

علم الحديث

تعريف علم الحديث وتاريخه

أقسام الحديث

الجرح والتعديل

الأصول الأربعمائة

الجوامع الحديثيّة المتقدّمة

الجوامع الحديثيّة المتأخّرة

مقالات متفرقة في علم الحديث

أحاديث وروايات مختارة

الأحاديث القدسيّة

علوم الحديث عند أهل السنّة والجماعة


علم الرجال

تعريف علم الرجال

الحاجة إلى علم الرجال

التوثيقات الخاصة

التوثيقات العامة

مقالات متفرقة في علم الرجال

أصحاب النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)

أصحاب الائمة (عليهم السلام)

العلماء من القرن الرابع إلى القرن الخامس عشر الهجري
روايات العرض بين أدلّة النافين لثبوتها والردّ عليهم
المؤلف:
السيد علي حسن مطر الهاشمي
المصدر:
منهج نقد المتن في تصحيح الروايات وتضعيفها
الجزء والصفحة:
ص 80 ــ 110
2026-01-31
41
القسم الثاني: القاعدة الشرعيّة لنقد متون الروايات.
مقدّمة:
تتمثّل هذه القاعدة بعرض ما هو مظنون الصدور عن الشارع المقدّس أي روايات الآحاد على ما هو معلوم الصدور عنه وهو: محكم الكتاب والسنّة، ونتيجة ذلك العلم بصدور ما وافق الكتاب والسنّة من الروايات والعلم بعدم صدور ما كان مخالفًا لهما.
وقد اُستُدلّ على هذه القاعدة بروايات العرض على الكتاب الواردة بطرق متضافرة في المصادر الحديثيّة لدى جميع فرق المسلمين من أهل السنّة والشيعة الإماميّة والزيديّة.
ومن نماذجها لدى أهل السنّة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه خطب فقال: "إنّ الحديث سيفشو عليّ فما أتاكم عنّي يوافق القرآن فهو عنّي وما أتاكم عنّي يخالف القرآن فليس عنّي" (1).
وفي مصادر الشيعة: عن الإمام الصادق (عليه السلام): "إذا ورد عليكم حديث فوجدتّم له شاهدًا من كتاب الله أو من قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإلّا فالذي جاءكم به أولى به"(2).
وكثير من علماء أهل السنّة المتقدّمين والمتأخّرين ينكرون ثبوت هذه الروايات ويرون عدم إمكان صدورها عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) وسوف يتّضح من خلال البحث أنّ بعض هؤلاء المنكرين لم يفهموا مراد الشارع الأقدس بهذه الروايات على وجهه الصحيح وظنّوا أنّها تهدف إلى إلغاء وظيفة السنّة الشريفة في التشريع وحصرها في نطاق توكيد الأحكام التي جاء بها القرآن الكريم فدفعهم حرصهم على السنّة إلى إنكار صحّة هذه الروايات والتماس الأدلة على بطلانها.
وسوف نعقد البحث عن هذه الروايات في خمس مراحل:
الأولى: في استعراض أدلّة الذاهبين إلى عدم ثبوتها.
الثانية: في الجواب عن هذه الأدلّة وردّها.
الثالثة: في بيان معنى روايات العرض ومراد الشارع بها.
الرابعة: في عرض أمثلة تطبيقيّة لقاعدة العرض على الكتاب.
الخامسة: في بيان عدّة أمور تستفاد من قاعدة العرض ذات فوائد علميّة وعمليّة.
المرحلة الأولى:
أدلّة القول بعدم ثبوت روايات العرض على الكتاب.
استند الذاهبون إلى نفي ثبوت روايات العرض على الكتاب تارة إلى مناقشة سندها وأخرى إلى مناقشة متنها ومضمونها.
مناقشة السند:
أمّا فيما يخصّ المناقشة الأولى فهنا دعويان:
الأولى: أنّ هذه الروايات مبتلاة بـ(ضعف السند)، قال الشافعي: "احتجّ عليّ بعض من ردّ الأخبار بما روي أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال: ما جاءكم عنّي فاعرضوه على كتاب الله فما وافقه فأنا قلته وما خالفه فلم أقله. فقلت له: ما روى هذا أحد في شيء صغر ولا كبر وإنّما هي رواية منقطعة عن رجل مجهول ونحن لا نقبل مثل هذه الرواية في شيء"(3).
ويلاحظ على هذا: أنّ الشافعي نفسه قال في كتابه (الأم): "فما خالف القرآن فليس عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإن جاءت به الرواية... فاجعل القرآن والسنّة المعروفة لك إمامًا وقائدًا واتّبع ذلك وقِس عليه ما يرد عليك ممّا لم يوضّح لك في القرآن والسنّة» (4).
وهذا القول مخالف لما ذكره من ضعف سند روايات العرض، والظاهر منه: أنّه قد عدل عمّا ذكره؛ لأنَّ كتاب (الأم) آخر مؤلّفاته، وقد كتبه في مصر، مع وجود بقيّة مؤلّفاته السابقة بين يديه.
ولكن يعارض هذا الاستظهار ما ذكره أحمد شاكر محقّق کتاب الرسالة؛ إذ قال في مقدّمته: «والظاهر عندي: أنّه أعاد تأليف كتاب الرسالة بعد تأليف أكثر كتبه التي في الأم؛ لأنّه يشير كثيراً في الرسالة إلى مواضع ممّا كتب هناك، فيقول مثلاً (رقم 1173): "وقد فسّرت هذا الحـديـث قـبـل هـذا المـوضـع، وهذه إشارة إلى ما في الأم (6/77)" (5).
وقال البيهقي: «أشار الإمام الشافعي فيما رواه خالد بن أبي كريمة، عن أبي جعفر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): "... إنّ الحديث سيفشو عنّي، فما أتاكم عنّي يوافق القرآن، فهو عنّي، وما أتاكـم عـنّي يخالف القرآن، فليس عنّي»، قال البيهقيّ: "... وخالد مجهول، وأبو جعفر ليس بصحابيّ، فالحديث منقطع" (6).
