

التاريخ والحضارة

التاريخ

الحضارة

ابرز المؤرخين


اقوام وادي الرافدين

السومريون

الساميون

اقوام مجهولة


العصور الحجرية

عصر ماقبل التاريخ

العصور الحجرية في العراق

العصور القديمة في مصر

العصور القديمة في الشام

العصور القديمة في العالم

العصر الشبيه بالكتابي

العصر الحجري المعدني

العصر البابلي القديم

عصر فجر السلالات


الامبراطوريات والدول القديمة في العراق

الاراميون

الاشوريون

الاكديون

بابل

لكش

سلالة اور


العهود الاجنبية القديمة في العراق

الاخمينيون

المقدونيون

السلوقيون

الفرثيون

الساسانيون


احوال العرب قبل الاسلام

عرب قبل الاسلام

ايام العرب قبل الاسلام


مدن عربية قديمة

الحضر

الحميريون

الغساسنة

المعينيون

المناذرة

اليمن

بطرا والانباط

تدمر

حضرموت

سبأ

قتبان

كندة

مكة


التاريخ الاسلامي


السيرة النبوية

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) قبل الاسلام

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) بعد الاسلام


الخلفاء الاربعة

ابو بكر بن ابي قحافة

عمربن الخطاب

عثمان بن عفان


علي ابن ابي طالب (عليه السلام)

الامام علي (عليه السلام)

اصحاب الامام علي (عليه السلام)


