نقل المؤلّف هنا بعض المطالب عن المولى محمّد أمين الأسترآباديّ، إلى أن بلغ قوله: فالمذهب الصحيح هو ما كان عليه السلف الصالح. وهو مذهب الأخباريّين الذين عُرفوا بهذا الاسم لاعتمادهم على الأخبار وعملهم بالأحاديث. وإنّي أكتب ما سمعته عن امناء هذا المذهب، وأحدهم محمّد رضا القزوينيّ. وإنّما يسمّونهم بالأخباريّين إذ يستندون إلى الأخبار ولا يجتهدون.
وخاطب الملّا محمّد أمين المجتهدين المتأخّرين قائلًا: أنتم ترون أنّ السلف لم يتبنّوا الاجتهاد. وإنّما كان مذهبهم أيّام النبيّ صلى الله عليه وآله والأئمّة عليهم السلام هو مذهب الأخباريّين. فحسبنا ذلك دليلًا، إذ إنّ طريقنا طريق متواصل. فما هو دليلكم على جواز الاجتهاد؟ وقولوا لنا: بكلام أيّ معصوم سلكتم هذا الطريق؟! فلم يأت نبيّ بدينٍ بعد محمّد صلى الله عليه وآله. وكذلك لم يرد في كتاب الله وأحاديث النبيّ والأئمّة أنّ الناقلين يعملون بالأخبار ويجتهدون بعد غيبة الإمام.
فأصبح واضحاً بكلّ تأكيد أنّكم خلطتم اصولكم باصول أهل السُّنّة والجماعة. وأنّ مذهبكم مثل (السكنجبين)[1] لا هو شهدٌ ولا هو خَلّ؛ وأنّكم لا من السُّنّة ولا من الشيعة! ووجه اجتهاد المتأخّرين أنّهم عند ما اشتدّت التقيّة، أقبلوا على كتب المخالفين لأخذ العلم منها. فرسخت تلك الامور في قلوبكم. فأطرحوا من كتبهم ما كان مخزياً، ومزجوا بعضه بمذهبهم.
ويُفصّل المولى محمّد أمين الموضوع هنا أيضاً، إلى أن يقول: وممّا ينبغي أن يُذكر هو أنّ المجتهد يجب أن يعمل بظنّه، والظنّ شبهة. وتُعرف الشُّبهة بهذا الاسم لالتباس الحقّ فيها بالباطل. ويواصل المذهب الأخباريّ طريقه بلا لِمَ ولَا نُسَلِّم. أي: بلا مِرَاءٍ غَبيّ أحمق، إذ إنّ كلّ ما يُسمع من الإمام، فهو دليل قطعيّ. فالعمل بالمذهب الأخباريّ طريق قطعيّ. وشتّان ما بين القطعيّ والظنّيّ! وقال المتأخّرون من الشيعة: يكون الإنسان مجتهداً إذا عمل بظنّه، وعلى الناس إطاعة ظنّه. ولم يكن هذا مسلك القدماء فالعمل بالاجتهاد سهو وخطأ.[2]
أجل، يمكننا أن نستنبط تشيُّعَ مؤلّف «دبستان المذاهب» بل مسلكه الأخباريّ من مواضع عديدة في كتابه كما يتبيّن ذلك من عباراته ومطالبه التي نقلناها نفسها هنا، وهذا هو ما نبّه عليه المرحوم العلّامة الطهرانيّ رحمه الله أيضاً.
يضاف إلى ذلك، وكما حكى عنه المرحوم صاحب «الذريعة» فإنّ كتابه لمّا كان يدور حول العقائد والملل والنِّحل، فقد عدل عن منهج السيّد مرتضى الرازيّ- مؤلّف كتاب «تبصرة العوامّ» الذي دعمه وانحاز إليه دينيّاً خطأ- وصنّف هذا الكتاب ليظلّ بعيداً عن دعم فئة أو مذهب معيّن، ويصبح متحقّقاً بالحقّ.
والأنكى من ذلك كلّه أنّه عدّ المولى محمّد أمين الأسترآباديّ مروّج التشيّع على الإطلاق في عصره، وكأنّ الاصوليّين- عنده- لا مسلمون ولا شيعة، إذ لم يذكر اسماً لمروّج مذهبهم يومئذٍ.
