
تاريخ الفيزياء

علماء الفيزياء


الفيزياء الكلاسيكية

الميكانيك

الديناميكا الحرارية


الكهربائية والمغناطيسية

الكهربائية

المغناطيسية

الكهرومغناطيسية


علم البصريات

تاريخ علم البصريات

الضوء

مواضيع عامة في علم البصريات

الصوت


الفيزياء الحديثة


النظرية النسبية

النظرية النسبية الخاصة

النظرية النسبية العامة

مواضيع عامة في النظرية النسبية

ميكانيكا الكم

الفيزياء الذرية

الفيزياء الجزيئية


الفيزياء النووية

مواضيع عامة في الفيزياء النووية

النشاط الاشعاعي


فيزياء الحالة الصلبة

الموصلات

أشباه الموصلات

العوازل

مواضيع عامة في الفيزياء الصلبة

فيزياء الجوامد


الليزر

أنواع الليزر

بعض تطبيقات الليزر

مواضيع عامة في الليزر


علم الفلك

تاريخ وعلماء علم الفلك

الثقوب السوداء


المجموعة الشمسية

الشمس

كوكب عطارد

كوكب الزهرة

كوكب الأرض

كوكب المريخ

كوكب المشتري

كوكب زحل

كوكب أورانوس

كوكب نبتون

كوكب بلوتو

القمر

كواكب ومواضيع اخرى

مواضيع عامة في علم الفلك

النجوم

البلازما

الألكترونيات

خواص المادة


الطاقة البديلة

الطاقة الشمسية

مواضيع عامة في الطاقة البديلة

المد والجزر

فيزياء الجسيمات


الفيزياء والعلوم الأخرى

الفيزياء الكيميائية

الفيزياء الرياضية

الفيزياء الحيوية

الفيزياء والفلسفة

الفيزياء العامة


مواضيع عامة في الفيزياء

تجارب فيزيائية

مصطلحات وتعاريف فيزيائية

وحدات القياس الفيزيائية

طرائف الفيزياء

مواضيع اخرى
الأثير والحركة
المؤلف:
البرت أينشتاين ليويولد إنفلد
المصدر:
تطور الأفكار في الفيزياء
الجزء والصفحة:
ص 122
2026-03-08
20
إن مبدأ النسبية الغاليلي صحيح من أجل الظواهر الميكانيكية. أي أن قوانين الميكانيك تنطبق كما هي في كل المراجع التي تتحرك حركة منتظمة، واحداً بالنسبة لآخر. فهل هذا المبدأ صحيح أيضاً من أجل الظواهر غير الميكانيكية؟ إن كل المسائل التي تتركز حول هذا السؤال تقود مباشرة إلى نقطة انطلاق نظرية النسبية.
لنتذكر أن سرعة الضوء في الخلاء، أو بتعبير آخر، في الأثير تساوي 300000 كيلومتر في الثانية، وأن الضوء موجة كهرطيسية تنتشر في الأثير، وأن الحقل يحمل طاقة، وهي، بمجرد صدورها من المنبع، تحيا وجوداً مستقلاً عن المنبع . وفي الوقت الحاضر نود أن نبقى على اعتقادنا بأن الأثير وسط تنتشر فيه الأمواج الكهرطيسية وكذلك أمواج الضوء أيضاً، بالرغم من شعورنا بأن غالبية الصعوبات تنشأ عن بنيته الميكانيكية.
لنفترض أننا جالسون في غرفة مغلقة تماماً على العالم الخارجي لدرجة أن الهواء لا يمكنه أن يدخل فيها ولا أن يخرج منها. فإذا كنا نتحدث دون أن نتحرك فإننا نولد، بلغة الفيزياء، أمواجاً صوتية تنتشر من المنبع الساكن سائرة بسرعة الصوت في الهواء. وإذا لم يكن يوجد هواء، أو وسط مادي آخر فيما بين المتحدثين، فلا يمكن أن يصل إليهم أي صوت. وتدل التجارب على أن سرعة الصوت في الهواء واحدة في جميع الاتجاهات إذا كان الجو خالياً من الرياح وكان الهواء في المرجع المختار ساكناً.