الدولة الاموية

الدولة الاموية *


الدولة الاموية في الشام

معاوية بن ابي سفيان

يزيد بن معاوية

معاوية بن يزيد بن ابي سفيان

مروان بن الحكم

عبد الملك بن مروان

الوليد بن عبد الملك

سليمان بن عبد الملك

عمر بن عبد العزيز

يزيد بن عبد الملك بن مروان

هشام بن عبد الملك

الوليد بن يزيد بن عبد الملك

يزيد بن الوليد بن عبد الملك

ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك

مروان بن محمد


الدولة الاموية في الاندلس

احوال الاندلس في الدولة الاموية

امراء الاندلس في الدولة الاموية


الدولة العباسية

الدولة العباسية *


خلفاء الدولة العباسية في المرحلة الاولى

ابو العباس السفاح

ابو جعفر المنصور

المهدي

الهادي

هارون الرشيد

الامين

المأمون

المعتصم

الواثق

المتوكل


خلفاء بني العباس المرحلة الثانية


عصر سيطرة العسكريين الترك

المنتصر بالله

المستعين بالله

المعتزبالله

المهتدي بالله

المعتمد بالله

المعتضد بالله

المكتفي بالله

المقتدر بالله

القاهر بالله

الراضي بالله

المتقي بالله

المستكفي بالله


عصر السيطرة البويهية العسكرية

المطيع لله

الطائع لله

القادر بالله

القائم بامرالله


عصر سيطرة السلاجقة

المقتدي بالله

المستظهر بالله

المسترشد بالله

الراشد بالله

المقتفي لامر الله

المستنجد بالله

المستضيء بامر الله

الناصر لدين الله

الظاهر لدين الله

المستنصر بامر الله

المستعصم بالله

تاريخ اهل البيت (الاثنى عشر) عليهم السلام

شخصيات تاريخية مهمة

تاريخ الأندلس

طرف ونوادر تاريخية


التاريخ الحديث والمعاصر


التاريخ الحديث والمعاصر للعراق

تاريخ العراق أثناء الأحتلال المغولي

تاريخ العراق اثناء الاحتلال العثماني الاول و الثاني

تاريخ الاحتلال الصفوي للعراق

تاريخ العراق اثناء الاحتلال البريطاني والحرب العالمية الاولى

العهد الملكي للعراق

الحرب العالمية الثانية وعودة الاحتلال البريطاني للعراق

قيام الجهورية العراقية

الاحتلال المغولي للبلاد العربية

الاحتلال العثماني للوطن العربي

الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية

الثورة الصناعية في اوربا


تاريخ الحضارة الأوربية

التاريخ الأوربي القديم و الوسيط

التاريخ الأوربي الحديث والمعاصر
الاكتشاف البريطاني لأهمية العراق والتغلغل السلمي فيه
المؤلف:
العتبة العباسية المقدسة (المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية)
المصدر:
الاستعمار البريطاني للعراق
الجزء والصفحة:
ج1 ص 17 ــ 29
2026-02-20
35
اهتمت بريطانيا ـ التي كان يطلق عليها إنكلترا ( حتى القرن الثامن عشر الميلادي) ـ منذ وقت مبكر في الوصول إلى الشرق بحثًا عن التجارة، خاصة بعد تأسيس شركة الهند الشرقية البريطانية عام 1600م، ولئن كان العراق قد زاره العديد من الرحالة الإنكليز ، وهم في طريقهم إلى الهند وبلاد فارس، ودونوا ما شاهدوه عن مدنه ومناطقه أمثال جون نيو بري (1583 م )، وراف فتش (1583م)، وجون إيلدرد (1583م)، والأخوين شيرلي (1589م) ، وتوماس هربرت (1628م) ... الخ (1) ، إلّا أنّ اكتشاف أهمية موقع العراق جاء بمحض الصدفة لحادثة حدثت في منتصف القرن الثامن عشر الميلادي أثناء قيام حرب السنوات السبع (1756 - 1763م) في أوربا، إذ كان الخليج العربي يشهد تنافسًا كبيرا بين الفرنسيين والبريطانيين، ووصلت أخبار الحرب إلى الفرنسيين أولًا عن طريق رسائل القناصل الفرنسيين من طريق حلب بصرة للقوافل التجارية بعد خمسة أشهر من قيامها فقامت السفن الفرنسية بهاجمة ميناء بندر عباس حيث مقر شركة الهند الشرقية البريطانية، وتم الاستيلاء على المقر بعد حرق عدد من السفن الإنكليزية، في الوقت الذي تأخر وصول أخبار الحرب إلى الإنكليز عن طريق رأس الرجاء الصالح بالدوران حول أفريقيا بعد سنة كاملة (2)، ومن هنا تنبه الإنكليز إلى ضرورة زيادة النفوذ التجاري والسياسي في شمال الخليج وتحديدًا في البصرة والعراق، إذ قامت الشركة بنقل مقرّها التجاري في الخليج من بندر عباس إلى البصرة عام 1763م ، ومن هنا بدأ العراق يكتسب أهمية كبيرة لدى البريطانيين ومحاولاتهم للتغلغل الاقتصادي والسياسي فيه.