ولم يذكر أساطين الشيعة الاصوليّين آنذاك كالميرداماد، والشيخ البهائيّ، والمجلسيّ الأوّل، والمحقّق الكركيّ عبد العالي صاحب كتاب «جامع المقاصد»، وأمثال هؤلاء الأعلام والأساطين. فهل نتصوّر تحيّزاً أكثر من هذا؟
وإذا تغاضينا عن ذلك برمّته فإنّ جميع الاشكالات التي حكاها على لسان الأخباريّين ضدّ الاصوليّين، قد أجاب عنها هؤلاء جواباً محكماً دقيقاً، وبرهنوا على صحّة مذهبهم؛ إذ إنّ مذهبهم هو مذهب أهل البيت عليهم السلام. وهم الذين يرون أنّ للعقل قيمته. أمّا الأخباريّون فإنّهم يُسقطون العقل مقبلين على التعبّد بالأخبار دون ملاحظة سندها وصحّتها. فهل يمكن أن يكون هذا غير نَعَم ونُسَلِّم بحمقٍ وغباء حقّاً؟
إن الأخباريّين لا ينظرون إلى متن الخبر، هل هو يغاير العلم، أو يناقض الواقع، أو يباين حكم العقل؟ فهم لا ينظرون إلى هذه الجوانب أبداً، وإنّما يكتفون بالنظر إلى سند الحديث، ويجتزئون به إذا كان في الاصول الأربعة فحسب. وقد أبطل الاصوليّون هذا الطريق، وأوصدوا منافذه، وأحرقوا كيانه، وذرّوا رماده في الهواء، حيث يقولون: نحن نميّز صحّة السند من صحّة المتن في كثير من الأوقات ولا يحكم الإسلام والقرآن المبتنيان على العلم والحقّ والأصالة بالباطل ولو تعبّداً. وكان الرسول هو العقل الأوّل في العالم، وأئمّة الشيعة هم عقول العالم الرفيعة الأولى؛ فلا تَعبّد أعمى حينئذٍ في الشريعة. فما هو موجود إنّما هو نور، وحقّ وأصالة، وحقيقة. وإنّنا نعمل بالأخبار المتواترة أو المستفيضة أو المحفوفة بقرائن قطعيّة. ونعمل بأخبار الآحاد الثابتة حجّيّتها بالقطع واليقين، لا بكلّ خبر مقطوع أو مرسل في الكتاب الفلانيّ، مع كثرة الأخبار المنحولة الموضوعة المدسوسة المبثوثة في هذه الكتب.
إن المجتهد لا يعمل بالظنّ إلّا أن ينتهي إلى اليقين في طريق الوصول إلى الحقّ. وإنّ قولهم: ظَنِّيَةُ الطَّرِيقِ لَا يُنَافِي قَطْعِيَّةَ الحُكْمِ يرتبط بهذا الموضوع.
ونحن لا ننوي هنا عدّ أخطاء الأخباريّين واحداً بعد الآخر. فقد تصدّى لهم المرحوم الآغا محمّد باقر البهبهانيّ، وتلامذته من بعده، وتلامذتهم الذين أعقبوهم، ومنهم أفضل المحقّقين الشيخ مرتضى الأنصاريّ في كتاب «الرسائل». فقد ذكر هذا العَلَم المسائل الخلافيّة بين الاصوليّين والأخباريّين ودرسها دراسة عميقة. ونحمد الله تعالى إذ كَسَد سوق الأخباريّين في عصرنا هذا.
ولو لا هؤلاء الأعلام لتقدّم الأخباريّون في عملهم وساقوا العالم الإسلاميّ نحو الجهل والعمى من خلال هذه العبارات الساذجة الخدّاعة: اتّباع العقل اتّباع العامّة. و: الاقتداء بأهل البيت هو التّسليم لأوامرهم بلا مِراء.
و: أليس الرجوع إلى العقل مذهب العامّة؟ و: كُلُّ مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ هَذَا البَيْتِ فَهُوَ بَاطِلٌ. وأمثالها. ولو لا اولئك العلماء لرَسم الأخباريّون شبحاً مظلماً غامضاً للمستقبل عبر مناوءة الحكمة والعرفان، وبعامّة مناوءة العلوم العقليّة جميعها.