وجاء في كتاب كشف الخفاء: "وقد سُئل شيخنا ـ يعني الحافظ ابن حجر - عن هذا الحديث، فقال: إنّه جاء من طرق لا تخلو من مقال" (7).
والدعوى الثانية: أنّ حديث العرض على الكتاب موضوع. قال في تذكرة الموضوعات: "ما أورده الأصوليّون من قوله (صلى الله عليه وآله): (إذا روي عنّي حديث فاعرضوه على كتاب الله، فإن وافقه فاقبلوه وإن خالفه فردّوه)، قال الخطّابيّ: وضعته الزنادقة" (8).
ونُقل عن يحيى بن معين: "أنّه موضوع، وضعته الزنادقة"(9).
ونقل العجلونيّ: "قال الصنعاني: إذا رُوِّيتم - ويروى: إذا حُدِّثتم - عنّي حديثاً، فاعرضوه على كتاب الله، فإن وافق فاقبلوه، وإن خالف فردّوه، قال: هو موضوع"(10). وقال عبد الرحمن بن مهدي: "الزنادقة والخوارج وضعوا حديث: (ما أتاكم عنّي فاعرضوه على كتاب الله، فإن وافق كتاب الله فأنا قلته، وإن خالف كتاب الله فلم أقله)" (11).
وقد رُوي عن شيخ من الخوارج تاب ورجع، فجعل يقول: إنّ هذه الأحاديث دين، فانظروا عمّن تأخذون دينكم؛ فإنّا كنّا إذا هوينا أمرًا، صيّرناه حديثًا"(12)، وقد يُقال: إنّ إطلاق هذا الكلام يشمل حديث العرض أيضًا.
مناقشة المتن والمضمون:
وأمّا ما يخصّ المناقشة الثانية، فقد قال البيهقي: "والحديث الذي رُوي في عرض الحديث على القرآن باطل لا يصحّ، وهو ينعكس على نفسه بالبطلان؛ فليس في القرآن دلالة عـلـى عـرض الحديث على القرآن" (13).
وقال الشوكاني: "وقد عارض حديث العرض قوم، فقالوا: وعرضنا هذا الحديث الموضوع على كتاب الله، فخالفه؛ لأنّا وجدنا في كتاب الله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7] ... ووجدنا فيه: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: 80]؛ قال الأوزاعي: الكتاب أحوج إلى السنّة من السنّة إلى الكتاب. قال ابن عبد البر: يريد أنّها تقضي عليه، وتبين المراد منه" (14).
ووجه المخالفة المذكورة: أنّ آيات الكتاب تفيد الأخذ بالحديث مطلقاً، في حين أنّ روايات العرض تجعل الأخذ بـه مـقيّداً بعدم المخالفة للكتاب.
وقال ابن عبد البر: وقد أمر الله (عزّ وجلّ) بطاعته واتّباعه أمرًا مطلقًا مجملًا لم يقيّد بشيء كما أمرنا باتّباع كتاب الله ولم يقل: وافق كتاب الله كما قال بعض أهل الزيغ(15).
وقال السرخسيّ: "فإنّ في الكتاب فرضيّة اتّباعه مطلقًا وفي هذا الحديث فرضيّة اتّباعه مقيّدًا بأن لا يكون مخالفًا لما يتلى في الكتاب ظاهرًا ولئن ثبت فالمراد أخبار الآحاد لا المسموع عنه بعينه أو الثابت عنه بالنقل المتواتر. وفي اللفظ ما دلّ عليه وهو قوله (عليه السّلام): (إذا روي لكم عنّي حديث) ولم يقل سمعتم منّي" (16).
أقول: ما ذكره ــ من أنّ ثبوت رواية العرض يعني: اتّخاذه ميزانًا للعلم بصدور خبر الواحد أو عدم صدوره عنه (صلى الله عليه وآله) تبعًا لموافقة الخبر للكتاب أو عدم موافقته له ــ هو المتعيّن وهو المراد الواقعيّ للشارع.
وقوله بعدم شمول رواية العرض لما علم صدوره عنه (صلى الله عليه وآله) إمّا بالسماع منه مباشرة وإمّا بنقله عنه متواترًا لا ينبغي أن يفهم منه أنّه يمكن أن يصدر عنه في هاتين الحالتين ما يخالف الكتاب؛ فإنّ هذا توهّم واضح البطلان إذ إنّ روايات العرض تؤكّد استحالة صدور ما يخالف الكتاب عن المعصومين (عليهم السّلام).
ولأجل ذلك اتّخذت المخالفة للكتاب ميزانًا لردّ أخبار الآحاد والحكم بعدم صدورها عنهم صلوات الله عليهم أجمعين.
المرحلة الثانية:
ردّ أدلّة القول بعدم ثبوت روايات العرض.
إنّ ردّ الاستدلال المتقدّم على عدم ثبوت روايات العرض على الكتاب يقع في نقطتين:
النقطة الأولى: في الجواب عن دعوى سقوط روايات العرض على الكتاب بضعف أسانيدها أو بكونها موضوعة وهو يتّضح باستعراض طرق هذه الروايات في مصادر كلّ من أهل السنّة والشيعة الإماميّة والزيديّة.
طرق الرواية في مصادر أهل السنّة:
وردت رواية العرض على الكتاب في هذه المصادر بالطرق التالية:
1 ــ عن زر بن حبيش عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "إنّها تكون رواة يروون عنّي الحديث، فاعرضوا حديثهم على القرآن، فما وافق القرآن فخذوا به، وما لم يوافق القرآن فلا تأخذوا به" (17).
2 ــ عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه خطب فقال: "إنّ الحديث سيفشو عليّ، فما أتاكم عنّي يوافق القرآن فهو عنّي، وما أتاكم عنّي يخالف القرآن فليس عنّي"(18).
3 ــ الأشعث عن ثوبان أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: ألا إنّ رحى الإسلام دائرة، قال: فكيف نصنع يا رسول الله؟ قال: "اعرضوا حديثي على القرآن، فما وافقه فهو منّي، وأنا قلته" (19).