أولت بريطانيا اهتمامًا أكبر في زيادة نفوذها في العراق في أواخر القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر الميلاديين نتيجة للحملة الفرنسية على مصر (1798-1801م)، إذ توقع الإنكليز أن هدف الحملة هو التوجه بعد مصر نحو الهند، ورشحوا أن يكون ذاك من طرق متعددة أهمها وأيسرها طريق العراق عبر بادية الشام نزولا إلى بغداد، ثم البصرة، والخليج، وإلى الهند (3) ، ولغرض مواجهة هذا الاحتمال قامت بريطانيا بنقل المقيمية التابعة لها من البصرة إلى بغداد؛ لتكون قريبةً من مركز قرار الحكم، ومراقبة التطورات التي تحدث في المنطقة، واحتمالية تعاون حكومة المماليك في بغداد مع الفرنسيين، حتى زوال الخطر الفرنسي على المصالح البريطانية بعد فشل الحملة على مصر عام 1801م وخروجهم منها (4).
ازداد التمثيل السياسي البريطاني في العراق خلال القرن التاسع عشر من خلال وجود مقيمتين بريطانيتين إحداها في البصرة والأخرى في بغداد، والمقيمية البريطانية في بغداد كانت متربطةً بقسم الشؤون الخارجية في حكومة من جهة، وكذلك بوزارة الخارجية البريطانية عبر السفير البريطاني في إسطنبول (5)، كما تم تأسيس وكالة قنصلية في الموصل عام 1839م تحت إشراف
القنصل البريطاني العام في بغداد لحماية المصالح البريطانية الاقتصادية والدينية من خلال النشاط البريطاني في الأوساط المسيحيّة هناك، وأوجدت بريطانيا في كربلاء وكيلًا أو ممثلاً لها منذ منتصف القرن التاسع عشر الميلادي بهدف رعاية مصالح رعايا من المسلمين الهنود الزائرين (6)، وقد تولى إدارة تلك الوكالة بعض الرعايا من الهنود أو الأفغان أمثال: الميرزا محمد حسن محسن الأفغاني خلال المدة (1903-1914م) (7). بدأ التوجه البريطاني نحو العراق خلال القرن التاسع عشر يأخذ طابع المصالح الاقتصادية، بسبب أهمية العراق كموقع استراتيجي وما فيه من إمكانات اقتصادية كبيرة، حيث عملت بريطانيا على توقيع اتفاقية مع ا العثمانية عام 1809م، ضمنت فيها ترجيح بريطانيا على بقية الدول الأوربية من حيث الامتيازات التجارية بحيث إنها كانت تدفع رسوم فقط التجارة الإنكليزية في أراضي الدولة العثمانية ومنها العراق، ولعب المقيم البريطاني الدبلوماسي في بغداد كلوديوس جيمس ریج (Claudius James Rich) دورًا كبيرًا في زيادة المصالح البريطانية التجارية في العراق، خاصة وأنه كان قد عمل قنصلا لمدة طويلة من الزمن (1808 - 1821م) (8) ، ويبدو أن النفوذ البريطاني في العراق تعدّى المصالح الاقتصادية إلى التدخل في شؤون الحكم من قبل المقيم البريطاني المذكور ، وكاد الأمر أن يُحدث مواجهة عسكرية بين حراس المقيمية البريطانيّة وبين والي بغداد داوود باشا ( 1817 - 1831م)، لولا تراجع الأخير بسبب خشيته من تعاظم المشكلة مع بريطانيا (9) .
كانت الدولة العثمانية تسيطر على العراق بشكل غير مباشر من خلال وجود حكم المماليك في بغداد طيلة المدة (1750 - 1831م)، ثم وجدت الدولة في ضرورة إنهاء هذا الحكم والسيطرة المباشرة على العراق، فتم إرسال حملة عسكرية بقيادة والي حلب علي رضا باشا اللازر، فيما ضغط السفير البريطاني في استانبول من أجل التريث في تحرك العثمانيين، ويبدو أن هدف البريطانيين كان الخشية من تعرض مصالحهم السياسية والاقتصادية في العراق إلى الخطر في حال عودة السلطة المركزية العثمانية المباشرة إلى العراق، إلا أن قائد الحملة كان قد تعهد لهم بالمحافظة على مصالحهم فيها، وقد تمكنت الحملة من السيطرة على بغداد عام 1831 م (10).
