في خصوص حديث تهنئة الشيخين (أبي بكر وعمر) رواه، مضافاً إلى علماء الشيعة رضوان الله عليهم من أئمّة التأريخ والتفسير والحديث من رجال السنّة كثير لا يستهان بعدّتهم بين راوٍ له بأسانيد صحيحة لرجال ثقات تنتهي إلى ابن عبّاس، وأبي هريرة، وزيد بن أرقم، والبراء بن عازب، وبين راوٍ مرسلًا له إرسال المسلّمات.
وذكره بعض العامّة بلفظ: بَخٍّ بَخٍّ يَا عَلِيّ، وبعضهم بلفظ هَنِيئاً لَكَ، وبعضهم بلفظ طُوبَى لَكَ؛ ومن جهة اخرى، نقله بعضهم بلفظ أصْبَحْتَ، وبعضهم بلفظ وأمْسَيْتَ، وبعضهم بلفظ أصْبَحْتَ وأمْسَيْتَ. ورواه جماعة عن عمر، وجماعة عن أبي بكر وعمر كليهما. ومفاد متن الحديث متباين أيضاً، فبعضهم رواه بلفظ مَوْلَايَ ومَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ، وبعضهم بلفظ مَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ، وبعضهم بلفظ مَوْلَى كُلِّ مُسْلِمٍ، وبعضهم بلفظ مَوْلَايَ ومَوْلَى كُلِّ مُسْلِمٍ. أذكر فيما يلي زبدة ما ذكره العلّامة الأمينيّ رحمة الله عليه ولكن بترتيب واسلوب خاصّ بنا.
الأوّل: الحافظ أحمد بن عقدة في كتاب «الولاية»، والحافظ أبو عبد الله المرزبانيّ في كتاب «سرقات الشعر»، والحافظ عليّ بن عمر الدارقطنيّ بناءً على نقل ابن حَجَر في «الصواعق»، وأبي محمّد العاصميّ في كتاب «زَيْن الفتى»، والحافظ أبو عبد الله الكنجيّ في كتاب «كفاية الطالب»، وابن حجر العسقلانيّ الهيتميّ في كتاب «الصواعق المحرقة»، وشمس الدين المناويّ الشافعيّ في كتاب «فيض القدير» وأبو عبد الله الزرقانيّ في كتاب «شرح المواهب»، وسيّد أحمد زَيني دَحْلان في كتاب «الفتوحات الإسلاميّة». أخرجه هؤلاء بالعبارة التالية: «قَالَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ: أمْسَيْتَ يَا بْنَ أبِي طَالِبٍ! مَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ».
الثاني: الحافظ أبو عبد الله ابن بطّة في كتاب «الإبانة»، والقاضي أبو بكر الباقلّانيّ في كتاب «تمهيد الاصول»، ذكراه هكذا: إنَّ أبَا بَكْرٍ وعُمَرَ لَمَّا سَمِعَا قَالا: يَا بْنَ أبِي طَالِبٍ! أنْتَ مَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ!
الثالث: الحافظ أبو بكر ابن شيبة في كتاب «المُصَنَّف»، وأحمد بن حنبل في مسنده، والحافظ أبو عبّاس الشيبانيّ، والحافظ أبو يعلى الموصليّ في مسنده، والحافظ أبو سعد السمعانيّ في «فضائل الصحابة»، وأبو الفرج ابن الجوزيّ الحنبليّ في مناقبه، وأبو المظفّر سبط ابن الجوزيّ الحنفيّ في «تذكرة خواصّ الامّة»، وعمر بن محمّد الملّا في «وسيلة المتعبّدين». والحافظ محبّ الدين الطبريّ في «الرياض النضرة»، وشيخ الإسلام «الحمّوئيّ» في «فرائد السمطين»، ووليّ الدين الخطيب في «مشكاة المصابيح»، وجمال الدين الزرنديّ في «نظم درر السمطين» وأبو الفداء ابن كثير الشاميّ الشافعيّ في «البداية والنهاية»، وتقي الدين المقريزيّ المصريّ في «الخطط»، ونور الدين بن صبّاغ المالكيّ في «الفصول المهمّة» وكمال الدين الميبديّ في «شرح الديوان المنسوب إلى أمير المؤمنين»، وجلال الدين السيوطيّ في «جمع الجوامع» بناءً على نقل «كنز العمّال»، ونور الدين السمهوديّ الشافعيّ في «وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى»، وسيّد عليّ بن شهاب الدين الهمدانيّ في «مودّة القربى»، وسيّد محمود الشيخانيّ القادريّ في «الصراط السويّ في مناقب آل النبيّ»، والشيخ أحمد با كثير المكّيّ في «وسيلة المآل في عَدّ مناقب الآل»، والميرزا محمّد البدخشانيّ في «مفتاح النجا في مناقب آل العبا»، والشيخ محمّد صدر العالم في «معارج العلى في مناقب المرتضى»، وأبو وليّ الله العُمَريّ الدهلويّ، وسيّد محمّد الصنعانيّ في «الروضة النديّة شرح التحفة العلويّة»، والمولويّ محمّد مبين اللكهنويّ في «وسيلة النجاة»، والشيخ محمّد حبيب الله الشنقيطيّ المالكيّ في «كفاية الطالب في حياة عليّ بن أبي طالب». نقله هؤلاء كلّهم بالعبارة التالية: «قَالَ عُمَرُ: هَنِيئاً لَكَ يَا بْنَ أبِي طَالِبٍ! أصْبَحْتَ وأمْسَيْتَ مَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ!