4 ــ عن أبي هريرة عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) قال: "سيأتيكم عنّي أحاديث مختلفة، فما جاءكم موافقًا لكتاب الله ولسنّتي فهو منّي، وما جاءكم مخالفًا لكتاب الله ولسنّتي فليس منّي" (20).
5 ــ عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: " ...إنّه ستفشو عن أحاديث، فما أتاكم من حديثي فـاقرأوا كتاب الله واعتبروه، فما وافق كتاب الله فأنا قلته، وما لم يوافق كتاب الله فلم أقله" (21).
6 ــ عن علي بن أبي طالب (عليه السّلام) أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: "سيأتي ناس يحدّثون عنّي حديثًا، فمن حدّثكم حديثًا يضارع القرآن فأنا قلته، ومن حدّثكم حديثًا لا يضارع القرآن فلم أقله" (22).
7 ــ عن الأصبغ بن محمد عن أبي منصور: أنّه بلغه أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: "الحديث عنّي على ثلاث، فأيّما حديث بلغكم عنّي تعرفونه بكتاب الله فاقبلوه، وأيّما حديث بلغكم عنّي لا تجدون في القرآن ما تنكرونه به، ولا تعرفون موضعه فيه فاقبلوه، وأيّما حديثكم بلغكم عنّي تقشعر منه جلودكم وتشمئز منه قلوبكم وتجدون في القرآن خلافه فردّوه" (23).
8 ــ عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال في مرضه: "لا يمسك النّاس عليّ شيئًا لا أحلّ إلّا ما أحلّ الله في كتابه، ولا أحرّم إلّا ما حرّم الله في كتابه"(24)، قال ابن حزم: "وهذا مرسل إلّا أنّ معناه صحيح؛ لأنّه (عليه السلام) إنّما أخبر في هذا الخبر أنّه لم يقل شيئًا من عند نفسه بغير وحي من الله تعالى به اليه وأحال بذلك على قول الله تعالى في كتابه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: 3ـ 4] فنصّ كتاب الله تعالى يقضي بأنّ كلّ ما قاله (عليه السلام) فهو عن الله تعالى" (25).
أقول: وظاهر كلامه (صلى الله عليه وآله) أنّه لم يشرّع من طريق السنّة أحكامًا منافية لما ثبت تشريعه في القرآن الكريم.
9 ــ عن الحسن أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: "وإنّي لا أدري لعلّكم أن تقولوا عنّي بعدي ما لم أقلّ، ما حُدِّثتم عنّي ممّا يوافق القرآن فصدّقوا به، وما حُدِّثتم عنّي ممّا لا يوافق القرآن فلا تصدّقوا به" (26).
10 ــ ابن أبي مليكة أنّ ابن عمر حدّثه أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) جلس في مرضه الذي مات فيه الى جنب الحجر فحذّر الفتن وقال: "إنّي والله لا يمسك النّاس عليّ بشيء، إنّي لا أحلّ إلّا ما أحلّ الله في كتابه، ولا أحرّم إلّا ما حرّم الله في كتابه" (27).
11 ــ عن أبي هريرة أنّه (صلى الله عليه وآله) قال: "إذا حدّثتم عنّي بحديث يوافق الحق فأنا قلته" (28).
والحق هو: ما أنزل إليه من الكتاب والسنّة قال تعالى: ﴿وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ﴾ [هود: 120].
12 ــ عن ابن عبّاس أنّه (صلى الله عليه وآله) قال: "من قال عليّ حسنًا موافقًا لكتاب الله وسنّتي فأنا قلته، ومن قال عليّ كذبًا مخالفًا لكتاب الله وسنّتي فليتبوّأ مقعده من النّار" (29).
طرق الرواية في مصادر الإماميّة:
وأمّا طرق رواية العرض على الكتاب في مصادر الشيعة الإماميّة فهي:
1 ــ عن هشام بن الحكم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في خطبة بمنى ــ أو بمكّة ــ: "يا أيّها النّاس ما جاءكم عنّي يوافق القرآن فأنا قلته، وما جاءكم عنّي لا يوافق القرآن فلم أقله" (30).
2 ــ عن النوفليّ عن السكونيّ عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "إنّ على كلّ حقّ حقيقة، وعلى كلّ صواب نورًا، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فدعوه" (31).
3 ــ عن أبي جعفر عن أبيه (عليهما السلام) عن علي (صلوات الله عليه) قال: "الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة... إنّ على كلّ حقّ حقيقة، وعلى كلّ صواب نورًا، فما وافق كتاب الله فخذوا به، وما خالف كتاب الله فدعوه" (32).
4 ــ عن محمد بن مسلم قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): "يا محمد، ما جاءك في رواية من برّ أو فاجر يوافق القرآن فخذ به، وما جاءك في رواية من برّ أو فاجر يخالف القرآن فلا تأخذ به" (33).
5 ــ عن أيّوب بن الحر قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: كلّ شيء مردود الى الكتاب والسنّة، وكلّ حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف"(34).
6 ــ حسين بن أبي العلاء... قال سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن اختلاف الحديث يرويه من نثق به ومنهم من لا نثق به؟ قال: "إذا ورد عليكم حديث فوجدتّم له شاهدًا من كتاب الله أو من قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإلّا فالذي به أولى به" (35).