وفي الثلاثينيات من القرن التاسع عشر الميلادي ظهرت بوادر التوجه البريطاني نحو الاستفادة من موقع العراق في أعمال النقل والتجارة عبر إيجاد طريق يربط بين الشرق والغرب يمرّ إما بمصر وإما بالعراق، وبدأ التفكير من قبل شركة الهند الشرقية الإنكليزية بالملاحة في نهري دجلة والفرات؛ ولهذا الغرض تم إرسال بعثة إنكليزية عام 1830م بقيادة الضابط الإنكليزي جسني (Chesney)، الذي قام بمسح المنطقة في رحلته من أعالي نهر الفرات في الشام نزولا إلى الفلوجة وبغداد والبصرة خلال المدة 1830-1831م، جمع فيها معلومات واسعةً وخرائط مفيدةً عرضها على المسؤولين في لندن عام 1832م، ذكر فيها بأنّ هناك صعوبات تمنع الملاحة فيه من احتمالية مهاجمة العشائر للسفن، وأنه من الضروري استرضاؤها القبائل (11) ، عاد جسني بعدها من جديد إلى العراق عام 1834م ، وبطلب من الحكومة البريطانية لغرض دراسة الملاحة في نهر الفرات من جديد، وبيان مدى إمكانية الاستفادة منه في فتح طريق سريع إلى الهند ولتنمية التبادل التجاري، ونقل البريد بين بريطانيا والهند، إذ عمل في النهر عام 1835 م ، طيلة ثلاث سنوات أخرى، وتوصل إلى نتيجة مفادها فشل الملاحة في الفرات لوجود الموانع الطبيعية، كما جرت محاولات أخرى للبحث في الملاحة في نهر دجلة غير أن النهر كان أصعب من الفرات (12).
وبالرغم من تقارير بعثة جسني المخيبة للآمال فإنّ مشروع الملاحة في نهر الفرات ظلّ يراود البريطانيين، ففي عام 1861 م، تم تأسيس أوّل شركة تجارية بريطانية في العراق وهي شركة لنج ( Lynch ، التي قامت بأبحاث في الملاحة ونقل في نهر الفرات، وبدأت نشاطها التجاري فيها عام 1862م، من خلال عددٍ من السفن التجارية التي كانت تعمل في النهر لنقل السلع والبضائع من البصرة إلى بغداد، ومن هناك يتم نقلها إلى حلب برا، غير أن سفن الشركة كانت تواجه صعوبات في النقل والتجارة، خاصة ما تعلق منها بهجمات العشائر الموجودة على ضفتي النهر في حالة عدم دفع الإتاوات من قبل السفن(13).
ولم يكن الاهتمام البريطاني بالعراق منصبا فقط على الملاحة والتجارة في أنهار العراق، وإنّما القيام بمشروع فتح المكاتب البريدية في مدن العراق، حيث تولت بواخر (شركة لنج) بموجب الاتفاقية التي تم التوقيع عليها مع الحكومة العثمانية سنة 1279هـ / 1862م على نقل البريد الذي يأتي من الهند إلى البصرة إلى بغداد ومنها إلى أوربا (14)، وقد افتتحت بريطانيا عام 1868 م مكتبين بريديين، الأول في البصرة، والثاني في بغداد (15). كما اهتمت بريطانيا بإنشاء خطوط التلغراف في العراق من أجل ربط بريطانيا بمستعمراتها في الهند، خاصة بعد قيام ثورة الهندوس ضد الاستعمار البريطاني في الهند عام 1857م ، وشعور بريطانيا بأهمية إقامة خطوط اتصالات سريعة مع مستعمراتها في الهند عبر آسيا الصغرى والعراق وفارس والخليج العربي، فتم م مّ مدّ تلك الخطوط بعد حصول الإنكليز على موافقة الدولة العثمانية عام 1861م، وجرى افتتاح الخط البرقي الممتد بين بغداد وإسطنبول في عام 1861 م، كما جرى اتفاق بين الدولتين عام 1863م، تعهدت فيه بريطانيا على مد خطين للتلغراف فوق الأراضي العراقية على نفقتها الخاصة، الخط الأول يمتد بين بغداد وخانقين ومنها إلى كرمنشاه وطهران، ثم إلى ميناء بوشهر على الخليج العربي حيث ترتبط بخطوط الاتصال البرقي مع الهند، وجرى افتتاحه عام 1864م، أما الخط . الثاني فيمتد بين البصرة إلى القرنة ليتفرع منها إلى فرعين، يمتد الأول من القرنة إلى بغداد عبر مدن دجلة ليرتبط بخط آخر عبر كركوك وأربيل ونصيبين وماردين وديار بكر، ثم إلى إسطنبول، والخط الآخر من القرنة إلى بغداد عبر مدن الفرات ماراً بسوق الشيوخ والسماوة والديوانية (16).