وقد انتشر المذهب الأخباريّ منذ عصر المولى محمّد أمين الأسترآباديّ إلى أن لمسنا آثاره عند الشيخ أحمد الأحسائيّ وأتباعه. ورأينا علومهم ومعارفهم التي ينبغي أن نسمّيها سدّ العلوم والمعارف حقّاً. وهكذا تعاقبت الأيّام حتى نهض الشيخ المجدّد ومحيي المذهب سماحة الآغا محمّد باقر المعروف بالوحيد البهبهانيّ، فنسف بنيانهم من القواعد عبر مدرسته الاصوليّة المستقيمة الرصينة. واستبان أنّ الشيخ المفيد، والسيّد المرتضى عَلَم الهُدى، والعلّامة الحلّيّ، وأشباههم لم يركنوا إلى الاصول غفلةً، بل جنحوا إليها ونظروا فيها بوعي وبصيرة وإمعان.
أجل، إنّ قصدنا من هذا الكلام هو أن نعرف أنّ مؤلّف كتاب «دبستان المذاهب» أخباريّ محض، مع أنّه مجهول، ولا يمكن الحكم على شخصٍ معيّن بنفسه. وقد ذكر في كتابه سورة منحولة موضوعة هي سورة الولاية، زاعماً أنّها ساقطة من القرآن، معرّفاً الشيعة من خلالها.
وكلّ من ينظر في هذه السورة، يعلم بأدنى تأمّل أنّها موضوعة مفتراة. وشتّان ما بين القرآن الحكيم العزيز والفرقان المجيد المعجز، وبين هذه السورة المبتذلة التي يستطيع كلّ إنسان عارف باللغة العربيّة أن يأتي بمثلها كما قال الآشتيانيّ!
ومن الثابت أنّ هذه السورة وضعها بعض الأخباريّين الذين تظاهروا بأنّهم أحرص على المذهب من غيرهم وينطبق عليهم المثل القائل: مَلَكِيّ أكثر من الملِك، وأنّهم تحمّسوا للذبّ عن سيّدنا ومولانا أمير المؤمنين عليه السلام وبيان مثالب اعدائه. وقد افتروا هذه السورة ونسبوها إلى الكلام الإلهيّ والعياذ بالله.
ولهذا رأينا في كلام الآشتيانيّ أنّها لم تُلحَظ في كتاب آخر غير «دبستان المذاهب». وقد أشار ابن شهرآشوب إلى سورة الولاية الساقطة.
وما جاء في كتاب «دبستان المذاهب» من آراء، جاء في كتاب «فصل الخطاب في تحريف كتاب ربّ الأرباب» أيضاً. وهذا الكتاب للمحدِّث النوريّ صاحب كتاب «مستدرك الوسائل» الذي يُعدّ من الكتب المفيدة، وبخاصّة خاتمته الحاوية مباحث بكراً جديدة- على الرغم من وجود الإشكال في كثير من مواضعه- فقد ألّف المحدِّث النوريّ كتابه المذكور في تحريف القرآن. وأراد إثبات التحريف من حيث النقص فحسب، لا من حيث التغيير والزيادة.
ولقد استعرتُ الكتاب المذكور من استاذي في الحديث والرجال والدراية سماحة العلّامة الشيخ آغا بزرك الطهرانيّ قدّس سرّه أيّام إقامتي في النجف الأشرف لطلب العلم. وطالعتُه من البداية إلى النهاية مع رسالة مثبّتة في بدايته بخطّه الشريف، وكان المرحوم النوريّ قدّس سرّه قد كتبها تحت عنوان: «ردّ كشف الارتياب». وقال المرحوم العلّامة الطهرانيّ: قال استاذنا النوريّ قدّس سرّه: لا أرضى عمّن يطالع «فصل الخطاب»، ويترك النظر إلى هذه الرسالة.
[1] السكنجبين: كلمة فارسيّة أصلها «سركه انگبين»، وهي شراب يتّخذ من الخلّ والسكّر، يُمزجان ويُغليان حتى يذوب السكّر في الخلّ. (م)
[2] كتاب «دبستان المذاهب» ص 226 إلى 235، طبعة بومباي، سنة 1262.