7 ــ عن أيّوب بن راشد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: "ما لم يوافق من الحديث القرآن فهو زخرف" (36).
8 ــ عن كليب الأسديّ قال سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: "ما أتاكم عنّا من حديث لا يصدّقه كتاب الله فهو باطل"(37).
9 ــ عن سدير قال: كان أبو جعفر وأبو عبد الله (عليهما السلام) يقول: "لا يصدّق علينا إلّا بما يوافق كتاب الله وسنّة نبيّه (صلى الله عليه وآله)" (38).
10 ــ عن الحسن بن الجهم عن العبد الصالح (عليه السلام) قال: "إذا جاءك الحديثان المختلفان، فقسهما على كتاب الله وعلى أحاديثنا، فإن أشبههما فهو حقّ، وإن لم يشبههما فهو باطل" (39).
11 ــ عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله قال: قال الصادق (عليه السلام): "إذا ورد عليكم حديثان مختلفان، فارضوهما على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فخذوه، وما خالف كتاب الله فردّوه" (40).
12 ــ عن جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث قال: "انظروا أمرنا وما جاءكم عنّا، فإن وجدتموه للقرآن موافقًا فخذوا به، وإن لم تجدوه موافقًا فردّوه" (41).
13 ــ مقبولة عمر بن حنظلة عن أبي عبد الله (عليه السلام) قلت: "فإن كان الخبران عنكما مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟ قال: ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب والسنّة وخالف العامّة أُخذ به ويترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسنّة ووافق العامّة" (42).
14 ــ أحمد بن الحسن الميثميّ: أنّه سُئل الرضا (عليه السلام) يوما ــ وقد اجتمع عنده قوم من أصحابه وقد كانوا يتنازعون في الحديثين المختلفين عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الشيء الواحد ــ فقال (عليه السلام) فما ورد عليكم من خبرين مختلفين فارضوهما على كتاب الله فما كان في كتاب الله موجودًا حلالًا أو حرامًا فاتّبعوا ما وافق الكتاب وما لم يكن في الكتاب فاعرضوه على سنن النبي (صلى الله عليه وآله) فما كان في السنّة موجودًا منهيًّا عنه نهي حرام أو مأمورًا به عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمر إلزام فاتّبعوا ما وافق نهي رسول الله وأمره... وما لم تجدوه في شيء من هذه الوجوه فردّوا إلينا علمه فنحن أولى بذلك ولا تقولوا فيه بآرائكم"(43). 15 ــ عن عبد الله بن بكير عن رجل عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث قال: "إذا جاءكم عنّا حديث فوجدتم عليه شاهدًا أو شاهدين من كتاب الله فخذوا به وإلّا فقفوا عنده ثم ردّوه إلينا حتّى يستبين لكم" (44).
16 ــ عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال الصادق (عليه السلام): "إذا ورد عليكم حديثان مختلفان فاعرضوهما على كتاب الله فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فردّوه" (45).
17 ــ عن جميل بن دراج عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: الوقوف عند الشبهة خير من الاقتحام في الهلكة إنّ على كلّ حقّ حقيقة وعلى كلّ صواب نورًا فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فدعوه" (46).
18 ــ عن الحسن بن الجهم عن الرضا (عليه السلام) قال: قلت له: تجيئنا الأحاديث عنكم مختلفة؟ فقال: "ما جاءكم عنّا فقِس على كتاب الله (عزّ وجل) وأحاديثنا فإن كان يشبهها فو منّا وإن لم يكن يشبهها فليس منّا" (47).
19 ــ عن يونس بن عبد الرحمن حدّثني هشام بن الحكم أنّه سمع أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: "لا تقلبوا علينا حديثًا إلا ما وافق القرآن والسنّة أو تجدون معه شاهدًا من أحاديثنا المتقدّمة... ولا تقبلوا علينا ما خالف قول ربّنا تعالى وسنّة نبيّنا" (48).
20 ــ عن يونس، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام): "لا تقبلوا علينا خلاف القرآن؛ فإنّا إن تحدّثنا حدّثنا بموافقة القرآن وموافقة السنّة، إنّا عن الله وعن رسوله نُحدِّث، ولا نقول: قال فلان وفلان، فيتناقض كلامنا... فإذا أتاكم من يحدّثكم بخلاف ذلك فردّوه عليه، وقولوا: أنت أعلم وما جئت به"(49).
21 ــ عن أبي سلمة الجمّال عن أبي عبد الله (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "قد كثرت الكذّابة علينا فأيّ حديث ذُكر يُخالف كتاب الله فلا تأخذوه فليس منّا" (50).
22 ـ عن أبي جعفر الثاني (عليه السلام): "قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حجّة الوداع: قد كثرت عليَّ الكذّابة وستكثر، فمن كذب عليَّ متعمّدًا فليتبوّأ مقعده من النّار، فإذا أتاكم الحديث فاعرضوه على كتاب الله وسنّتي، فما وافق كتاب الله وسنّتي فخُذوا به، وما خالف كتاب الله وسنّتي فلا تأخذوا به" (51).