وفي مجال مد خطوط السكك الحديدية، فإنّ الإنكليز حاولوا الاستفادة من موقع العراق من خلال طرح فكرة مدّ سكك الحديد عبر أراضيه للربط بين أوربا من جهة، وبين الهند والشرق الأقصى من جهة أخرى عبر سلسلة من الخطوط الممتدة من مناطق شبه القارة الهندية المستعمرة البريطانية الأكبر في العالم، التي كان يطلق عليها (درة التاج البريطاني)، ومنها نحو الخليج العربي مرورًا بالعراق وبلاد الشام وسواحل البحر المتوسط، ومن ثم النقل بحرًا إلى أوربا، وصولا إلى بريطانيا بمسافة تصل إلى أكثر من ستة إلاف ميل، وفقًا للخريطة التالية:
وتعود بدايات التفكير في إنشاء خط سكة الحديد للنقل التجاري إلى عام 1856م، عندما طرح أحد المهندسين الإنكليز ويدعى آندرو (Andraw)
وهو من العاملين في سكة الحديد بالهند عام 1857 م ـ على حكومة بلاده مشروع إنشاء سكة حديد للربط عبر العراق وبلاد الشام، وتم الحصول على التأييد والدعم من الحكومة والبرلمان البريطاني، غير أن الشركة عجزت عن البدء بالعمل؛ بسبب عدم توفّر الأموال اللازمة للقيام بذلك، وتم تأجيل المشروع لمدة خمس عشرة سنة، ثم أعيد التفكير به خلال المدة (1871-1872م)، بعد شعور بريطانيا بتضرر مصالحها الاقتصادية نتيجة لافتتاح قناة السويس عام 1869م، فشكلت لجنة خاصة لدراسة المشروع، وقامت باستشارة الخبراء والمهتمين بالمشروع، وقدمت . جميع الآراء والمقترحات الداعمة للفكرة في تقرير مفصل من سبعين صفحة، وتمت طباعته ونشره في لندن سنة 1872م بعنوان (سكة حديد وادي الفرات) (The Euphrates Valley Railway) (17)، وفي الوقت ذاته نشر تقرير آخر سنة 1873م، كان قد أعدّ منذ سنة 1858م بعنوان: (الأهمية الاستراتيجية لسكة حديد وادي الفرات) (The Strategical Importance of The Euphrates Valley Railway، ركز فيه على أهمية هذه الخط لمواجهة تغلغل روسيا القيصرية في الدولة العثمانية، التي ستهدد المصالح البريطانية في المنطقة (18). تناول التقرير الأوّل (سكة حديد وادي الفرات) أهمية الطريق وضرورة الاستفادة منه لمد سكة حديد تربط أوربا بالهند عبر بادية الشام والعراق، بنحو تكون أكثر أهمية من قناة السويس، كما طرح التقرير الآراء المتعددة حول بداية الطريق، واستقر الرأي بأن تبدأ السكة من نقطة أو ميناء ما على البحر المتوسط كالإسكندرونة باتجاه حلب، ومن هناك إلى منطقة مسكنة، إلى دير الزور، وعبر وادي الفرات باتجاه عانة وحديثة، ومنها إلى بغداد، ومن ثم إمكانية تفرع الخط إلى فرعين عبر دجلة والفرات إلى البصرة، مع وجود خطوط فرعية ترتبط الخط من الموصل ومن مندلي باتجاه الحدود الإيرانية، وبين التقرير المعوقات والتكاليف مقابل النتائج الاقتصادية الكبيرة والإيرادات المالية الهائلة في حالة إنجاز الخط وتشغيله، فضلًا عن الاستفادة من موقع العراق وخيراته (19).
أهملت الحكومة البريطانية التقرير لمدة ثلاث سنوات، لكونها كانت تفضّل الاستحواذ على طريق قناة السويس المنجز آنذاك، عبر قيامها بشراء حصة مصر من أسهم قناة السويس سنة 1875م تمهيدًا للسيطرة الكاملة على القناة بدلًا من الذهاب إلى مشروع سكة لا يزال في طور التخطيط والبحث، فظل مشروع سكة حديد وادي الفرات حبيس الوثائق والأدراج لدى الحكومة والبرلمان البريطاني حتى سنة 1909م، عندما أعيد طرح المشروع من قبل الحكومة من جديد كمحاولة منها لإيجاد طريق منافس لخط سكة ( حديد برلين- بغداد ) المزمع إنشاؤه من قبل ألمانيا بعد منحها الامتياز من قبل الدولة العثمانية عام 