لنتصور الآن أن الغرفة تتحرك في الفضاء بسرعة منتظمة. ولنفترض أن رجلاً من خارج الغرفة المتحركة (أو القطار إذا شئتم) يرى ما يحدث فيها من خلال جدرانها الزجاجية. يمكن لهذا الراصد الخارجي أن يقوم، وهو في مكانه، بقياسات على ما يجري داخل الغرفة، يستنتج منها سرعة الصوت بالنسبة له نفسه، أي في المرجع المرتبط بالعالم الخارجي عن الغرفة والذي تتحرك الغرفة بالنسبة إليه. وهنا تتجلى من جديد المسألة القديمة، التي: بحثناها، وهي تعيين السرعة في مرجع ما، إذا علمنا قيمتها في مرجع آخر .
إن الراصد الموجود داخل الغرفة يقول: إن سرعة الصوت، كما أراها، واحدة في كل الاتجاهات. أما الراصد الموجود خارج الغرفة فيقول إن سرعة الصوت الذي ينتشر في الغرفة المتحركة، بموجب نتائج القياسات التي أقوم بها من مرجعي، ليست واحدة في كل الاتجاهات. إنها، في اتجاه حركة الغرفة، أكبر من سرعة الصوت النظامية التي أعرفها؛ أما في عكس اتجاه حركة الغرفة فهي أصغر من ذلك. لقد كان بإمكاننا نحن أن نتنبأ بنتائج كل من الراصدين، وذلك بموجب قانون تحويل السرعة من مرجع عطالي لمرجع آخر عطالي. وهنا نرى التجربة تؤكد ذلك. فالغرفة المتحركة مرجع عطـالي ينقــل معـه الراصد الداخلي والمادة التي تملأ جو الغرفة، أي الهواء الذي يحمل الأمواج الصوتية. فالغرفة وهواؤها والراصد الداخلي مرجع واحد. أما الراصد الخارجي فهو بحد ذاته مرجع عطالي آخر. ولهذا السبب تختلف سرعة الصوت من راصد لآخر.
يمكن أن نستخلص بعض نتائج أخرى من النظرية القائلة بأن الصوت موجة تنتشر في وسط مادي. وخير برهان على ذلك، وربما هو ليس أبسط برهان، هو أننا لا نسمع صوت المتحدث إذا. كنا نركض مبتعدين عنه بسرعة أكبر من سرعة الصوت في الهواء المحيط بالمتحدث، فلا يمكن عندئذ للأمواج الصوتية الصادرة عن فمه أن تصل إلى آذاننا. وعلى هذا، إذا فاتنا سماع جملة مهمة من خطيب مفوه فما علينا سوى أن نركض بسرعة أكبر من سرعة الصوت كي نلحق بالموجة التي تحمل هذه الجملة. وما من شيء يخالف المنطق في هذه التجارب؛ اللهم إلا أننا، في الحالتين، يجب أن نركض بسرعة تريز على 350 متراً في الثانية الواحدة؛ ولا مانع من أن نأمل أن يتوصل التقدم التقني إلى تحقيق سرعة من هذا القبيل. إن القذيفة المنطلقة من مدفع تتحرك بأسرع من الصوت في الهواء، والراكب الذي يمتطي صهوة هذه القذيفة لا يسمع صوت الانفجار الذي أطلقها من المدفع .
إن لكل هذه الأمثلة سمة ميكانيكية. ويمكننا الآن أن نطرح أسئلة هامة : هل يمكن أن نكرر ما قلناه ، بخصوص الموجة الصوتية ، في حالة الموجة الضوئية؟ أي: هل مبدأ النسبية الغاليلي والتحويل التقليدي يصلحان في الظواهر الضوئية والكهربائية أيضاً كما يصلحان في الظواهر الميكانيكية؟ قد نخوض مغامرة لا تحمد عقباها إذا أجبنا عن هذا السؤال بـ ( «نعم » أو « لا » ، قبل أن نفحص معناه بشكل عميق.
إن دراسة الموجة الصوتية في الغرفة المتحركة بانتظام بالنسبة للراصد الخارجي، تستند، كما رأينا وقبل استخلاص النتائج، إلى الملاحظتين الأساسيتين المرحليتين التاليتين:
إن الغرفة المتحركة تنقل معها الهواء الذي تنتشر فيه الموجة الصوتية. إن قيمتي السرعة، المرصودة من مرجعين يتحرك أحدهما بانتظام بالنسبة للآخر، مرتبطتان فيما بينهما بالتحويل التقليدي.
إن المسألة المقابلة لذلك، في الضوء، تنطرح بشكل مختلف قليلاً. فالراصدون في الغرفة لا يتكلمون بل يرسلون إشارات ضوئية، أي أمواجاً ضوئية، في كل الاتجاهات. وسنفترض، فوق ذلك، أن منابع الضوء تبقى ساكنة في الغرفة. فالأمواج الضوئية تنتشر في الأثير الذي يملأ الغرفة كما كانت الأمواج الصوتية تنتشر في هوائها.
هل ينجرف الأثير مع الغرفة كما يفعل الهواء؟ إن الإجابة عن هذا السؤال صعبة جداً لأننا ليس لدينا أية صورة ميكانيكية للأثير. إذا كانت الغرفة مغلقة فإن الهواء الداخلي مجبر على الحركة معها. لكن هذه الفكرة في حالة الأثير لا معنى لها لأن المادة كلها غارقة في الأثير الذي يدخل إلى أعمق أحشائها. فلا يوجد باب مغلق في وجه الأثير. إن الغرفة المتحركة، تعني لنا الآن مرجعاً متحركاً يرتبط به المنبع الضوئي ارتباطاً متماسكاً. على أننا لا يصعب علينا مع ذلك أن نتصور أن الغرفة تجر الأثير معها كما كانت تجر منبع الصوت والهواء الموجودين فيها. لكننا يمكننا أن نتصور العكس أيضاً أي أن الغرفة تتحرك عبر الأثير، كالسفينة عبر بحر هادئ تماماً، ولا تجر أي جزء من الوسط بل تتحرك ببساطة خلاله. ففي الصورة الأولى تجرف الغرفة المتحركة الأثير معها كما تجرف كل شيء فيها، والتشابه مع الموجة الصوتية يصح عندئذٍ ويقود إلى نتائج مماثلة لتلك تماماً. أما في الصورة الثانية فلا تجر الغرفة الأثير في حركتها كما تجر منبع الضوء، فيفسد التشابه مع الموجة الصوتية ونحصل ، في حالة الموجة الضوئية، على نتائج تختلف عن النتائج السابقة . وبالإضافة إلى هاتين الإمكانيتين المتطرفتين يمكن أن نتصور إمكانية ثالثة وسطاً بينهما ، أي أن الأثير ينجر . جزئياً مع الغرفة ومنبع الضوء ، لكننا لا نرى سبباً لمناقشة هذه الإمكانية المعقدة قبل أن نسأل التجربة رأيها في الصورتين المتطرفتين.
نبدأ بالصورة الأولى حيث ينجر الأثير مع حركة الغرفة ومنبع النور المرتبط بها . فإذا احتفظنا بالثقة في قانون التحويل التقليدي وبصلاحيته في حالة الأمواج الضوئية ، كما فعلنا مع الأمواج الصوتية ، أمكن أن نصل تماماً إلى نتائج مماثلة لتلك . ولا يوجد سبب وجيه حتى الآن يبيح لنا أن نرتاب في قانون تحويل السرع الميكانيكي الذي يفيد بأن السرع تنضاف معاً في بعض الحالات وتنطرح ، واحدة من الأخرى ، في حالات أخرى ؛ وهكذا نتمسك في الوقت الحاضر بانجراف الأثير مع الغرفة المتحركة والمنبع الضوئي المرتبط بها ، كما نتمسك بقانون تحويل السرع التقليدي .
إذا كان منبع الضوء مرتبطاً ارتباطاً سكونياً محكماً بالغرفة المتحركة وإذا صدرت عنه إشارة ضوئية فإن هذه الإشارة تنتشر ، كما تؤكد التجربة ، بسرعة 300000 كيلومتر في الثانية . لكن الراصد خارج الغرفة يرى حركتها وحركة المنبع الموجود داخلها . ولما كان الأثير ينجرف معهما فلابد أن يستنتج ما يلي : إن سرعة الضوء في مرجعي الخارجي تختلف باختلاف جهة انتشاره ؛ فهي أكبر من الطبيعي في جهة حركة الغرفة وأصغر من الطبيعي في الجهة المعاكسة . أما نحن فنستنتج : إذا كان الأثير ينجرف مع الغرفة والمنبع المتحركين معاً ، وإذا كانت قوانين التحويل التقليدي باقية على صحتها فلابد لسرعة النور من أن تتعلق بسرعة منبعه ، أي لابد ، مثلاً ، من أن يصلنا النور الآتي من منبع يتقدم نحونا ، بأسرع مما يصلنا لو كان المنبع يبتعد عنا.
هذا ولو كنا نستطيع أن نهرب أمام النور بسرعة أكبر من سرعته لما تمكنت الإشارة الضوئية اللحاق بنا . ولو كنا نستطيع أن نركض وراء النور ، الصادر عن حوادث فاتتنا رؤيتها ، بأسرع من النور لأمكننا اللحاق به و لاستطعنا أن نرى حوادث الماضي ولكن بترتيب يعاكس ترتيبها الذي كان ! فكأننا نرى فلما سينمائياً يعرض «بالمقلوب » ، أي بدءاً من نهايته . إن كل هذه النتائج ناجمة عن افتراض أن المرجع المتحرك يجرف معه الأثير ، وأن قوانين التحويل الميكانيكي صحيحة ، فيصبح التشابه بين الصوت والضوء تاماً .
لكن لا يوجد أية سمة توحي بصحة هذه النتائج . فهي ، على العكس من ذلك ، منقوضة في كل التجارب التي أنشئت لوضعها على المحك العملي. ولا يوجد أدنى شك في حكم التجربة عليها ، بالرغم من أن هذه الإدانة قد صدرت عن تجارب غير مباشرة ، وذلك للصعوبات الفنية الكبيرة الناجمة عن عظم سرعة النور . إن سرعة النور واحدة في كل المراجع ، سواء كان منبعه ساكناً أم متحركاً ومهما كان أسلوب حركة هذا المنبع .
لا مكان هنا للوصف التفصيلي للتجارب العديدة التي أكدت هذه النتيجة . بيد أن بالإمكان إيراد بعض الحجج البسيطة التي ، بالرغم من أنها لا تثبت بشكل قاطع استقلال سرعة الضوء عن حركة منبعه ، يمكنها مع ذلك أن تجعل هذه الفكرة مقنعة ومفهومة .
إن الأرض والكواكب الأخرى. في منظومتنا الشمسية، تتحرك دائرة حول الشمس. ونحن لا نعرف اليوم منظومات كوكبية تشبه منظومتنا. ولكن يوجد كثير من النجوم المضاعفة، أي أن كلاً منها يتألف من جرمين يدوران حول نقطة تقع بينهما تسمى مركز ثقلهما. إن رصد حركة أي نجم مضاعف يثبت صحة قانون نيوتن في التثاقل. لنفترض أن سرعة الضوء تتعلق بسرعة منبعه. سيكون عندئذ الشعاع الضوئي الذي بنطلق من النجم ذا سرعة متفاوتة كبراً وصغراً حسبما يكون النجم، لحظة إصدار الشعاع، مقترباً منا أو مبتعداً عنا. ولما كانت كل المعلومات، التي تصلنا من الأجرام السماوية، محمولة على الأشعة الضوئية الواردة منها، فلو تفاوتت سرعة النور على الشكل المذكور لشاهدنا اضطراباً في حركة جرمي النجم المضاعف ولاستحال علينا بالتالي أن نتأكد من صحة قانون التثاقل الذي يتحكم واضحاً في منظومتنا الكوكبية.
لنتأمل في تجربة تعتمد على فكرة بسيطة جداً في دولاب يدور بسرعة كبيرة حول محوره، فإذا افترضنا أثيراً مجروراً بحركة الدولاب ومشتركاً في هذه الحركة، فإن أية موجة ضوئية مارة قرب الدولاب لابد أن تتغير سرعتها عندما يبدأ الدولاب بالدوران؛ لأن سرعة الموجة في الأثير المتحرك المجرور بالدولاب لابد أن تختلف عن سرعة الموجة في الأثير الساكن، كما تختلف سرعة الصوت في الريح عن سرعة الصوت في الهواء الساكن. لكن التجربة لم تكشف أي مفعول من هذا القبيل. إن كل ذلك وسواه يدل على أن حكم الطبيعة، بإدانة فرضية الأثير المجرور بالحركة، هو حكم مبرم؛ وذلك من أي جانب تناولنا هذا الموضوع ومهما كان نوع التجربة الحاسمة التي نقوم بها. وهكذا تصبح نتائج دراستنا، المدعومة بحجج مفصلة، على الشكل التالي: (إن سرعة الضوء لا تتعلق بسرعة منبعه. لا يجب الافتراض بأن الأجسام المتحركة تجرف الأثير الذي يغمرها.)
ما هي النتائج التي يمكن أن نستخلصها في مجال ظواهر الحقل لو اعتمدنا الآن الحركة من خلال الأثير؟ إن هذا يعود إلى القول بوجود مرجع متميز عن كل المراجع الأخرى، ساكن في بحر الأثير. من الواضح عندئذ تماماً أن بعض قوانين الطبيعة لابد أن تكون ذات شكل خاص في هذا المرجع وإلا فإن جملة (حركة خلال الأثير» تصبح عديمة المعنى. فلو بقي مبدأ النسبية الغاليلي صحيحاً فيه، مثلاً، فإن الحركة خلال الأثير تفقد كل ميزة. وبذلك ندرك استحالة التوفيق بين هاتين الفكرتين. لأن وجود هذا المرجع المتميز المرتبط بالأثير يعطي وحده معنى لجملة «حركة مطلقة» أو جملة «سكون مطلق».
وهكذا وبعد أن جربنا أيضاً فرضية الأثير المجروف بالحركة، في سبيل إنقاذ مبدأ النسبية الغاليلي، ووصلنا إلى تناقض مع التجربة، لم يبق لدينا أي خيار معقول، اللهم إلا إذا تخلينا عن مبدأ النسبية الغاليلي وجربنا أن نفترض أن كل الأجسام تتحرك خلال الأثير الساكن.
ولأجل ذلك علينا في البدء، أن نتأمل في بعض النتائج التي يمكن أن تتعارض مع مبدأ النسبية الغاليلي وأن تدعم فرضية الحركة خلال الأثير، وأن نضعها من ثم على محك التجربة. قد يكون من السهل أن نتصور مثل هذه التجارب، بيد أن تنفيذها صعب جداً. ولكن، بما أننا لا نهتم هنا إلا بالأفكار، فلا بأس من أن نضرب صفحاً عن الصعوبات الفنية.
نعود من جديد إلى غرفتنا المتحركة وإلى راصدينا الموجودين، أحدهما داخل الغرفة والآخر خارجها. الراصد الخارجي يمثل المرجع النموذجي المرتبط ببحر الأثير الساكن، أي المرجع المتميز الذي لسرعة الضوء فيه دوماً القيمة النظامية. فالضوء الصادر عن كل المنابع الضوئية، سواء كانت متحركة أو ساكنة في بحر الأثير الساكن، ينتشر بالسرعة نفسها. لنتصور أن نوراً متقطعاً ينبثق من منبع في وسط الغرفة ذات الجدران الشفافة التي تتيح لكل من الراصدين، الداخلي والخارجي، أن يقيس سرعة النور . فلو طلبنا من كل من الراصدين أن يقول لنا النتائج التي يتوقع الحصول عليها فلابد أن يجيبا كما يلي (قبل إجراء القياسات) .
الراصد الخارجي: إن مرجعي مرتبط ببحر الأثير الساكن. إن سرعة النور في مرجعي واحدة دوماً. ولذا فلا يهمني أن أعرف إذا كان منبع الضوء متحركاً أم لا، أو كانت الأجسام الأخرى متحركة أم لا؛ لأنها، على كل حال، لا تجرف معها بحر الأثير الذي أعتبر نفسي جزءاً منه وفيه. إن مرجعي متميز عن كل مرجع آخر، ولابد أن تكون لسرعة النور القيمة النظامية مهما كانت جهة انتشار الشعاع الضوئي أو أسلوب حركة منبعه.
الراصد الداخلي: إن غرفتي تتحرك خلال بحر الأثير. إن أحد جدرانها يهرب أمام الضوء؛ أما الجدار المقابل له فيتقدم للقائه. إذا كانت غرفتي تتحرك، بالنسبة لبحر الأثير، بسرعة النور فإن النور المنبعث من مركز الغرفة لن يصل أبداً للجدار الذي: أمامه. أما يهرب بسرعة النور إذا كانت غرفتي تتحرك بسرعة أقل من سرعة النور فإن الموجة الضوئية المنبعثة من مركز الغرفة ستلتقي أحد الجدارين قبل الآخر، وهو الجدار الذي يتقدم نحوها. وهكذا، ورغم أن منبع الضوء مربوط بمرجعي بسكون، فإن سرعة الضوء لن تكون واحدة في كل الاتجاهات. إنها ستكون أصغر باتجاه حركة الغرفة في الأثير، أي نحو الجدار الذي يهرب أمام الضوء، منها في الاتجاه المعاكس، أي نحو الجدار الذي يتقدم للقائه .
ينتج من مقارنة هذين القولين إن سرعة الضوء، في رأي الراصدين، لا تكون واحدة في كل الاتجاهات إلا في المرجع المتميز، أي الساكن في بحر الأثير. أما في مراجع أخرى، متحركة في بحر الأثير، فإن سرعة الضوء تتعلق بجهة الانتشار التي نقيسها وفقها.
إن المحاكمة الحاسمة التي أتينا على شرحها تدفعنا لأن نضع، على محك التجربة، نتائج فرضية الحركة خلال بحر الأثير الساكن. إن الطبيعة تضع بالفعل تحت تصرفنا مرجعاً يتحرك بسرعة كبيرة لدرجة كافية: إنها الأرض في حركتها السنوية حول الشمس. إذا كانت فرضيتنا واقعية فإن سرعة الضوء في اتجاه حركة الأرض لابد أن تختلف عن سرعته في الاتجاه المعاكس. فبمعرفة سرعة الأرض، 30 كيلومتراً في الثانية تقريباً، يمكن أن نحسب الفرق بين سرعتي الضوء في الاتجاهين وأن نركب تجربة ملائمة لقياس هذا الفرق إن وجد. وبسبب صغر الفرق الزمني الذي يستتبعه هذا القياس، بموجب فرضيتنا، يجب اختراع تركيب تجريبي فذ دقيق. وهذا ما حققه مايكلسون ومورلي في تجربتهما الشهيرة. فماذا كانت النتيجة؟ لقد كانت حكماً بـ (الموت) على نظرية بحر الأثير الساكن الذي يراد للمادة أن تتحرك خلاله. لم يظهر في هذه التجربة أي دليل، على أن سرعة الشعاع الضوئي تتعلق بمنحى انتشاره في مرجع الأرض المتحركة حول الشمس. هذا ولو كانت هذه النظرية صحيحة لما كانت سرعة النور وحدها هي التي يجب أن تتعلق بحركة المرجع الذي نقيسها منه بل إن ظواهر حقلية أخرى كان يجب أن تتصف بهذه الصفة. لكن كل التجارب قد أدت، بهذا الصدد، إلى نتائج سلبية كنتيجة تجربة مايكلسون ـ مورلي، إذ لم يظهر أي تأثير الحركة الأرض في هذه التجارب كلها.
وهكذا نجد أنفسنـا مســـوقـين إلى وضع أكثر فأكثر إرباكاً. فقد أصدرنا افتراضين متعاكسين: يقول أولهما بأن الأثير ينجرف مع الأجسام المتحركة؛ لكن واقع أن سرعة الضوء لا تتعلق بحركة منبعه يناقض هذا الافتراض. ويقول ثاني الافتراضين بأن الأثير لا ينجرف مع الأجسام المتحركة وأنه يوجد بالتالي مرجع متميز ساكن في بحر الأثير؛ وعندئذ لا يكون مبدأ النسبية الغاليلي صحيحاً ولا يمكن لسرعة الضوء أن تكون واحدة في كل المراجع، وهذا ما تنفيه التجربة أيضاً. فما العمل؟
لقد جربت، للخروج من هذا المأزق، نظريات مصطنعة عديدة ترى أن الحقيقة لابد موجودة بين هاتين الفرضيتين المتعاكستين، أي أن الأثير ينجرف جزئياً مع الأجسام المتحركة لكن كل هذه النظريات أخفقت. إن كل المحاولات التي هدفت إلى تفسير الظواهر الكهرطيسية في مراجع متحركة، سواء بواسطة انجراف الأثير أو بواسطة الحركة من خلاله أو بواسطة الفكرتين معاً، باءت بالفشل الذريع. وهكذا وجد الفيزيائيون أنفسهم في وضع هو أكثر الأوضاع مأساوية في تاريخ العلم. فكل الافتراضات بخصوص الأثير لم تسفر عن شيء. لقد كان حكم التجربة سلبياً مقنطاً. وبإلقاء نظرة إلى الوراء على تطور الفيزياء نرى أن الأثير، منذ ولادته، كان يلوح أنه سيكون (الولد الرهيب) في عائلة الهيولات الفيزيائية. فقد ظهر أن بناء صورة ميكانيكية بسيطة للأثير كان عملاً مستحيلاً وجب التخلي عنه ؛ فكان هذا أحد الأسباب الحاسمة في انهيار الرؤية الميكانيكية. هذا أولاً. ولقد اضطررنا، ثانياً، إلى فقدان الأمل بأن نجد، بفضل فكرة بحر الأثير، مرجعاً متميزاً يتيح لنا أن نكشف الحركة المطلقة، لا الحركة النسبية فحسب. ولقد كان هذا سيصبح الوسيلة الوحيدة، إذا استبعدنا نقل الأمواج الضوئية، التي يتجلى بواسطتها الأثير ويبرر وجوده. لكن كل محاولاتنا لجعل الأثير حقيقة واقعة قد باءت بالفشل. ولم