوية التي أضحت عادات مزمنة وتقاليد شائعة، لكن العناصر الحياتية كالحق والعدل والإنصاف والحياة والمعنويات وأمثالها هي أوسع من أي زمن وأكبر من كل مكان ومصر وستبقى حديثة بمضامينها طازجة بطعمها ونكهتها، لا يعتريها الفساد ولا يؤثر فيها الإفساد. ولا شك في أن العنصر الأساسي في الجواب الصحيح على الشبهات المذكورة هو أن يكون بموازاة تلك الشبهات، وهو ما أشار إليه القرآن الكريم كمبدأ جامع وشامل، واضعاً نهاية لكل التساؤلات فقال: (يَا أُولي الألباب)، و«اللبيب» في ثقافة القرآن الكريم هو شخص ذو مواصفات خاصة أوها امتلاكه لفكر متوقد وعقل مميز نافذ البصيرة وحكمة متعقلة محيطة بالذات، فضلاً عن أنه لا يمكن إغواؤه بالجمال والسحر الظاهريين، وليس ممن يستبدلون الأحسن بالأخس فيؤدي ذلك إلى التقليل من أصالة عقله والاهتمام المفرط بالقشور والزوائد. فاللبيب يعتبر أن أساس المعرفة نابع من العقل والتجريد رغم عدم تجاهله للمعرفة الحسية والتجريبية. إن مدار البحث فيما يتعلّق بالعقل واللب في مثل هذه المعارف والعلوم القرآنية السامية يختلف عما هو مطروح في موضوع أصل التكليف الفردي، أي أن العقل الذي يتخذه التكليف محوراً له ويسعى غير العاقل إلى الابتعاد عنه وتجنبه، لا يشبه اللب الذي يُراد به تحليل عدالة القصاص وحكمة الإعدام بالنسبة للمحارب المفسد، ولهذا لا يمكن لغير اللبيب فهم وإدراك هذه الأمور. ونظام التكوين قائم على أساس الحق والحكمة كما في قوله تعالى:  وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ[15]) أما العدل والقسط فهما ركنا نظام التشريع لقوله سبحانه: (لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ[16]) ولتبسيط الموضوع نقدم هذا المثال: أشار بعض الباحثين في فن الفقاهة الشريف الى الفرق بين شرط التكليف وشرط القضاء قائلين: شرط التكليف هو البلوغ ... و(العقل) أما شرط القضاء فهو البلوغ... و(كمال العقل[17]) ومعنى ذلك هو أن يكون القاضي صاحب عقل راجح وكامل خلافا للمكلف الذي يكفي امتلاكه لأصل العقل للتكليف وهكذا هي الحال مع القصاص فلا يكفي وجود أصل العقل للوصول الى التحليل النهائي والتمييز بين العدالة والرحمة أما ما ذكره بعض المفسرين من أن الاطار الموضوعي لعبارة: {أولي الألباب} هو أولو العقول الذي هو أصل التكليف الفقهي[18] فليس برأي صائب لأنه من الواضح أن المقصود بذلك هو كمال العقل لا أصله.

تذكير: تشير عبارة {أولي الألباب} في الآية الشريفة الى نقطتين: الاولى تتعلق باللبيب الناظر الى الامور الدينية الباطنية أما الثانية فتشمل اللبيب الناظر الى المسائل الدينية الخارجية فالأول يدرك قانون القصاص بكل تفاصيله دون إفراط أو تفريط ويعلم تماما كيفية تطبيقه دون تمييز وهو عادل ومنصف من غير تغاظ أو تهاون ومنزه عن شبهة الرشوة والارتشاء وبريء من النظرة القومية والمحسوبية وسائر الرذائل الاخلاقية والاجتماعية والسياسية أما الثاني فيدرك بدقة المصالح والمعايير الفلسفية والكلامية والحقوقية لقانون القصاص ويفهم جيداً كل الأسس والمبادئ الخاصة بالفن الشريف المسمى بالحقوق الإسلامية، وله اطلاع واسع بشأن المصادر الأصلية لاستنباط الأسس والمبادئ التي تتفرع عنها الفروع الحقوقية للاجتهاد. وهكذا نلاحظ بأنّ كلمة «لبيب» تشمل كلا الشخصين المذكورين، لكنه يبدو أكثر وضوحاً ونصوعاً في الشخصية الثانية لكيلا يتوهم البعض فيصف العدل قسوة والإنصاف عنفاً والحق مماتاً والحياة عدماً وتلفاً.


[1] آل عمران: 31

[2] فاطر: 22

[3] يس: 70 

[4] الحديد: 13

[5] النساء: 65

[6] البقرة: 101

[7] البقرة: 178

[8] البقرة: 216

[9] التوبة: 51

[10] راجع: تفسير رحمة من الرحمن: 1 / 253.