1902م، وقيام بريطانيا بإحياء مشروعها القديم لم يكن الهدف منه وجود رغبة حقيقية لإنشائه، وإنّما الضغط على ألمانيا والدولة العثمانية من أجل الوقوف ضد المشروع الألماني، فتحرّكت بريطانيا باتجاه إعادة طرح فكرة مشروع سكة وادي الفرات، ومن الجدير بالذكر هنا أنّ الخط البريطاني كان يمتاز بأنه أقصر من الخط الألماني، وتكاليف إنشائه أقل من الناحية المادية؛ لكونه يمر بمناطق منبسطة من حلب إلى بغداد والبصرة، في الوقت الذي كان المشروع الخط الألماني يمر بمناطق وعرة في الأناضول حتى الوصول إلى مدينة الموصل، غير أن الحكومة البريطانية لم تكن جادةً في طرح المشروع، وإنّما كانت تحاول من خلاله الضغط على الدولة العثمانية وألمانيا للقبول بتسوية ودية لمشروع سكة حديد برلين- بغداد قبيل قيام الحرب العالمية الأولى(20)، وفي الوقت ذاته فإنّ دخول ألمانيا على خط مد النفوذ والمصالح الاقتصادية إلى العراق والمنطقة دفع ببريطانيا إلى التفكير الجدي في كيفية السيطرة على العراق ولو بالقوة العسكرية.
كانت بريطانيا ترى بأنّ التغلغل السياسي والاقتصادي في العراق سيؤدي حتما يوما ما إلى السيطرة عليه؛ لذا اهتم البريطانيون في إيجاد موطئ قدم لهم في الواقع الاجتماعي العراقي عن طريق التبشير الديني البروتستانتي من خلال إرسال رجال الدین بروتستانت بغية خلق جماعات تعتمد عليها بريطانيا في حماية مصالحها في العراق، فكان جوزيف وولف (Wolff) (1796-1862) أوّل أوفدته جمعية لندن لنشر البروتستانتية بين اليهود، حيث وصل إلى سنجار
مبتر
والتقى بعدد من اليهود واليزيديين (21)، كما أن بعثة جسني المار ذكرها سابقا كانت قد اصطحبت معها أحد المبشّرين البريطانيين ويدعى صموئيل (Samuel)، فبدأ نشاطه في البصرة، ثم انتقل إلى بغداد، وقد وجد بعض العراقيين أن وجود هذا المبشّر وحماسه الكبير في دعم البعثة الملاحية جزء من خطة عامة نحو احتلال البلاد الإسلامية، وتحويل المسلمين إلى النصرانية، فأُخرج من العراق (22).
وفي عام 1838م، أقرت الجمعية الجغرافية الملكية البريطانية (Royal Geographical Society) وجمعية تعزيز المعرفة المسيحية (Society For The Promotion Of Christian Knowledge ) مشروعًا مشتركا لمدة سنتين عرف بـ (بعثة استكشاف كردستان)، والهدف المزعوم للبعثة هو اكتشاف وسط وشرق الأناضول وشمال العراق، وتقديم تقرير عن الكنائس النسطورية واليعقوبية وعن القبائل الكردية واليزيدية ولغتها ومعتقداتها وأحوالها العامة (23) ، واستمر النشاط التبشيري البريطاني في العراق خلال العقود اللاحقة، خاصة في أوساط الطوائف الدينية المسيحية وتحديدًا النساطرة، حيث اختار لهم رئيس أساقفة كنتربري البريطانية عام 1886م تسميةً جديدةً هي (الآثوريين) أو (الآشوريين)، وأوفد بعثة تبشيرية إليهم لتغيير التسمية بهدف رفع منزلتهم التاريخية في الأوساط العالمية (24) ، كما تم فتح مقر للإرسالية التبشيرية البروتستانتية في منطقة العمادية شمال العراق عام 1911م (25).
بدأت بريطانيا بجمع المعلومات والأخبار عن الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العراق من خلال تقارير المقيم البريطاني والقناصل المنتشرين في بعض مدن العراق، كما أنها أرسلت الجواسيس بعناوين مختلفة للاطلاع على الأوضاع عن كثب، فمثلا قام النقيب البريطاني ما ونسل (Maunsel) بجولات في شمال العراق في عامي 1888 و 1892م، زار خلالها دهوك والعمادية والزيبار وأربيل والموصل (26)، وكذلك قام الميجر سون ( E soon ) بزيارة إلى شمال العراق وتحديدًا الى السليمانية متنكرًا باسم ميرزا غلام حسين الشيرازي، وكتب تقريرا تضمن في ملحقه تفاصيل عن القبائل الكردية وفروعها ومواطن انتشارها على الحدود العراقية - الإيرانية (27) .