طرق الرواية في مصادر الزيديّة:
وأمّا طرق رواية العرض على الكتاب في مصادر الزيديّة، فهي:
1 ــ روى الهادي إلى الحقّ في كتاب القياس عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: "سيُكذب عليَّ كما كُذب على الأنبياء من قبلي، فما أتاكم عنّي فاعرضوه على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فهو منّي وأنــا قلته، وما خالف كتاب الله فليس منّي ولم أقله" (52).
2 ــ وقال الناصر أبو الفتح الديلميّ في أوّل تفسيره: رُوِّينا عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: ليكثر عليَّ الكذّابة، فما حدّثتم عنّي فاعرضوه على كتاب الله (عزّ وجلّ)، فما وافق كتاب الله فخُذوه، وما خالف كتاب الله فردوه"(53).
3 ــ "وذكر القاضي عبد الجبّار قاضي القضاة في (فضيلة الاعتزال وطبقات المعتزلة) ما لفظه: وقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: سيأتيكم عنّي حديث مختلق، فما وافق كتاب الله تعالى أو سنّتي فهو منّي، وما كان مخالفًا لذلك فليس منّي" (54)
4 ــ "واعتمد الأصوليّون في وجوب عرض الحديث على كتاب الله سبحانه على ما رووه عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: إذا روي الحديث عنّي فاعرضوه على كتاب الله تعالى، فإن وافقه فاقبلوه، وإن خالفه فردّوه"(55).
5 ــ "وأخرج الديلميّ عن نهشل، عن الضحّاك، عن ابن عباس، عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: "مَـن حـدّث عنّي حديثاً حسناً مـوافـقـاً لكتاب الله وسنّتي فأنا قلته، ومَن قال عليَّ كذباً مخالفاً لكتاب الله وسنّتي فليتبوّأ مقعده من النار"، وذكره السيوطيّ في جامعه الكبير" (56).
إذا تبيّن ذلك نقول:
أوّلاً: إنّ ردّ روايات العرض على الكتاب بدعوى ضعف أسانيدها، مدفوع بكونها مرويّة في مصادر الفريقين بطرق كثيرة تبلغ حد التواتر المفيد للعلم بصدورها، وقد اتّفق العلماء في هذه الحالة على حجّيّة الرواية المتواترة، ولم يشترطوا ثبوت عدالة رواتها أو وثاقتهم، هذا مع أنّ بعض طرق الرواية صحيح سنداً في مصنّفات الإماميّة.
ثانياً: إنّ بعض الباحثين من القدماء والمعاصرين تصدّى للاعتراض على زعم أنّ روايات العرض موضوعة من قبل الخوارج والزنادقة وممّا طرحوه بوجه هذا الزعم ما ذكره القاسم بن محمد بن علي بقوله: "وأنكر الخطّابي والذهبيّ هذا الحديث وقال: هو من وضع الزنادقة بلا حجّة سوى الاعتماد على أحاديث شيعة معاوية دعاة النّار بالنصّ المعلوم من علماء الأمّة من قوله في عمّار: يدعوهم الى الجنّة ويدعونه الى النّار" (57).
وأمّا من المعاصرين فقال السيد جعفر مرتضى: "إنّنا لا ندري متى عقد الخوارج والزنادقة اجتماعهم الذي قرّروا فيه وضع هذا الحديث واختلافه كما أنّنا لم نستطع معرفة مببرّات اتّخاذهم قرارًا كهذا. وهل إنّ حديث العرض على الكتاب يفيد الزنادقة والخوارج وكيف؟! وهل إنّ عدم عرضه يضرّهم وكيف؟!" (58).
ويمكن الجواب عن الشق الأخير من هذا الاعتراض من وجهة نظر الرافضين لرواية العرض الذين يرون أنّ معناها: عدم الأخذ بالاحاديث التي لا يوجد نصّ مطابق لها في القرآن الكريم بأنّ الفائدة التي تعود على الواضعين من ذلك هي: إبطال العمل بمعظم الأحاديث الواردة عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) التي تكون المصدر الأساسي الثاني للإسلام في جوانبه الفكريّة والعقائديّة والتشريعيّة إلّا أنّ هذا المعنى الذي يراه الرافضون لروايات العرض، ليس مراداً للشارع قطعاً، كما سنبيّن ذلك بعد قليل، مضافاً إلى أنّ ما تقدّم من إثبات تواتر هذه الروايات ــ الذي دفعنا به القول بضعفها ــ يدلّ على انتفاء وضعها من باب أولى.
النقطة الثانية: في ردّ الاعتراض على روايات العرض بأنّ مضمونها ينعكس على نفسه بالبطلان؛ لأنّنا نجد في غير آية من القرآن الكريم أنّ الله (عزّ وجلّ) يأمر باتّباع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وامتثال أوامره بنحو مطلق، ولم يقيد ذلك بالموافقة للكتاب الكريم أو بعدم المخالفة.
فنقول: لا شكّ أنّ السنّة النبويّة هي المصدر الثاني للتشريع الإسلاميّ إلى جانب القرآن الكريم، وكلّ منهما وحي من الله سبحانه، والفرق بينهما: أنّ القرآن موحى بلفظه ومعناه، والسُنّة موحى بمعانيها فقط للرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) ليقوم هو بصياغة ألفاظها، هذا من جهة. ومن جهة أُخرى فإنّ الله تعبّدنا بتلاوة نصّ القرآن الكريم دون الحديث.
