نقل ابن شهرآشوب قبل هذه الأبيات حواراً جرى بين أبي الحسن الرفاء وابن رامين الفقيه، قال أبو الحسن لابن رامين: لمّا خرج رسول الله صلّى الله عليه وآله من المدينة، ما استخلف عليها أحداً.
قال ابن رامين: بلى؛ استخلف عليّاً.
قال أبو الحسن: وكيف لم يقل لأهل المدينة: اخْتَارُوا فَإنَّكُمْ لَا تَجْتَمِعْونَ عَلَى الضَّلَالِ!
قال: خاف النبيّ عليهم الخلف والفتنة.
قال أبو الحسن: فلو وقع بينهم فساد، لأصلحه عند عودته.
قال ابن رامين: هذا أوثق.
قال أبو الحسن: أفاستخلف أحداً بعد موته؟!
قال ابن رامين: لا.
قال أبو الحسن: فموته أعظم من سفره. فكيف أمن على الامّة بعد موته ما خافه في سفره وهو حيّ عليهم؟ فقطعه الشاعر المعروف العبديّ قائلًا: وَقَالُوا رَسُولُ اللهِ مَا اخْتَارَ بَعْدَهُ *** إمَامَاً ولَكِنَّا لأنْفُسِنَا اخْتَرْنَا[1]
ونقل في «ريحانة الأدب» ستّة أبيات منها، عدا البيت السادس، عن العبديّ: سفيان بن مصعب، عن «مناقب ابن شهرآشوب».[2]
بيد أنَّ صاحب «الغدير» نسب هذه الأبيات إلى عليّ بن حَمَّاد بن عبد الله العبديّ البصريّ، وقال: وقفنا لابن حمّاد على قصيدة في مجموعة عتيقة مخطوطة في العصور المتقادمة. وقد ذكر ابن شهرآشوب بعض أبياتها ونسبه إلى العبديّ: سفيان بن مصعب. وتبعه البياضيّ في «الصراط المستقيم». ولكنَّ هذه القصيدة لابن حمّاد. ثمّ ذكر القصيدة برمّتها، وهي تبلغ مائة وستّة أبيات. وهذه القصيدة في غاية الروعة، وهي في مدح أمير المؤمنين عليه السلام ومطلعها:
أسَائلَتِي عَمَّا الَاقِي مِنَ الأسَا *** سَلِي اللَّيْلَ عَنِّي هَلْ اجَنُّ إذَا جَنَّا
ومن هذه القصيدة: (البيت الخامس والخمسون حتّى البيت التاسع والخمسين):
وَلَوْ فَضَّ بَيْنَ النَّاسِ مِعْشَارُ جُودِهِ *** لَمَا عَرَفُوا في النَّاسِ بُخْلًا ولَا ضَنَّا
وَكُلُّ جَوَادٍ جَادَ بِالمَالِ إنَّمَا *** قُصَارَاهُ أنْ يَسْتَنَّ في الجُودِ مَا سَنَّا
وَكُلُّ مَدِيحٍ قُلْتُ أوْ قَالَ قَائلٌ *** فَإنَّ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ بِهِ يُعْنَى
سَيَخْسَرُ مَنْ لَمْ يَعْتَصِمْ بِوَلَائِهِ *** ويَقْرَعُ يَوْمَ البَعْثِ مِنْ نَدَمٍ سِنَّا
لِذَلِكَ قَدْ وَالَيْتُهُ مُخْلِصَ الوَلَا *** وكُنْتُ على الأحْوَالِ عَبْدَاً لَهُ قِنَّا
ثمّ يواصل القصيدة حتّى آخرها. وينقل الأبيات التي أتينا بها في البداية كشاهد ودليل على بحثنا (البيت السادس والثمانين حتّى البيت الحادي والتسعين) ويختم هذه القصيدة ذات الاسلوب البديع بأبيات رائعة مؤثّرة.[3]
[1] «مناقب ابن شهرآشوب» ج 1، ص 181.
[2] «ريحانة الأدب» ج 4، ص 99.
[3] «الغدير» ج 4، ص 155 إلي 160. والأبيات الأخيرة (98 إلي 106) هي:
فَصَاحَةُ شِعْرِي مُذْ بَدَتْ لِذَوي الحِجَى *** تَمَثَّلَتِ الأشْعَارُ عِنْدَهُمْ لُكْنَا
وَخَيْرُ فُنُونِ الشِّعْرِ مَا رَقَّ لَفْظُهُ *** وجَلَّتْ مَعَانِيهِ فَزَادَتْ بِهَا حُسْنَا
وَلِلْشِعْرِ عِلْمٌ إنْ خَلَا مِنْهُ حَرْفُهُ *** فَذَاكَ هَذَاءٌ في الرُّءوسِ بِلَا معنى
إذَا مَا أدِيْبٌ أنْشَدَ الغَثَّ خِلْتَهُ *** مِنَ الكَرْبِ والتَّنْغِيصِ قَدْ ادْخِلَ السِّجْنَا
إذَا مَا رَأوْهَا أحْسَنُ النَّاسِ مَنْطِقَاً *** وأثْبَتُهُمْ حَدثاً وأطْيَبُهُمْ لَحْنَا
تَلَذُّ بِهَا الأسْمَاعُ حتّى كَأنهَا *** ألَذُّ مِنْ أيَّامِ الشَّبِيبَةِ أوْ أهْنَي
وَفي كُلِّ بَيْتٍ لَذَّةٌ مُسْتَجَدَّةٌ *** إذَا مَا انْتَشَاهُ قِيلَ: يَا لَيْتَهُ ثَنَّي
تَقَبَّلَهَا رَبِّي ووَفَّى ثَوَابَهَا *** وثَقَّلَ مِيزَانِي بِخَيْرَاتِهَا وَزْنَا
وَ صلّى على الأطهَارِ مِنْ آلِ أحْمَدٍ *** إلَهُ السَّمَاءِ مَا عَسْعَسَ اللَّيْلُ أوْ جَنَّا
ينبغي أن نعرف أنَّ ابن حمّاد العبديّ كان من أهل البصرة، وكان معاصراً للشيخ الصدوق ومن أقرانه. أدركه النجاشيّ. وهو يروي عن كتب أبي أحمد الجلّوديّ البصريّ المتوفّى سنة 332 هـ وأمَّا العبديّ الكوفيّ: سفيان بن مصعب، فهو من أهل الكوفة. كان معاصراً للسيّد الحميريّ. وعمّر- على ما يبدو- حتّى سنة 178 هـ التي توفّي فيها الحميريّ. وكان الإمام الصادق عليه السلام يأمر الشيعة بإنشاد شعره في بيوتهم. («الغدير» ج 2، ص 297).