ولعل من أشهر الشخصيات الإنكليزية التي زارت العراق قبل الاحتلال الرحالة الآثارية المس جترود بيل ((G. Bell عام 1909م، التي قُدر لها أن تلعب دورًا أساسيًا في تاريخ العراق بعد الاحتلال كسكرتيرة المندوب السامي البريطاني، إذ إنها جمعت معلومات تفصيلية عن العشائر العراقية من خلال زياراتها لمناطق حوض دجلة، كما زارت القبائل الكردية في شمال العراق والأقليات غير المسلمة التي تسكن المنطقة الشمالية كالنصارى واليزيدية وغيرهم (28)، وقد أقامت سنةً كاملة في خيام البدو عند قبيلتي شمر وعنزة، وأصبحت لها علاقات كبيرة مع عددٍ كبير من الإقطاعيين في مناطق العراق المختلفة (29) .
ومن الجواسيس البريطانيين الآخرين الكولونيل ليجمن (Leachman) الذي زار العراق عدة مراتٍ ما بين 1911 - 1913م، والهدف من الزيارة تأليب زعماء العشائر ضد الحكم العثماني في العراق.
...............................................................
1- علاوي، حسين كريم مدينة بغداد في كتابات الرحالة الأجانب، ص 19-23.
2- ويلسون، سير أرنولد، تاريخ الخليج، ص 96؛ عبد العزيز عبد الغني إبراهيم، حكومة الهند البريطانية والإدارة في الخليج العربي، ص 87-88.
3- النجار، مصطفى وآخرون تاريخ الخليج العربي الحديث والمعاصر، ص 22.
4- العابد، صالح محمد موقف بريطانيا من النشاط الفرنسي في الخليج العربي 1798-1810، ص 33-44.. صالح خضر محمد، الدبلوماسيون البريطانيون في العراق 1831-1914م، ص 78.
5- ج. ج لوريمر، دليل الخليج، 208214.
6- المصدر نفسه، ص 2338
7- ج. ج لوريمر، دليل الخليج، ص 1948 - 1951.
8- المصدر نفسه. ص
9- شكري، ياسين شهاب المرجع في تاريخ العراق الحديث، ص 141-142.
10- عبد الفتاح إبراهيم على طريق الهند، ص 69-70.
11- نوار، عبد العزيز، تاريخ العراق الحديث من نهاية داوود باشا إلى نهاية مدحت باشا، ص 248-263.
12- القهواتي، حسين محمد، دور البصرة التجاري في الخليج العربي 1869 - 1914، ص 93.
13- غنيمة، يوسف رزق الله، تجارة العراق قديماً وحديثاً، ص 84؛ ج. ج لوريمر، دليل الخليج، القسم
التاريخي، 1/ 377.
14- لوريمر، دليل الخليج، القسم التاريخي، 3532/6.
15- William Francis Ainsworth, The Euphrates Valley Railway, (London: 1872).
16-Baron k Von Kohenfield, Op. cit, pp.15-22.
17-Baron k Von Kohenfield, The Strategical Importance of The Euphrates ValleyRailway, (London: 1873).
18- Ibid, p.58.
19- للتفصيل ينظر: شكري، ياسين شهاب العراق ومشروع سكة حديد وادي الفرات دراسة تاريخية في ضوء التقارير البريطانية، ص 125 - 150
20- غنيمة، حارث يوسف البروتستانت والإنجيليون في العراق، ص 50.
21- نوار، عبد العزيز سليمان، تاريخ العراق الحديث من نهاية داوود باشا إلى نهاية مدحت باشا، ص308.
22- السعدي، محمد داخل كريم، المصالح الأجنبية في الموصل 1834 - 1914، ص 48 - 49.
23- أحمد سوسة، ملامح من التاريخ القديم ليهود العراق، ص 59.
السعدي، محمد داخل كريم المصالح الأجنبية في الموصل 1834- 1914، ص 71.
24- نوار، عبد العزيز سليمان تاريخ العراق الحديث من نهاية داوود باشا إلى نهاية مدحت باشا، ص 224-225.
25- خليل علي مراد، دوافع رحلات الإنكليز الى الموصل وأطرافها في القرن التاسع ومطلع القرن العشرين، ص 165.
26- المس بيل، العراق في رسائل المس بيل، ص 14-16.
27- ستيفن لونكريك، عراق البريطانيين والأتراك خلال 1915-1916، ص 51.
28- ن. براي، مغامرات ليجمن في العراق والجزيرة العربية 1908 - 1920، ص 76.
الاكثر قراءة في تاريخ العراق اثناء الاحتلال البريطاني والحرب العالمية الاولى
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)