من أهم مقومات المواطنة والحياة الرغيدة، أن يمتلك المواطن أرضًا يعيش عليها أو يقتات منها؛ ليشعر بالأمان في البلد الذي يعيش عليه، ويشعر بأنه جزء منه، بيد أن أغلب العراقيين، ومنهم أهل الجنوب كانوا مسلوبي هذا الحق الشرعي؛ إذ كانت سلطات الاحتلال العثمانية قد صادرت أراضي العراق ووضعتها تحت تصرفها على أنّها المالك الشرعي لها، وغدا أهل العراق أبناء الوطن يعيشون في أرض مستأجرة من أناس لا يملكونها وهم المحتلون العثمانيون.
وعلى الرغم من محاولة الوالي العثماني مدحت باشا (1869 – 1872) تمليك الأرض لأهلها ومستحقيها، التي كانت في الواقع محاولة لتطبيق قانون الأراضي العثماني لعام 1858 على العراق، من أجل الحدّ من سلطة زعماء العشائر الذين كانوا شبه مستقلين، إلا أنها لم تأتِ بالنتائج المطلوبة، فضلًا عن أنّ العثمانيين حاولوا الاستفادة من مبدأ الملكية الحكومية للأرض لغرض تعيين الشيوخ الموالين كمستأجرين، ومن جهة أخرى عملوا على حجب هذا الامتياز عن أيّ عشيرة أو شيخ معارض لسلطتهم (1).
وعندما حلّ الاحتلال البريطاني في العراق، كانت مشكلة الأراضي الزراعية قائمة؛ لذا اتبع المحتلون الجدد سياسة سلفهم العثمانيين باستغلال هذا الأسلوب عشائر العراق، وخاصة الجنوب؛ إذ استخدمت هذه السياسة بوصفها سلاحًا قويًا تجاه العشائر، وذلك من أجل التحكّم بهم وإجبارهم على الخضوع لسلطاتها؛ إذ عملت إدارة الاحتلال على إعطاء الأراضي للموالين لها، وتساهلت بإعفاء الشيوخ الملتزمين من الضرائب وإلغاء ما تبقى عليهم من ديون(2)، ومنع شيوخ العشائر المعادية لسلطات الاحتلال بل سلبهم حقهم الشرعي في العيش على الأرض التي وجدوا عليها وإخراجهم منها بالقوة(3).
اختلفت سياسة الاحتلال البريطاني من منطقة إلى أخرى، وذلك وفقًا لمحدّدات فرضتها عائدية الأرض، ففي مقاطعة العمارة، حيث أغلب أراضيها عائدة إلى الدولة، قد رفع هنري دوبس Henry Dobbs) بعد شهر من احتلالها ودراسته لأوضاعها تقريرا:( ان غالبية الأراضي والمياه من ناحية التقنية تحت تصرف الحكومة. وسنواجه مشكلة فيها لو أنهيت العقود في وقت أبكر، لان نظام التلزيم الثانوي الواسع، والمعقد سوف يفسد (4)».
وفي هذا التقرير إشارة واضحةً إلى ضرورة استمرار النظام العثماني السابق في توزيع الأراضي على العشائر بطريقة الالتزام وهنا استغل المحتلّون عامل الأرض في الضغط على العشائر، إذ أشترط في منح الالتزام لشيوخ العشائر ولاؤهم لسلطات الاحتلال، وعدم معارضة مصالحهم في البلاد"، وذلك كما حصل مع الشيخ زبون الياسر أحد شيوخ البو محمد، الذي كان يزرع إحدى المقاطعات في قضاء قلعة صالح في لواء العمارة، وبسبب موقفه المعادي للاحتلال طرد منها في عام 1916 ، كما حرموا شيخ عشيرة البو دراج محمد الحطاب عام 1915 من مقاطعته، بسبب رفض الشيخ محمد الحطاب لوجود قوات الاحتلال البريطاني(5)، كما انتزعوا مقاطعة الشيخ غضبان البنية الذي كان رافضًا للاحتلال لبريطاني ، وللسبب نفسه أنتزعت مقاطعتا شيخي السودان فنجان السعد ومحمد السعد وتم منحهما إلى غيرهما(6).
