لمّا رجعوا من دفن أحمد بن حنبل قصدوا مَشْهَدَ بابُ التِّبْنِ (مشهد الكاظمين عليهما السلام) فاغلق بابه، فنقبوا في سوره وتهدّدوا البوّاب، فخافهم وفتح الباب، فدخلوا ونهبوا ما في المشهد من قناديل ومحاريب[1] ذهب وفضّة وستور وغير ذلك، ونهبوا ما في الترب والدور، وأدركهم الليل فعادوا.
فلمّا كان الغد كثر الجمع، فقصدوا المشهد، وأحرقوا جميع الترب والآزاج، واحترق ضريح موسى بن جعفر، وضريح ابن ابنه محمّد بن عليّ، والجوار، والقبّتان الساج اللتان عليهما. واحترق ما يقابلهما ويجاورهما من قبور ملوك بني بُويَه: معزّ الدولة، وجلال الدولة. ومن قبور الوزراء والرؤساء، وقبر جعفر بن أبي جعفر المنصور، وقبر الأمير محمّد بن الرشيد، وقبر امّه زبيدة.
وجرى من الأمر الفظيع ما لم يجر في الدنيا مثله.
فلمّا كان الغد خامس الشهر عادوا وحفروا قبر موسى بن جعفر ومحمّد بن عليّ عليهما السلام لينقلوهما إلى مقبرة أحمد بن حنبل، فحال الهدم بينهم وبين معرفة القبر، فجاء الحفر إلى جانبه. وسمع أبو تمّام نقيب العبّاسيّين وغيره من الهاشميّين السُّنّة الخبر، فجاؤوا ومنعوا عن ذلك.
وقصد أهل الكرخ إلى خان الفقهاء الحنفيّين فنهبوه، وقتلوا مدرّس الحنفيّة أبا سعد السَّرَخْسيّ، وأحرقوا الخان ودور الفقهاء. وتعدّت الفتنة إلى الجانب الشرقيّ، فاقتتل أهل باب الطاق وسوق بجّ، والأساكفة، وغيرهم.
ولمّا انتهى خبر إحراق المشهد إلى نور الدولة دُبَيْس بن مَزيد، عظم عليه واشتدّ وبلغ منه كلّ مبلغ لأنّه، وأهل بيته، وسائر أعماله من النيل، وتلك الولاية كلّهم شيعة. فقُطعت في أعماله خطبة القائم بأمر الله، فَرُوسِلَ في ذلك وعُوتِبَ، فاعتذر بأنّ أهل ولايته شيعة، واتّفقوا على ذلك، فلم يمكنه أن يشقّ عليهم، كما أنّ الخليفة لم يمكنه كفّ السفهاء الذين فعلوا بالمشهد ما فعلوا. وأعاد الخطبة إلى حالها.[2]
قال العلّامة الأمينيّ بعد بيان ما نقلناه آنفاً عن تاريخ ابن الأثير: وزاد ابن الجوزيّ في «المنتظَم» ج 8، ص 150: ظهر عيّار الطقطقيّ من أهل درزيجان وحضر الديوان واستتيب وجرى منه في معاملة أهل الكرخ وتتبّعهم في المحالّ وقتلهم على الاتّصال ما عظمت فيه البلوى.
واجتمع أهل الكرخ وقت الظهيرة فهدمت حائط باب القلّائين ورموا العذرة على حائطه. وقطع الطقطقيّ رجلين وصلبهما على هذا الباب بعد أن قتل ثلاثة من قبل وقطع رؤوسهم ورمى بها إلى أهل الكرخ وقال: تغدّوا برءوس! ومضى إلى درب الزعفرانيّ فطالب أهله بمائة ألف دينار وتوعّدهم إن لم يفعلوا بالإحراق فلاطفوه فانصرف، ووافاهم من الغد فقاتلوه فقُتل منهم رجل هاشميّ، فحمل إلى مقابر قريش.
واستنفر البلد ونقب مشهد باب التِّبن ونُهب ما فيه، واخرج جماعة من القبور، فأحرقوا مثل العونيّ، والناشي، والجذوعيّ (من شعراء أهل البيت عليهم السلام المعروفين).
ونقل من المكان جماعة موتى فدُفنوا في مقابر شتّى وطرح النار في الترب القديمة والحديثة، واحترق الضريحان والقبّتان الساج، وحفروا أحد الضريحين ليخرجوا مَن فيه ويدفنونه بقبر أحمد بن حنبل، فبادر النقيب والناس فمنعوهم ... إلى آخره.
و ذكر القصّة على الاختصار ابن العماد في «شذرات الذهب» ج 3، ص 270، وابن كثير في تاريخه: ج 12، ص 62[3]
[1] المقصود من المحاريب هنا الأثاث والمصابيح واللوحات الذهبيّة النفيسة التي كانت قد نُصبت في مقدّم الحرم المطهّر وأمامه وصدره.
[2] «الكامل في التأريخ» ج 9، ص 561 فما بعدها، طبعة دار صادر، ودار بيروت، سنة 1386 هـ.
[3] «الغدير» ج 4، ص 308 إلى 310.