وأمّا ما استدلّ به المعترضون من الآيات الآمرة بالأخذ بالسنّة مطلقاً فهو صحيح ولا اعتراض عليه إلّا أنّه ناظر إلى السنّة الصادرة واقعاً عن النبيّ الأكرم وأهل بيته المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين، وأمّا روايات العرض فهي ناظرة إلى ما ينقله الرواة مـن الأحاديث، وتريد تضع ضابطة لنقد هذه الروايات والتأكّد من صدورها عن المعصومين (عليهم السلام).
أي: إنّ الرافضين للأخذ بروايات العرض على الكتاب يذهبون إلى أنّ هذه الروايات تشمل السنّة الصادرة واقعاً عن النبي (صلى الله عليه وآله)، وتريد أن تحصر حجّيّتها في حدود مطابقتها التامّة لما جاء في آيات الكتاب، وهذا يؤدّي إلى إلغاء ما هو ثابت من وظيفة السنّة في تخصيص عموم الأحكام الثابتة في الكتاب، وتقييد مطلقاتها، وتفصيل مجملاتها، ومن تصدّي السُنّة لبيان تشريعات مستقلّة لم ترد في الكتاب تضاف إلى ما جاء في الكتاب، وعلى هذا لا تأتي السنّة بجديد، وإنّما تكون وظيفتها مجرّد تكرار ما ورد في القرآن الكريم وتأكيده.
وهذا ما لا يمكن قبوله؛ لوضوح بطلانه؛ فقد "اتّفق من يعتدّ به من أهل العلم على أنّ السنّة المطهّرة مستقلّة بتشريع الأحكام، وأنّها كالقرآن في تحليل الحلال وتحريم الحرام، وقد ثبت عنه (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: "ألا وإنّي أُوتيت القرآن ومثله معه" (59)، أي: أُوتيت القـرآن، وأُوتيت مثله من السنّة التي لم ينطق بها القرآن"(60).
وممّا يدلّ على أنّ مراد الرافضين لروايات العرض هو ما ذكرناه:
أوّلاً: ما استدلّوا به على ردّ هذه الروايات، كاستدلال الشافعي بحديث (الأريكة) المرويّ عن النبيّ (صلى الله عليه وآله)، الذي يندّد فيه بمن يتنكّر للسنّة المشرّفة؛ إذ قال (صلى الله عليه وآله): "لا ألفينّ أحدكم متّكئاً على أريكته، يأتيه الأمر من أمري، ممّا أمرت به أو نهيت عنه، فيقول: لا أدري، ما وجدناه في كتاب الله اتّبعناه" (61).
وعلّق الشافعي على هذا الحديث في مواضع متفرّقة: فقال في موضع: "فقد ضيّق رسول الله على النّاس أن يردّوا أمره، بفرض الله عليهم اتّباع أمره"(62)، وقال في موضع ثانٍ: "وفي هذا تثبيت الخبر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وإعلامهم أنّه لازم لهم، وإن لم يجدوا له نصّ حكم في كتاب الله" (63)، وقال في موضع ثالث: "وقد سنّ رسول الله مع كتاب الله، وسنّ فيما ليس فيه بعينه نصّ كتاب، وكلّ ما سنّ فقد ألزمنا الله اتّباعه، وجعل في اتّباعه طاعته، وفي العنود عن اتّباعها معصيته التي لم يعذر بها خلقاً، ولم يجعل له من اتّباع سنن رسول الله مخرجاً؛ لما وصفت، وما قال رسول الله"(64)، ثُمّ ذكر حديث (الأريكة).
ثانياً: قول ابن حزم - بعد أن أورد بعض روايات العرض على الكتاب وضعّفها: "ولو أنّ امرءاً قال: لا نأخذ إلّا ما وجدنا في القرآن، لكان كافراً بإجماع الأمّة، ولكان لا يلزمه إلّا ركعة ما بين دلوك الشمس إلى غسق الليل، وأُخرى عند الفجر؛ لأنّ ذلك أقلّ ما يقع عليه اسم الصلاة، ولا حدّ للأكثر في ذلك، وقائل هذا كافر مشرك حلال الدم والمال" (65).
ثالثاً: قول ابن القيّم في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59]: "فأمر الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله، وأعاد الفعل إعلاماً بأنّ طاعة الرسول تجب استقلالاً، من غير عرض ما أمر به على الكتاب، بل إذا أمر وجبت طاعته مطلقاً، سواء كان ما أمر به في الكتاب أو لم يكن فيه؛ فإنّه أُوتي الكتاب ومثله معه" (66).
فأهمّ ما أورده أهل الحديث على (روايات العرض على الكتاب) هو أنّها تؤدّي إلى ردّ السنن وإبطال الاحتجاج بالحديث.
والحق: أنّ أحاديث العرض على الكتاب لا تؤدّي إلى ذلك إطلاقاً، وإنّما هي قاعدة شرعيّة لردّ ما نسب من الكلام إلى السنة وما روي حديثاً بطرق لم يعلم صدقها من كذبها، فالمردود كلام الرواة وما نسبوه إلى السنّة وأدرجوه بعنوان الحديث، ولم يثبت كونه سنّة ولا حديثاً، وليس المردود هي السنّة الثابتة والحديث المعلوم الصدور.
والدليل على ذلك:
أوّلاً: أنّ العرض خُصّص في تلك الروايات بـ(ما رُوي، وما نُقل، وما حُدّث به بواسطة الرواة والناقلين)، دون ما سمعه الراوي من الرسول (صلى الله عليه وآله) مباشرة؛ فلم يرد ـ في روايات العرض على الكتاب ـ : (اعرضوا ما أقول)، أو: (اعرضوا ما سمعتموه منّي على كتاب الله)، وإنّما جاء فيها : اعرضوا «ما روي لكم عنّي»، أو: «ما حُدّثتم»، أو: «ما جاءكم به أحد».
فالمطروح للعرض ليس هو حديث الرسول (صلى الله عليه وآله) المعلوم والثابت، وإنّما هو كلام الرواة المنسوب إليه؛ حتّى يثبت العلم بصدوره عنه واقعاً، أو العلم بعدم صدوره.
ثانياً: إنّ بعض هذه الروايات يذكر العرض على الكتاب وعلى السنة أيضاً، ومن شواهد ذلك ممّا تقدّم:
1 ــ قوله (صلى الله عليه وآله): "فما جاءكم موافقاً لكتاب الله ولسُنّتي فهو منّي، وما جاءكم مخالفاً لكتاب الله ولسُنّتي فليس منّي".