ويمكن أن نبين أن حرمان الشيخ من التزام مقاطعته لا يعني حرمانه وحده فقط، وإنما يعني حرمان عشيرته من التواجد على هذه الأرض المحدّدة، وفي بعض الأحيان تهجيرهم منها، لكي تسكن فيها عشيرة الملتزم الجديد؛ وبذلك تكون مئات العوائل مهدّدةً بالمجاعة، إذ كانت الزراعة مصدر عيشهم الرئيس، فضلًا عن فقدانهم لأرضهم التي عاشوا وترعرعوا على ظهرها، وبهذا الأسلوب كانت هذه السياسة تمثل العصا الغليظة لسلطات الاحتلال للتنكيل بالعشائر التي تهدّد وجود قوات الاحتلال البريطاني.
أما في لواء المنتفق، فقد كانت الأوضاع مغايرةً لما هو موجود في العمارة، حيث إنّ عائدية الأراضي في المنتفق لم تكن للدولة جميعها، بل أغلب أراضيه استحوذ عليها آل سعدون بسندات الطابو من الدولة العثمانية مقابل مبالغ زهيده (7)، وهذا خلق مشاكل كثيرة، منها كثرة المدّعين لملكية الأرض، وعدم وضوح رسوم السندات المقدمة كإثبات لملكية الأرض، فضلًا عن صعوبة تمييز | الحدود المرسومة على السندات والحدود الفعلية، إضافة إلى عدم اعتراف العشائر بملكية ال سعدون (8).
لذا كانت هذه المشكلة مقلقةً لسلطات الاحتلال البريطاني، خوفًا من إثارة الاضطرابات في المنتفق، مما جعلها في مأزق حرج، فهي لا تريد إغضاب آل سعدون لأسباب عسكريّة وسياسيّة، وفي الوقت نفسه لا تستطيع تأييد حقوقهم القانونية بقوة السلاح ضدّ مستأجري أراضيهم من أبناء العشائر للأسباب نفسها، بل عملت على استمالتهم إلى جانبها؛ فضلا عن توجيهات القيادة الحربية بعدم التورّط في أيّ قضيّة تثير المتاعب وتؤثر سلبًا على الهدف الرئيس للقوات البريطانية، وهو دحر الجيش العثماني (9).
وعلى هذا الأساس، اتبعت سلطات الاحتلال إجراءات توفيقية بين الطرفين المتنازعين بصورة مؤقتة، إذ حظر على المحاكم النظر في أي قضيّة تتعلق بتقرير ملكية الأرض الزراعية، وتعيين مخصصات مالية لبعض ملاكي الأراضي بدلا من واردات أراضيهم انتظارًا للتسوية النهائية، وتحصيل الرسوم من المستأجرين على أساس مساحة الأرض المثبتة في السند، وليس على المساحة الواقعة ضمن الحدود فعلا، ويبدو أنّ هذه الإجراءات نجحت في تهدئة الخواطر، ولم تقم معظم العشائر باضطراباتٍ على سلطات الاحتلال بسبب الأراضي الزراعية (10). وعلى الرغم من نجاح هذه الإجراءات الوقتية، إلا أنها لم تضع حدا نهائيًا للمشكلة؛ لذلك أصدرت سلطات الاحتلال البريطاني بيان (الأراضي الأميرية المتنازع عليها)، وذلك في 18 كانون الأول 1918، وقد جاء فيه (11):
كل شخص يملك مستمسكا يخوّله التصرف بأرض وصادرًا من الحكومة العثمانية، يعد مستأجرًا لأراضي الطابو.
