
تاريخ الفيزياء

علماء الفيزياء


الفيزياء الكلاسيكية

الميكانيك

الديناميكا الحرارية


الكهربائية والمغناطيسية

الكهربائية

المغناطيسية

الكهرومغناطيسية


علم البصريات

تاريخ علم البصريات

الضوء

مواضيع عامة في علم البصريات

الصوت


الفيزياء الحديثة


النظرية النسبية

النظرية النسبية الخاصة

النظرية النسبية العامة

مواضيع عامة في النظرية النسبية

ميكانيكا الكم

الفيزياء الذرية

الفيزياء الجزيئية


الفيزياء النووية

مواضيع عامة في الفيزياء النووية

النشاط الاشعاعي


فيزياء الحالة الصلبة

الموصلات

أشباه الموصلات

العوازل

مواضيع عامة في الفيزياء الصلبة

فيزياء الجوامد


الليزر

أنواع الليزر

بعض تطبيقات الليزر

مواضيع عامة في الليزر


علم الفلك

تاريخ وعلماء علم الفلك

الثقوب السوداء


المجموعة الشمسية

الشمس

كوكب عطارد

كوكب الزهرة

كوكب الأرض

كوكب المريخ

كوكب المشتري

كوكب زحل

كوكب أورانوس

كوكب نبتون

كوكب بلوتو

القمر

كواكب ومواضيع اخرى

مواضيع عامة في علم الفلك

النجوم

البلازما

الألكترونيات

خواص المادة


الطاقة البديلة

الطاقة الشمسية

مواضيع عامة في الطاقة البديلة

المد والجزر

فيزياء الجسيمات


الفيزياء والعلوم الأخرى

الفيزياء الكيميائية

الفيزياء الرياضية

الفيزياء الحيوية

الفيزياء العامة


مواضيع عامة في الفيزياء

تجارب فيزيائية

مصطلحات وتعاريف فيزيائية

وحدات القياس الفيزيائية

طرائف الفيزياء

مواضيع اخرى
لغز الحركة
المؤلف:
البرت أينشتاين و ليويولد إنفلد
المصدر:
تطور الأفكار في الفيزياء
الجزء والصفحة:
ص22
2026-01-21
26
طالما بقي اهتمامنا مقصوراً على الحركة المستقيمة فسنبقى بعيدين عن تفهم الحركات التي نراها في الطبيعة. وعلينا أن نهتم بالحركات على خطوط منحنية. وتكون مهمتنا التالية أن نكتشف القوانين التي تحكم هذه الحركات؟ وليس هذا بالأمر السهل. هذا وإن مفاهيم السرعة وتغير السرعة والقوة قد ظهرت عظيمة الفائدة في الحركة المستقيمة. ولكننا لا نرى فوراً كيف يمكن أن نطبقها على الحركة وفق خط منحن. والواقع أن من الممكن أن نتصور أن هذه المفاهيم القديمة لا تصلح لتوصيف الحركة العامة وأنه لابد من اختراع مفاهيم جديدة. فهل يجب أن نحاول اتباع طريقنا السالف أم يجب أن نجد طريقاً آخر؟
إن تعميم مفهوم من المفاهيم عملية جد شائعة في العلم. والتعميم لا يفرض علينا عملية معينة بحد ذاتها لأنه يمكن عادة أن يتم بعدة أساليب. لكن هناك شرطاً واحداً لابد من احترامه مهما كان أسلوب التعميم المختار ، وهو : إن كل مفهوم معمم يجب أن يعود إلى المفهوم الأولي عندما تعود وتتحقق الظروف الأولية.
ويمكن أن نشرح هذا الكلام بواسطة المثال الذي نسوقه فيما يلي: يمكن أن تحاول تعميم المفاهيم القديمة، للسرعة ولتغير السرعة والقوة، على حالة حركة تحدث على خط منحن. فنحن، عندما نتكلم عموماً عن المنحنيات، نعد الخطوط المستقيمة من جملتها. فالخط المستقيم هو حالة خاصة من المنحنيات الشائعة. وعلى هذا الأساس فإن مفاهيم السرعة وتغير السرعة والقوة، التي ندخلها في الحركة على خط منحن، تدخل من تلقاء نفسها في الحركة على خط مستقيم. لكن هذه النتيجة يجب ألا تتعارض مع النتائج الأخرى التي حصلنا عليها آنفاً. فإذا أصبح المنحني. خطاً مستقياً فإن كل هذه المفاهيم يجب أن تعود إلى المفاهيم المألوفة التي تخص الحركة المستقيمة. لكن هذا الشرط لا يكفي لتحديد طريقة ذات اتجاه واحد نحو التعميم ؛ بل هو يبقي الباب مفتوحاً نحو عدة إمكانيات . ويبرهن تاريخ العلم على أن التعميمات الأكثر بساطة كانت خصبة أحياناً وعقيمة أحياناً أخرى . وعلينا في بادىء الأمر أن تخمن الطريق ؛ ومن السهل في حالتنا هذه أن نخمن طريقة التعميم الصحيحة. وقد ثبت أن المفاهيم الجديدة كانت خصبة جداً ومفيدة في فهم حركة الحجر المقذوف وحركة الكواكب حول الشمس على حد سواء.