[11] راجع تفسير الميزان: 1 / 435 - 4438 تفسير المنار: 2 / 130 - 132. قال العلامة الطباطبائي مشيراً إلى بعض تلك الشبهات: وقد اعترض على القصاص مطلقاً وعلى القصاص بالقتل خاصة بأن القوانين المدنية التي وضعتها الملل الراقية لا ترى جوازها وإجرائها بين البشر اليوم. قالوا: إن القتل بالقتل مما يستهجنه الإنسان وينفر عنه طبعه ويمنع عنه وجدانه إذا عرض عليه رحمة وخدمة للإنسانية. وقالوا: إذا كان القتل الأوّل فقداً لفرد فالقتل الثاني فقد على فقد وقالوا: إن القتل بالقصاص من القسوة وحب الانتقام وهذه صفة يجب أن تزاح عن الناس بالتربية العامة ويؤخذ في القائل أيضاً بعفوية التربية، وذلك إنما يكون بها دون القتل من السجن والأعمال الشاقة. وقالوا: إن المجرم إنّما يكون مجرماً إذا كان مريض العقل فالواجب أن يُوضع القاتل المجرم في المستشفيات العقلية ويعالج فيها، وقالوا: إن القوانين المدنية تتبع الاجتماع الموجود، ولما كان الاجتماع غير ثابت على حال واحد كانت القوانين كذلك، فلا وجه لثبوت القصاص بين الاجتماع للأبد حتى الاجتماعات الراقية اليوم، ومن اللازم أن يستفيد الاجتماع من وجود أفرادها ما استيسر، ومن الممكن أن يُعاقب المجرم بما دون القتل مما يعادل القتل من حيث الثمرة والنتيجة كحبس الأبد أو حبس مدة سنين وفيه الجمع بين حقين حق المجتمع وحق أولياء الدم؛ فهذه الوجوه عمدة ما ذكره المنكرون لتشريع القصاص بالقتل. وقد أجاب القرآن عن جميع هذه الوجوه بكلمة واحدة، وهي قوله تعالى (مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) [المائدة: 32]. وبيان ذلك: إن القوانين الجارية بين أفراد الإنسان وإن كانت وضعية اعتبارية يُراعى فيها مصالح الاجتماع الإنساني غير أن العلة العاملة فيها من أصلها هي الطبيعة الخارجية الإنسانية الداعية إلى تکمیل نقصها ورفع حوائجها التكوينية، وهذه الواقعية الخارجية ليست هي العدد العارض على الإنسان ولا الهيئة الواحدة الاجتماعية فإنها نفسها من صنع الوجود الكون الإنساني، بل هي الإنسان وطبيعته، وليس بين الواحد من الإنسان والألوف المجتمعة منه فرق في أن الجميع إنسان ووزن الواحد والجميع واحد من حيث الوجود. وهذه الطبيعة الوجودية تجهزت في نفسها بقوى وأدوات تدفع بها عن نفسها العدم لكونها مفطورة على حب الوجود وتطرد كل ما يسلب عنه الحياة بأي وسيلة أمكنت وإلى أي غاية بلغت حتى القتل والإعدام. ولذا لا تجد إنساناً لا تقضي فطر ته تجون قتل من يريد قتله ولا ينتهي عنه إلا به، وهذه الاسم الراقية أنفسهم لا يتوقفون عن الحرب دفاعاً عن استقلالهم وحريتهم وقوميتهم، فكيف بمن أراد قتل نفوسهم عن آخرها؟ ويدفعون عن بطلان القانون بالغاً ما بلغ حتى بالقتل ويتوسلون إلى حفظ منافعهم بالحرب إذا لم يعالج الداء بغيرها، تلك الحرب التي فيهـا فنـاء الدنيا وهلاك الحـرث والنسل ولا يزال ملل يتقدمون بالتسليحات وآخرون يتجهزون بما يجاوبهم، وليس ذلك كله إلا رعاية لحال الاجتماع وحفظاً لحياته، وليس الاجتماع إلا صنيعة من صنائع الطبيعة، فما بال الطبيعة يجوز القتل الذريع والإفناء والإبادة الحفظ صنيعة من صنائعها، وهي الاجتماع المدني ولا تجوزها لحفظ حيوة نفسها؟ وما بالها تجوز قتل من يهم بالقتل ولم يفعل ولا تجوزه فيمن هم وفعل؟.

[12] نهج البلاغة: الحكمة 314

[13] راجع: نهج البلاغة: الخطبة 168: «وَسَأُمسك الأمر مَا اسْتَمْسَكَ، وَإِذَا لَمْ أَجِدْ بُدَا فَاخِرُ الدَّوَاءِ الكي.

[14] دیوان حافظ 584:: علاج (كى) كُنمت كآخر الدواء الكي، ومعناه باللغة العربية: سأعالجك  دیوان حافظ 584: بالكي وهو آخر الدواء.

[15] الحجر: 85

[16] الحديد: 25

[17] راجع: جواهر الكلام: 40 12

[18] راجع تفسير التبيان: 2/ 106

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

اخر الاخبار

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد