من جملة العلوم: علم الفقه. ولقد ظهر فقهاء في الإسلام كان أمير المؤمنين عليه السلام أفقههم، لكنّه لم يظهر عن جميعهم ما ظهر منه. ثمّ إنّ جميع فقهاء الأمصار إليه يرجعون ومن بحر فقهه يغترفون. أمّا أهل الكوفة وفقهاؤهم سفيان الثوري، والحسن بن صالح بن حيّ، وشريك بن عبد الله، وابن أبي ليلى. وهؤلاء يفرّعون المسائل من الاصول ويقولون: هذا القياس قول عليّ بن أبي طالب. ويترجمون الأبواب (الفقهيّة) بذلك.
وأمّا أهل البصرة وفقهاؤهم الحسن وابن سيرين، وكلاهما كانا يأخذان عمّن أخذ عن عليّ عليه السلام. وابن سيرين يفصح بأنّه أخذ عن الكوفيّين، وعن عُبيدة السمعانيّ، وهو أخصّ الناس بعليّ عليه السلام.
وأمّا أهل مكّة، فانّهم أخذوا فقههم عن ابن عبّاس، وعن عليّ عليه السلام. وقد أخذ ابن عبّاس معظم علمه عنه عليه السلام.
وأمّا أهل المدينة فعنه عليه السلام أخذوا. وقد صنّف الشافعيّ كتاباً مفرداً في الدلالة على اتّباع أهل المدينة لعليّ عليه السلام، وعبد الله. وقال محمّد بن الحسن الفقيه: لَوْ لَا عَلِيّ بْنُ أبِي طَالِبٍ مَا عَلِمْنَا حُكْمَ أهْلِ البَغي (إذ لا ينبغي أسرهم، والإجهاز على جريحهم، وابتزاز أموالهم). ولمحمّد بن الحسن كتاب في الفقه يشتمل على ثلاثمائة مسألة في قتال أهل البغي بناءً على فعله عليه السلام.
وورد في مسند أبي حنيفة أنّ هشام بن الحكم قال: قال الصادق عليه السلام لأبي حنيفة: من أين أخذتَ القياس؟ قال: من قول عليّ بن أبي طالب، وزيد بن ثابت. حين شاهدهما عمر في الجدّ مع الإخوة (في باب الإرث) فقال له عليّ عليه السلام:
لَوْ أنَّ شَجَرَةً انْشَعَبَ مِنْهَا غُصْنٌ وانْشَعَبَ مِنَ الغُصْنِ غُصْنَانِ، أيُّمَا أقْرَبُ إلَى أحَدِ الغُصْنَيْنِ: أ صَاحِبُهُ الذي يَخْرُجُ مَعَهُ أمِ الشَّجَرَةُ؟
فقال زيد (بن ثابت): لَوْ أنَّ جَدْوَلًا انْبَعَثَ فِيهِ سَاقِيَةٌ، فَانْبَعَثَ مِنَ السَّاقِيَةِ سَاقِيَتَانِ، أيُّمَا أقْرَبُ: أحَدُ السَّاقِيَتَيْنِ إلَى صَاحِبِهِمَا أمِ الجَدْوَلُ؟[1]
نرى هنا أنّ أمير المؤمنين عليه السلام وزيد بن ثابت أرادا أن يقيما له برهاناً يتلخّص في أنّه لمّا كان تقسيم الميراث بين أرحام الميّت وأقربائه على أساس قرابتهم منه، فانّ من مات وليس له أولاد وأب وامّ، ولكن له جدّ وأخ، فلا يُعطى الجدُّ الميراثَ كلّه، إذ إنّ للأخ أن يرث أيضاً، وهو أقرب إلى المتوفّى من الجدّ. وإذا أعطينا جدّه نصيبه من الإرث، فلا بدّ أن نعطي أخاه نصيبه أيضاً. وحينئذٍ يصل الميراث إلى الجدّ والإخوة، لا إلى الجدّ وحده. وقبل عمر كلامهما، وعند ما راجعوه في إرث المتوفّى الذي ترك جدّاً وأخاً، أفتى بأنّهما يرثان معاً، وذلك على خلاف رأي أبي بكر الذي كان يقول: الجدّ يرث فحسب.
وقال الشيخ الطوسيّ في كتاب «الخلاف»: إذا كان الورثة هم أخ لأب وامّ، وأخ لأب، وجدّ، فالمال بين الأخ للأب والامّ، والجدّ نصفان: لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ. ويسقط الأخ من جهة الأب. واختلف الصحابة فيها، فذهب أبو بكر ومن تابعه إلى أنّ المال للجدّ، ويسقطان معاً. وذهب عمر وابن مسعود إلى أنّ المال بين الأخ للأب والامّ، وبين الجدّ نصفان ويسقط الأخ للأب.[2]
وقال الشيخ محمّد حسن النجفيّ في كتاب «جواهر الكلام»: لا خلاف بيننا نحن الشيعة في أنّ الجدّ، وإن علا، يقاسم الإخوة لصدق اسم الجدّ، فضلًا عن أولادهم. بل عن بعض العامّة سقوط كلالة الأبوين أو الأب مع الجدّ، وإن تواترت نصوصنا بخلافه -إلى أن قال- وعلى كلّ حال، فلو اجتمعا، أي الأدنى وإن بعد مع الإخوة، شاركهم الأدنى وسقط الأبعد من غير فرق بين اتّحاد الجهة واختلافها. فلا يرث (الجدّ) الأعلى للأب ولو كانَ ذَكَراً مع (الجدّ) الأدنى للُامّ ولو كان انثى، وكذا العكس.[3]
ومن جملة العلوم التي فاق بها الإمام أمير المؤمنين عليه السلام غيره علم حساب مقدار الميراث. ويسمّى صاحب هذا العلم فرضيّاً، وجمعه (فرضيّون). وكان الإمام صلوات الله عليه أشهر الفرضيّين في هذا العلم. فقد جاء في فضائل أحمد بن حنبل أنّ عبد الله قال: إنَّ أعْلَمَ أهْلِ المَدِينَةِ بِالفَرَائِضِ عَلِيّ بْنُ أبِي طَالِبٍ.
وقال الشَّعْبيّ: مَا رَأيْتُ أفْرَضَ مِنْ عَلِيّ ولَا أحْسَبَ مِنْهُ. ثمّ نقل الشعبيّ سؤال الشخص الذي سأل الإمام وهو يخطب على المنبر، إذ سأله عن رجل مات وترك امرأة وأبوين وابنتين، كم نصيب المرأة، فقال عليه السلام بلا توقّف: صَارَ ثُمْنُهَا تُسْعَاً.[4] وعرفت هذه المسألة بالمسألة المنبريّة.
ومن ذلك المسألة الديناريّة، وفيها أنّ الإمام خرج من منزله ووضع قدمه في الركاب، فجاءته امرأة وقالت له: مات أخي وترك ستمائة دينار، وأعطونيّ ديناراً واحداً من هذا المبلغ فأنصفني وأعطني حقّي. فعدّ الإمام مقداراً من الورثة في ذهنه الوقّاد على الفور، وأثبت لها أنّ نصيبها ليس أكثر من دينار، ثمّ ركب ومضى عليه السلام.
[1] ذكر السيّد عبد الحسين شرف الدين العامليّ في كتاب «النصّ والاجتهاد» ص 217 إلى 219 الطبعة الثانية، في المورد الثلاثين الخاصّ بميراث الجدّ مع الإخوة أنّ البيهقيّ أخرج في سننه، وفي «شعب الإيمان»، والشيخ في كتاب «الفرائض»، ونقله المتّقي الهنديّ في «كنز العمّال» ج 6، ص 15، أنّ عمر سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم عن ميراث الجدّ مع الإخوة، فقال له رسول الله: ما سؤالك عن هذا يا عمر؟ إنّي أظنّك تموت قبل أن تعلمه. قال راوي هذا الحديث سعيد بن المسيِّب: فمات عمر قبل أن يعلمه. قال العامليّ رضوان الله عليه: وقد اضطرب عمر في هذه المسألة أيّام خلافته حتى قضي فيها- فيما قيل عنه- بسبعين حكماً. وأخرج ابن أبي شيبة، والبيهقيّ في سننهما، وابن سعد في طبقاته، ونقله صاحب «كنز العمّال» ج 6، ص 15 في الفرائض، أنّ أبا عُبيدة السلمانيّ قال: لقد حفظتُ لعمر بن الخطّاب في الجدّ مائة قضيّة مختلفة. وأخرج البيهقيّ في «شعب الإيمان» كما في «كنز العمّال» ج 6، ص 15: أنّ عمر قال: إنِّي قضيتُ في الجدّ قضيّات لم آل فيها عن الحقّ. ورجع أخيراً في هذه المعضلة إلى زيد بن ثابت. ونقل الدميريّ في مادّة حيّة من كتاب «حياة الحيوان» عن طارق بن شهاب الزهريّ أنّه قال: كان عمر بن الخطّاب قضى في ميراث الجدّ مع الإخوة قضايا مختلفة، ثمّ إنّه جمع الصحابة، وأخذ كتفاً ليكتب فيه وهم يرون أنّه يجعله أباً، فخرجت حيّة فتفرّقوا. فقال عمر: لو أراد الله تعالى أن يمضيه لأمضاه. ثمّ أتى إلى منزل زيد بن ثابت، فقال له: جئتك في أمر الجدّ، وأريد أن أجعله أباً. فقال زيد: لا اوافقك على أن تجعله أباً. فخرج عمر مغضباً، ثمّ أرسل إليه في وقت آخر. فكتب زيد مذهبه فيه في قطعة قتب. وبعثه إليه. فلمّا قرأ عمر كتاب زيد، خطب الناس، ثمّ قرأ قطعة القتب عليهم. ثمّ قال: إنّ زيداً قد قال في الجدّ قولًا قد أمضيته. قال آية الله العامليّ رضوان الله عليه في الهامش: من أراد الوقوف على ارتباك عمر في هذه القضيّة، فعليه بالوقوف على ما حولها من صحاح السنّة ومسانيدها. وحسبك ما في الفرائض من «كنز العمّال»، ومن «المستدرك» للحاكم. ولمّا بلغ موضوعنا هذه النقطة من البحث، يحسن بنا أن نذكر المورد الحادي والثلاثين من الموارد التي تأوّل فيها عمر مقابل السنّة النبويّة، وقد أورده آية الله العامليّ في الفريضة المشتركة التي تُعرف بالحماريّة. ومجمل القضيّة أنّ امرأة ماتت عن زوج وامّ، وأخوين آخرين لُامّها وأبيها معاً، وذلك على عهد الخليفة الثاني فرفعت إليه هذه القضيّة مرّتين. فقضى في المرّة الاولى بإعطاء زوجها فرضه وهو النصف، وإعطاء امّها فرضها وهو السدس، وإعطاء أخويها لُامّها خاصّة الثلث لكلّ منهما السدس، فتمّ المال، واسقط أخواها الشقيقان. وفي المرّة الثانية أراد أن يحكم بذلك أيضاً، فقال له أحد الشقيقين: هب أنّ أبانا كان حماراً فأشركنا في قرابة امّنا. فأشرك عمر بينهم بتوزيع الثلث على الإخوة الأربعة بالسواء. فقال له رجل: إنّك لم تشركهما عام كذا؟ فقال عمر: تلك على ما قضينا يومئذٍ، وهذه على ما قضينا الآن. قال آية الله العامليّ رضوان الله عليه في الهامش: أخرجه البيهقيّ، وابن أبي شيبة في سننهما، وعبد الرزّاق في جامعه كما في أوّل الصفحة الثانية من فرائض «كنز العمّال» ج 6، ص 7، الحديث 110. وذكر في هذه القضيّة الفاضل الشرقاويّ في حاشيته على «التحرير» للشيخ زكريّا الأنصاريّ، ونقل صاحب «مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر»: أنّ عمر كان أوّلًا يقول بعدم التشريك ثمّ رجع. وسبب رجوعه أنّه سئل عن هذه المسألة فأجاب كما هو مذهبه. فقام واحد من الأولاد لأبٍ وامّ وقال: يا أمير المؤمنين! لئن سلّمنا أنّ أبانا كان حماراً، ألسنا من امّ واحدة؟ فأطرق رأسه مليّاً وقال: صدقتَ لأنّكم بنو امّ واحدة، فشركهم في الثلث. وذكر أحمد أمين هذه القضيّة بهذه الكيفيّة على سبيل الاختصار في كتابه «فجر الإسلام» ج 1، ص 285، المخصوص بالحياة العقليّة. وقال آية الله العامليّ رضوان الله عليه في المتن أيضاً: وتعرف هذه المسألة بالفريضة الحماريّة لقول ذلك الرجل: هَبْ أنّ أبانا كان حماراً. وربما سمّيت بالحجريّة واليمّيّة. إذ روى أنّ بعضهم قال: هَبْ أنّ أبانا كان حَجَراً ملقى في اليمّ. وقد تسمّى العمريّة لاختلاف قولي عمر فيها. ويقال لها: المشتركة. وهي من المسائل المعروفة عند فقهاء المذاهب الأربعة وهم مختلفون فيها. فأبو حنيفة وصاحباه، وأحمد بن حنبل، وزفر، وابن أبي ليلى يرون حرمان الأخوين الشقيقين على ما قضى به عمر أوّلًا، بخلاف مالك والشافعيّ، فإنّهما يشركان الشقيقين مع الأخوين لُامّ في الثلث على ما قضى به أخيراً.
[2] «الخلاف» ج 2، ص 72، المسألة 109، الطبعة الحديثة، سنة 1382 ه-.
[3] «جواهر الكلام» ج 39، ص 162، الطبعة الحديثة.
[4] تحدّثنا عن هاتين المسألتين مفصّلًا في الجزء الحادي عشر من هذا الكتاب، الدرس 161 إلى 165، فراجع.