تباينت رؤية المصادر التاريخية في النظر إلى الغزو البريطاني للعراق عام 1914م، من حيث بيان دوافعها الأساسية، وهل أنها جاءت ردّة فعل لدخول العثمانيين الحرب العالمية الأولى إلى جانب ألمانيا ضد كل من بريطانيا وفرنسا وروسيا؟ فأرادت بريطانيا فتح جبهة جديدة للحرب انطلاقا من الخليج العربي باتجاه العراق الواقع تحت سيطرة العثمانيين، أم أن فكرة الغزو والتخطيط لاحتلال العراق قد سبق ذلك بفترةٍ زمنيةٍ طويلةٍ كجزء من التوجهات الاستعمارية البريطانية للسيطرة على المناطق الحيوية في العالم.
والحقيقة أن دوافع الغزو البريطاني للعراق قد ارتبطت بمحاولاتها السابقة للتغلغل السلمي عبر المصالح السياسية والاقتصاديّة، ثم التفكير بإعداد خطة عسكرية للاحتلال، تم الإعداد لها قبل الحرب بسنوات، ناهيك عن المتغيرات السياسية والاقتصادية الإقليمية والدولية، والتي دفعت بالبريطانيين ضمن عوامل وأهداف عديدة، وعلى النحو التالي:
أولا: حماية المصالح البريطانية
عملت بريطانيا على تثبيت نفوذها ومصالحها السياسية والاقتصادية في منطقة الخليج العربي وما يجاورها منذ منتصف القرن الثامن عشر الميلادي، ووقعت العديد من الاتفاقيات والمعاهدات الثنائية خلال القرن التاسع عشر مع المشيخات الخليجية ابتداءً من معاهدة 1820م، مع الساحل العماني وعرب القواسم، وحتى معاهدة الحماية البريطانية للكويت عام 1899م، والدولة القاجارية في إيران في السنوات (1872 م، 1890م)، التي منحت الأفضلية لبريطانيا في المصالح السياسية والاقتصادية على بقية الدول الأوربية بحيث أصبح الخليج في مطلع القرن العشرين كأنه بحيرة بريطانية (1) ، وهذا ما أعطاها فرصة التدخل وزيادة النفوذ في المنطقة، غير أنّ مصالحها الحيوية في أراضي الدولة العثمانية والعراق جزء منها، كانت تواجهها العراقيل والسياسات المتضاربة بين الجانبين؛ فالعثمانيون كانوا يرون أن نفوذهم التاريخي على الجزء الغربي من ساحل الخليج العربي يعطيهم المشروعية في حكم المناطق الممتدة من جنوب العراق والكويت والإحساء وقطر والبحرين، وهذا ما أدّى إلى توتر العلاقات العثمانية البريطانية في الخليج العربي طيلة الفترة الممتدة من عام 1871م، ولغاية عام 1914م، وهذا ما دفع الساسة البريطانيين إلى التعبير صراحةً بضرورة المحافظة على المصالح السياسية والتجاريّة، وتأمين الطريق إلى الهند عبر الأملاك العثمانية، خاصة بالنسبة للعراق (2).
لقد عبر الساسة البريطانيون منذ وقت مبكر عن فكرة الذهاب إلى احتلال العراق، فمنذ منتصف القرن التاسع عشر أرسل القنصل البريطاني في بغداد راولنسون (Rawlinson) بمذكرة إلى وزارة الخارجية البريطانية في 3 حزيران ،1853 أشار فيها بأنه في حالة تقسيم الإمبراطورية العثمانية فعلى بريطانيا العمل على القيام باحتلال جنود من الهنود كامل قطاع الإقليم من الزاب الأسفل إلى البحر»(3)، وتكررت فكرة الاحتلال في العقود اللاحقة مع ازدياد أهمية العراق بالنسبة لبريطانيا، إذ أكد حاكم الهند أو نائب الملك البريطاني اللورد كيرزن (Gurzon) في عام 1892م) بأنّ بغداد تقع ضمن موانئ الخليج، ويجب أن تدخل ضمن السيادة البريطانية التي لا تنازع»، وأشار في خطابه بمجلس اللوردات البريطاني عام 1911م إلى ذلك بالقول: «من الخطأ أن نفترض أن مصالحنا السياسية تنحصر في الخليج، فإنّها ليست كذلك، كما أنها ليست منحصرةً بالمنطقة الواقعة ما بين البصرة وبغداد، وإنما تمتد شمالًا إلى بغداد نفسها(4)» ، وحدثت العديد من التوترات السياسية والعسكرية بين الدولتين شمال الخليج، بعد أن وجدت بريطانيا أنّ العثمانيين يحاولون إعادة فرض نفوذهم في رأس الخليج والتضييق على النشاط التجاري البريطاني، وهو ما يمثل تهديدًا لمصالحها الحيوية، وأنه لا بد من التحرّك سياسيًا وعسكريا لمنع ذلك، فجاءت الحرب العالمية الأولى فرصة سانحة للبريطانيين للقضاء على النفوذ العثماني في الخليج العربي والعراق.
..................................................
1- غانم محمد صالح والكبيسي، خليل فضيل محمد، الخليج العربي، ص 71-74.
2- النجار، مصطفى وآخرون، تاريخ الخليج العربي الحديث والمعاصر، ص 111.
3- التميمي، حميد أحمد حمدان، البصرة في عهد الاحتلال البريطاني، ص 93.
4- فيليب ويلارد ایرلاند العراق دراسة في تطوره السياسي، ص 24-25 .