2 ــ قول الإمام الصادق (عليه السلام): "إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهدًا من كتاب الله، أو من قول رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وإلّا فالذي جاءكم به أولى به".
3 ــ قول الصادقين (عليهما السلام): "لا يصدّق علينا إلّا بما وافق كتاب الله وسنّة نبيّه (صلى الله عليه وآله).
4 ــ قول العبد الصالح (عليه السلام): "إذا جاءك الحديثان المختلفان، فقسهما على كتاب الله وعلى أحاديثنا، فإن أشبههما فهو حق، وإن لم يشبههما فهو باطل".
وسوف يتّضح أنّ المراد بالسُنّة التي تعرض عليها الرواية: ما علم صدوره عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) بالتواتر، أو بالضرورة من الدين، أو المجمع على نقله.
وعليه، فكيف يُتوهّم أنّ مدلول روايات العرض إنكار حجيّة السنّة، أو إلغاء وظيفتها في مجال التشريع؟!
فالحق: أنّ الشارع المقدّس يريد بروايـات العـرض: تأسيس قاعدة شرعيّة تتمثّل بـ(عرض الأحاديث المظنون صدورها عن المعصومين (عليهم السلام) على ما هو معلوم الصدور، ومعلوم الصدور هو: آيات الكتاب، والسنّة المجمع عليها، فإن كانت تلك الأحاديث مخالفة لمعلوم الصدور، دلّ ذلك على عدم صدورها؛ إما لأنّها موضوعة على المعصومين (عليهم السلام)، وإمّا لخطأ واشتباه الرواة الناقلين لها.
وبعبارة أخرى: إنّ روايات العرض لا يراد بها إلغاء حجّيّة السنّة الشريفة، وإنّما يراد بها تحصيل العلم بما هو سنّة وحجّة واقعاً، وتمييزه ممّا ليس كذلك، ممّا ينقله الرواة من أحاديث عن المعصومين (عليهم السلام).
وروايات العرض بهذا المعنى لها شاهد من كتاب الله (عزّ وجلّ)، وهو قوله تعالى: ﴿...فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: 59].
وجاء في عهد الإمام علي (عليه السلام) لمالك الأشتر (رضي الله عنه): "واردد إلى الله ورسوله ما يضلعك من الخطوب، ويشتبه عليك من الأمور، فقد قال الله تعالى: لقوم أحبّ إرشادهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: 59] فالراد إلى الله: الآخذ بمحكم كتابه، والراد إلى الرسول: الآخذ بسُنّته الجامعة غير المتفرّقة"(67)، أي: التي أجمع المسلمون على صدورها عن النبي (صلى الله عليه وآله)، ولم يختلفوا في نسبتها إليه.
قال ابن قيّم الجوزيّة: "إنّ قوله: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ} نكرة في سياق الشرط، تعمّ كلّ ما تنازع فيه المؤمنون، دقّه وجلّه، جليّه وخفيّه، ولو لم يكن في كتاب الله وسنّة رسوله بيان حكم ما تنازعوا فيه، ولم يكن كافياً لم يأمر بالردّ إليه؛ إذ من الممتنع أن يأمر الله تعالى بالردّ عند النزاع إلى ما لا يوجد عنده فصل النزاع ... إنّ الناس أجمعوا [على] أنّ الردّ إلى الله سبحانه هو: الردّ إلى كتابه، والردّ إلى الرسول (صلى الله عليه وآله) هو: الردّ إليه نفسه في حياته، وإلى سنّته بعد وفاته" (68).
ويلاحظ أنّ بعض العلماء قد ذهب إلى تصحيح مضمون رواية العرض على الكتاب حتّى على فرض عدم صحّة سندها:
قال الشاطبي: "لا بد في كلّ حديث من الموافقة لكتاب الله، صرّح به الحديث المذكور، فمعناه صحيح، صحّ سنده أو لا"(69)، وقال أيضاً: "إذا كان الحديث مخالفاً - يكذّبه القرآن والسنّة وجب أن يدفع، ويعلم أنّه لم يقله... والحاصل: صحّة اعتبار الحديث بموافقة القرآن وعدم مخالفته، وهو المطلوب على فرض صحّة هذه المنقولات وأمّا إن لم تصحّ فلا علينا؛ إذ المعنى المقصود صحيح" (70).
وقال الدكتور السباعي: "لئن كان ردّ الحديث من جهة السند، كما ذكر أهل العلم بالحديث، فلا كلام لنا فيه، ويجب أن نسلّم لهم ما قالوه... ولئن كان ردّه من جهة المتن، فهذا الحديث قد روي بألفاظ مختلفة؛ ففي أكثر الروايات: (فما وافق فاقبلوه، وما خالف أو لم يوافق فردّوه)، وهذا النصّ ليس فيه ما يقتضي الحكم بالضعف فضلًا عن أن يقول فيه عبد الرحمن بن مهدي:(إنّه من وضع الخوارج والزنادقة)ّ؛ ذلك أنّ من المتّفق عليه بين العلماء أنّ من علائم وضع الحديث أن يكون مخالفاً للكتاب والسنّة القطعيّة، فإذا جاءنا حديث بحكم يخالف، أو لا يوافق ما في كتاب الله من أحكام ولا مجال للتأويل، حكمنا بوضعه باتّفاق. وهل قال الحديث الذي نحن بصدده أكثر من هذا؟!"(71).
أقول: إنّ تصحيح مضمون روايات العرض على الكتاب حتى على فرض ضعف أسانيدها لا دليل عليه سوى عرضها على محكم الكتاب والسنة كما أمر الله (عزّ وجلّ) بذلك بقوله: ﴿...فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ...﴾، بل حتّى لو افترضنا عدم الأمر الالهيّ بذلك فإنّنا لا نجد كتابًا نلجأ اليه للخروج من حالات الحيرة والتردّد سوى القرآن الكريم كيف وقد وصفه الله سبحانه بقوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: 13]، ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: 89]، ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: 42].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الأم، الشافعي، 7 / 308.