نستطع، لا اكتشاف بنيته الميكانينكية ولا الحركة المطلقة. ولم يبق من صفاته سوى الصفة الوحيدة التي كانت سبب اختراعه، وهي نقل الأمواج الكهرطيسية. أما نحن فلم نغنم من عناء هذه المحاولات سوى العجز والتناقضات. وبعد هذه التجربة المريرة حان الوقت كي ننسى ذلك ونجتهد في ألا نلفظ اسمه بعد الآن أبداً. وسنقول: إن فضاءنا يتمتع بخاصة نقل الأمواج الضوئية ؛ وبذلك نتوقف عن استخدام كلمة قررنا أن نتحاشاها. لكن حذف كلمة من مفردات لغتنا ليس علاجاً للموقف . وإن قلقنا لأعمق من أن يهدأ بهذا الأسلوب .
لنعدد الآن الوقائع التي تم التأكد منها با لتجربة بشكل كاف ، دون أن نهتم أبداً بمشكلة الـ « أ ــــ ر » ..
1 - إن سرعة النور في الفضاء الخالي هي نفسها في كل الظروف والاتجاهات، وهي مستقلة عن حركة منبعه وعن حركة أي شيء يستقبل النور
2 ــ إن جميع قوانين الطبيعة متطابقة تماماً في مرجعين متحركين، واحداً بالنسبة للآخر: حركة مستقيمة منتظمة، ولا يوجد أية وسيلة تكشف عن حركة منتظمة مطلقة.
يوجد تجارب عديدة تؤيد هذين النصين ولا يوجد أية تجربة تناقض أياً منهما. فأولهما يعبر عن ثبات سرعة النور، وثانيهما يوسع مجال مبدأ النسبية الغاليلي، الذي صيغ من أجل الظواهر الميكانيكية وحدها، حتى يشمل كل ظواهر الطبيعة.
لقد تأكدنا في الميكانيك مما يلي: إذا كان لسرعة نقطة مادية قيمة ما ، في مرجع ما ، فإن قيمة هذه السرعة ستكون مختلفة في مرجع آخر متحرك بالنسبة للأول حركة منتظمة. وهذا ينتج من مبادئ بسيطة في التحويل الميكانيكي وهو نابع مباشرة من الحدس البدهي (العلاقة بين سرعة الرجل بالنسبة للسفينة وسرعته بالنسبة للشط) ولا يمكن أن يوجد في الظاهر أي شك في ذلك. لكن قانون التحويل هذا مناقض لثبات سرعة الضوء. أي أننا، بتعبير آخر، إذا أضفنا إلى نصينا نصاً ثالثاً يقول:
3-إن المواضع والسرعات تتحول، لدى الانتقال من مرجع عطالي إلى مرجع عطالي آخر ، وفق التحويل التقليدي ، فإن التناقص مع ثبات سرعة النور يصبح واضحاً . وعلى هذا فلا يمكن أن نعتنق هذه النصوص الثلاثة معاً .
إن التحويل التقليدي يبدو بدهياً وبسيطاً لدرجة أننا لا يخطر ببالنا أن نعدله . ولكننا كنا جربنا أن نعدل 1 و 2 فوصلنا إلى تناقض مع التجربة . فكل النظريات التي تخص حركة الـ « أ ــ ر»، كانت تتطلب تعديل 1 و 2 . لكن ذلك لم يجلب لنا الخير . وبذلك ندرك مرة أخرى قسوة صعوباتنا . فلامناص إذن من اعتناق فكرة جديدة ، وتتلخص بقبول الافتراضين الأساسيين 1 و ، وبرفض 3 مهما بدا هذا غريباً . إن هذه الفكرة الجديدة تنطلق من تحليل أكثر المفاهيم بدهية ؛ وسنرى كيف يجبرنا هذا التحليل على تغيير مفاهيمنا القديمة وكيف يذلل صعوباتنا .
الاكثر قراءة في الفيزياء العامة
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)