مستأجرو الطابو أو من يدعي حق التملك على أرض معينة من الذين شملهم هذا البيان، فعليهم أن يقدموا طلبًا للحاكم السياسي لوقف الإجراءات الخاصة التي تجري في مناطقهم، وذلك بعد أن تُسمع هذه الادعاءات من قبل الحاكم السياسي أو من ينوب عنه، ويُرفض أيّ ادّعاءِ يُحدث خلافات تؤدّي إلى تهديد الأمن العام أو سلامة جيش الاحتلال وراحته.
منح الحاكم السياسي أو من ينوب عنه، أن يحدّد صاحب الحق في الأرض، بعد أن يحدّد الإيجار والشروط، وإن لم يجد للأرض أصحابًا، فله الحق في أن يؤجرها إلى الشخص المناسب، كما يحق له تقدير حصة الحاصلات التي تُعطى للفلاح والمستأجرين في أراضي الطابو، وله الحق أيضًا في تحديد الضرائب التي تستحقها سلطات الاحتلال (12).
لذلك استغل المحتلّون هذا المشكلة في تفويض الأرض وتحديد عائديتها وقدر الأموال التي تُفرض عليها؛ إذ حرموا الشيوخ المعارضين لسلطات الاحتلال من حقهم ومنحوها للذين أظهروا الولاء لسلطات الاحتلال، هذه السياسة انتقلت مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية إلى أيدي الشيوخ الموالين لهم.
....................................................
1. العكيدي، عمار يوسف عبد الله عويد السياسة البريطانية تجاه عشائر العراق 1914-1945، أطروحة دكتوراه، كلية التربية جامعة الموصل، 2002، ص 160.
2. العيساوي، عبد العال وحيد عبود لواء المنتفق في سنوات الاحتلال البريطاني، ص 172. 3. العطية، غسان العراق نشأة الدولة 1908 - 1921، ص 311.
4. نقلا عن: السعدون، خالد حمود، الأوضاع القبلية في ولاية البصرة خلال الحكم العثماني الأخير والاحتلال البريطاني 1908 - 1918، ص 387.
5. محمد أحمد محمود، أحوال العشائر العراقية العربية وعلاقتها بالحكومة 1872 - 1918، رسالة ماجستير، جامعة بغداد، كلية الآداب، 1980، ص 237
6. الطاهر عبد الجليل، العشائر العراقية، ص 309؛ العطية غسان العراق نشأة الدولة 1908-1921، ص 311. 4. محمد أحمد محمود، أحوال العشائر العراقية العربية وعلاقتها بالحكومة 1872 - 1918، رسالة ماجستير، جامعة بغداد، كلية الآداب، 1980 0 ص 237.
7. العيساوي، عبد العال وحيد عبود، لواء المنتفق في سنوات الاحتلال البريطاني، ص 173. 8. الحسيناوي، إيناس جبار سعيد، سوق الشيوخ 1915 - 1958 (دراسة تاريخية)، رسالة ماجستير، جامعة ذي قار، كلية الآداب، 2012، ص 66.
9. السعدون، خالد حمود الأوضاع القبلية في ولاية البصرة خلال الحكم العثماني الأخير والاحتلال البريطاني 1908 - 1918، ص 388
10. عبد ربه سكران، عشائر البصرة والإدارة العسكرية البريطانية أثناء الاحتلال عامي 1916 - 1918،
ص 320 - 321.
11. الحسيناوي، إيناس جبار سعيد، سوق الشيوخ 1915 - 1958 (دراسة تاريخية)، رسالة ماجستير، جامعة ذي قار، كلية الآداب، 2012، ص 67.
12. عادل علي عبيد، من أحداث عامي 1918 - 1919، بغداد، 1984، ص231-232؛ الحسيناوي، إيناس جبار سعيد، سوق الشيوخ 1915 - 1958 (دراسة تاريخية)، رسالة ماجستير، جامعة ذي قار، كلية الآداب، 2012، ص 67.