(2) الكافي، الكليني، 1 / 69، ح2؛ المحاسن، البرقي، 1 / 352، 353.
(3) الرسالة، الشافعي، ص 224، 225.
(4) الأم، الشافعي، 7 / 308.
(5) الرسالة، الشافعي، ص 12.
(6) مفتاح الجنّة في الاعتصام بالسنّة، ص 43.
(7) كشف الخفاء ومزيل الإلباس، العجلوني، 1 / 76.
(8) تذكرة الموضوعات، الفتّني، ص 28.
(9) إرشاد الفحول، الشوكاني، ص 150.
(10) كشف الخفاء ومزيل الإلباس، العجلوني، 1 / 76.
(11) جامع بيان العلم وفضله، ابن عبد البر، 2 / 1191.
(12) اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة، السيوطي، 2 / 389.
(13) دلائل النبوة، البيهقي، 1 / 27؛ مفتاح الجنّة، السيوطي، ص 30.
(14) إرشاد الفحول، الشوكاني، ص 151؛ الإحكام في أصول الأحكام، ابن حزم الظاهريّ، 2 / 214.
(15) جامع بيان العلم وفضله، ابن عبد البر، 2 / 1190.
(16) أصول السرخسي، 2 / 76؛ كشف الأسرار عن أصول البزدوي، علاء الدين عبد العزيز البخاري، 3 / 275.
(17) سنن الدارقطني، 3 / 451، ح 4396؛ كنز العمّال، المتّقي الهندي، 1 / 196.
(18) الأم، الشافعي، 7 / 308.
(19) المعجم الكبير، الطبراني، 2 / 97، ح 1429.
(20) سنن الدارقطني، 4 / 208؛ مفتاح الجنّة، السيوطي، ص 45.
(21) المعجم الكبير، الطبراني، 12 / 244، ح 13224؛ مجمع الزوائد، الهيثميّ، 1 / 414، ح 787.
(22) الإحكام، ابن حزم الظاهريّ، 2 / 211.
(23) الإحكام، ابن حزم الظاهريّ، 2 / 212؛ مفتاح الجنّة، السيوطي، ص44.
(24) المصدر السابق، 2 / 212.
(25) المصدر السابق، 2 / 212.
(26) المصدر السابق، 2 / 212.
(27) المصدر السابق، 2 / 213.
(28) كنز العمّال، المتّقي الهندي، 10 / 230، رقم 29212.
(29) المصدر السابق، رقم 29214.
(30) الكافي، الكليني، 1 / 69، ح5؛ تفسير العيّاشي، 1 / 8؛ تفسير البرهان، 1 / 67، 68.
(31) الكافي، الكليني، 1 / 69، ح1؛ المحاسن، 1 / 354.
(32) بحار الأنوار، 1 / 144؛ تفسير العيّاشي، 1 / 8؛ تفسير البرهان، 1 / 68.
(33) بحار الأنوار، 1 / 145؛ تفسير العيّاشي، 1 / 8؛ تفسير البرهان، 1 / 68.
(34) الكافي، الكليني، 1 / 69، ح3؛ تفسير العيّاشي، 1 / 9؛ تفسير البرهان، 1 / 67.
(35) الكافي، الكليني، 1 / 69، ح2؛ المحاسن، 1 / 352، 353.
(36) الكافي، الكليني، 1 / 69، ح4.
(37) بحار الأنوار، 1 / 144؛ تفسير العيّاشي، 1 / 9؛ تفسير البرهان، 1 / 68.
(38) وسائل الشيعة، 27 / 123، ح47؛ تفسير العيّاشي، 1 / 9.
(39) وسائل الشيعة، 27 / 123، ح48؛ تفسير العيّاشي، 1 / 9؛ تفسير البرهان، 1 / 68.
(40) وسائل الشيعة، 27 / 118، ح29؛ جامع أحاديث الشيعة، 1 / 254.
(41) وسائل الشيعة، 27 / 120، ح37.
(42) الكافي، 1 / 68، ح10؛ وسائل الشيعة، 27 / 106، ح1.
(43) عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، 1 / 23، 24.
(44) وسائل الشيعة، 27 / 112، ح 33351.
(45) المصدر السابق، 27 / 118، ح 33362.
(46) المصدر السابق، 27 / 119، ح 33368.
(47) المصدر السابق، 27 / 121، ح 33373.
(48) اختيار معرفة الرجال، 2 / 489.
(49) اختيار معرفة الرجال، 2 / 490.
(50) مختصر رسالة في أحوال الأخبار للقطب الراونديّ، مجلّة علوم الحديث، العدد 1، ص 326؛ اختيار معرفة الرجال، 2 / 489.
(51) بحار الأنوار، 2 / 225، ح2.
(52) الاعتصام بحبل الله المتين، القاسم بن محمد، 1 / 21.
(53) المصدر السابق، 1 / 21.
(54) المصدر السابق، 1 / 22.
(55) المصدر السابق، 1 / 22.
(56) المصدر السابق، 1 / 24.
(57) المصدر السابق، 1 / 22.
(58) الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)، السيّد جعفر مرتضى العاملي، 1 / 272.
(59) مسند أحمد، 4 / 131؛ سنن أبي داوود، 4 / 300، ح 4604.
(60) إرشاد الفحول، الشوكاني، ص 147.
(61) سنن أبي داوود 4 / 329؛ سنن ابن ماجة، 1 / 6؛ سنن الترمذي، 2 / 110، 111؛ مسند أحمد، 6 / 8؛ المستدرك على الصحيحين، 1 / 108، 109.
(62) الرسالة، الشافعي، ص 226.
(63) المصدر السابق، ص 404.
(64) المصدر السابق، ص 88، 89.
(65) الإحكام، ابن حزم الظاهريّ، 2 / 214.
(66) أعلام الموقّعين، ابن قيّم الجوزيّة، 1 / 48.
(67) نهج البلاغة، ص 434.
(68) أعلام الموقّعين، ابن قيّم الجوزيّة، 1 / 49، 50.
(69) الموافقات، الشاطبيّ، 4 / 16.
(70) المصدر السابق، 4 / 17.
(71) السنّة ومكانتها في التشريع الإسلاميّ، مصطفى السباعي، ص 185.
الاكثر قراءة في مقالات متفرقة في علم الحديث
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)