الرابع: الحافظ أبو جرير الطبريّ في تفسيره، والحافظ أبو سعيد الخركويّش في «شرف المصطفى»، وأبو حامد الغزاليّ في «سرّ العالمين»، وأخطب خطباء خوارزم موفّق بن أحمد الحنفيّ في مناقبه، وفخر الدين الرازيّ الشافعيّ في تفسيره، ونظام الدين القمّيّ النيسابوريّ، وسيّد عبد الوهّاب الحسينيّ البخاريّ، ومحمّد محبوب العالم في «تفسير شاهي». نقله هؤلاء بالعبارة التالية: فَلَقِيَهُ عُمَرُ فَقَالَ: هَنِيئاً لَكَ يَا بْنَ أبِي طَالِبٍ! أصْبَحْتَ وأمْسَيْتَ مَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ.
الخامس: الحافظ ابن سمّان الرازيّ بناءً على نقل محبّ الدين الطبريّ في «الرياض النضرة»، والشنقيطيّ في «حياة عليّ بن أبي طالب»، وحُسام الدين بايزيد السَّهَانبوريّ في «مرافض الروافض». ذكره هؤلاء العبارة التالية: فَلَقِيَ عَلِيَّاً عَلِيهِ السَّلَامُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ: هَنِيئاً يَا بْنَ أبِي طَالِبٍ! أصْبَحْتَ وأمْسَيْتَ مَوْلَاي ومَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ.
السادس: أبو إسحاق الثعلبيّ في تفسيره «الكشف والبيان»، والحافظ أبو بكر البيهقيّ بناءً على نقل «الفصول المهمّة»، والحافظ أبو بكر الخطيب البغداديّ، والفقيه أبو الحسن ابن المغازليّ في «المناقب»، وأبو الفتح الأشعريّ الشهرستانيّ في «الملل والنحل»، والقاضي نجم الدين الأذرعيّ الشافعيّ في «بديع المعاني». نقله هؤلاء بالعبارة التالية: فَلَقِيَهُ عُمَرُ فَقَالَ: هَنِيئاً لَكَ يَا بْنَ أبِي طَالِبٍ! أصْبَحْتَ مَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ.
السابع: الفقيه ابن المغازليّ في «المناقب» بسند آخر، والخطيب الخوارزميّ في «المناقب»، بسند آخر، نقلاه هكذا: بَخٍّ بَخٍّ يَا أبَا الحَسَنِ! أصْبَحْتَ مَوْلَاي ومَوْلَى كُلِّ مُسْلِمٍ!
الثامن: أبو الفتح محمّد بن عليّ النطنزيّ في «الخصائص العلويّة»، والشيخ الحمّوئيّ بسند آخر، روياه كالآتي: قَالَ عُمَرُ: بَخٍّ بَخٍّ يَا بْنَ أبِي طَالِبٍ! أصْبَحْتَ مَوْلَاي ومَوْلَى كُلِّ مُسْلِمٍ!
التاسع: أبو محمّد العاصميّ في «زين الفتى» بسند آخر، قال فيه: قَالَ عُمَرُ: هَنِيئاً لَكَ يَا أبَا الحَسَنِ! أصْبَحْتَ مَوْلَى كُلِّ مُسْلِمٍ!
العاشر: أبو السعادات ابن الأثير الشيبانيّ في «النهاية»، وشهاب الدين القسطلانيّ في «المواهب اللَّدُنِّيَّة»، أورداه بهذه العبارة: قَوْلُ عُمَرُ لِعَلِيّ: أصْبَحْتَ مَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ.
الحادي عشر: عزّ الدين بن الأثير الشيبانيّ، ذكره بهذه العبارة: قَالَ عُمَرُ: يَا بْنَ أبِي طَالِبٍ! أصْبَحْتَ الْيَومَ مَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ.[1]
فهذه بعض الأحاديث والروايات الدالّة على أنَّ الشيخين قد أقرّا واعترفا بولاية أمير المؤمنين عليه السلام إلّا أنهما حملا الولاية على معنى آخر غير الإمامة والإمارة والخلافة لئلّا تصطدم بإمارتهما وحكومتهما. وهذا الحمل غير صحيح لأنَّ ما نصّ عليه أهل اللغة والشعراء، وما عُرفَ من المعنى الأصليّ للولاية- كما ذكرنا في المباحث المتقدّمة- هو أنَّ الولاية بمعنى الأولويّة من جميع الوجوه، والقُرب بكلّ ما للكلمة من معنى، وهو ما يستلزم الرئاسة والحكومة والخلافة وحقّ التصرّف في الدين والدنيا.
إنَّ اولئك ينكرون هذه الحقيقة مع أنها أظهر من الشمس، ويتشبّثون بأدلّة واهية كقولهم: إنَّ الحكومة منفصلة عن الولاية، وإنَّ على الناس أن ينهضوا لتعيين الإمام؛ كما نلاحظ أنَّ كثيراً من العامّة يقولون في كيفيّة الاستدلال: إنَّ الحديث المعروف: مَنْ كُنْتُ مَولَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ حديث صحيح وأنه ثابت الصدور عن رسول الله، ومتواتر، بيد أنَّ الولاية لا تعني الحكومة والخلافة. إنَّهم يقولون: إنَّ أفضل دليل على هذا الموضوع هو أنَّ الشيخين هنّئا أمير المؤمنين عليه السلام بعد ما سمعا هذا الحديث من رسول الله واعترفا به، بيد أنهما اجتمعا في سقيفة بني ساعدة ومعهما جماعة وأبو بكر.
[1] «الغدير» ج 1، ص 272 إلي 283.