والآن ما هي بالضبط مدلولات كلمات السرعة وتغير السرعة والقوة في الحالة العامة لحركة على خط منحن ؟ لنبدأ بالسرعة . ولنتأمل في جسم صغير جداً يتحرك على منحن من اليسار إلى اليمين . ونسميه بعد الآن جسماً . إن النقطة الواقعة على المنحني في الشكل 1 تعين مكان الجسيم في لحظة زمنية ما . فما هي سرعته في هذه اللحظة وفي هذا المكان ؟ نعود من جديد إلى خط غاليله الموجه لنهتدي به في طريقة إدخال مفهوم السرعة. علينا أن نستخدم مرة أخرى خيالنا وأن نفكر بتجربة مثالية . أمامنا جسيم يتحرك على منحن، من اليسار إلى اليمين، تحت تأثير قوى خارجية. لنتصور أن هذه القوى قد توقفت فجأة عن التأثير في لحظة معينة في النقطة المرسومة على الشكل؛ لابد للحركة بعدئذ من أن تصبح منتظمة ، بموجب قانون العطالة. ونحن، بالتأكيد، لا نستطيع عملياً أن نحرر الجسيم بتاتاً من كل المؤثرات الخارجية . ولكننا نستطيع أن تخمن و ما يمكن أن يحدث إذا ... ، وأن نحكم على صواب تخميننا من خلال النتائج التي يمكن استنباطها منه ومن مدى انسجامها مع التجربة .
الشكل (1)
إن الشعاع في الشكل 2 يشير إلى الجهة المخمنة للحركة المنتظمة عندما تختفي كل القوى الخارجية. إنها جهة ما نسميه عادةً المستقيم المماس للمنحني في النقطة المعتبرة. ولو رصدنا بواسطة مجهر جسماً متحركاً فإن الجزء الصغير الذي نراه من المنحني يبدو لنا قطعة مستقيمة صغيرة؛ والمماس هو امتداد هذه القطعة. فالشعاع المرسوم في الشكل 2 يمثل هنا السرعة في لحظة معينة؛ وشعاع السرعة يقع على المماس؛ وطوله يمثل قياس السرعة الذي تشير إليه مثلاً إبرة السرعة في السيارة.
الشكل (2)
إن تجربتنا المثالية التي تسعى إلى تقليص الحركة في سبيل إيجاد شعاع السرعة لا يجب أن تحمل على محمل الجد أكثر مما ينبغي ، فهي تعيننا فقط على فهم ما يمكن أن نسميه شعاع السرعة وتجعلنا قادرين على تعيينه في لحظة معينة وفي نقطة معينة .
وفي الشكل 3 نرى أشعة السرعة في ثلاثة مواضع مختلفة لجسيم يتحرك على منحن ؛ وفي هذه الحالة ليس منحى السرعة هو المتغير الوحيد بل إن قيمتها ، المتمثلة بطول الشعاع ، تتغير أيضاً أثناء الحركة.
الشكل (3).
ولكن هل يحقق هذا المفهوم الجديد للسرعة الشرط الذي يجب أن يحققه أي تعميم ؟ أي : هل يعود إلى المفهوم المألوف إذا أصبح المنحني مستقياً ؟ نعم وبكل تأكيد . لأن المماس للخط المستقيم منطبق على المستقيم نفسه . فشعاع السرعة يقع على خط الحركة ، كما هي الحال تماماً في السيارة المتحركة أو الكرة المتدحرجة .
الخطوة التالية تقتضي أن نحدث تغيراً في سرعة الجسيم المتحرك على منحن . وهذا يمكن أن يحدث بوسائل عديدة ، نختار منها أبسطها وأكثرها ملاءمة . فنحن نرى ، في الشكل 3، عدة أشعة تمثل سرعة الحركة في نقاط مختلفة من مسار الجسيم . يمكن أن نرسم الشعاعين الأوليين ، 1 و 2 بحيث يشتركان في نقطة الانطلاق ، كما في الشكل 4 ؛ وهذا عمل مباح في عالم الأشعة كما رأينا . والشعاع المنقط ، في الشكل 4 ، نسميه تغير السرعة وهو ينطلق من نهاية شعاع السرعة الأول وينتهي في نهاية شعاع السرعة الثاني . وهذه الطريقة في تعريف تغير السرعة قد تبدو ، لأول وهلة ، مصطنعة وعديمة المعنى . لكنها تصبح واضحة المعنى في الحالة الخاصة التي يكون فيها للشعاعين 1 و 2 منحى واحد ، كما هي الحال في الشكل 5. وهذا يعني بالفعل أننا ننتقل إلى حالة الحركة على خط مستقيم . فإذا كان للشعاعين نقطة انطلاق واحدة فإن الشعاع المنقط يصل ، من جديد ، نهاية الأول إلى نهاية الثاني . وهذا الترسيم يتفق الآن مع الترسيم الذي سبقه ؟ ونحصل على المفهوم الأولي لتغير السرعة كحالة خاصة من هذا المفهوم العام الجديد . ونلفت النظر إلى أننا اضطررنا هنا لأن نفصل، في الشكل 5 ، أحد الخطين عن الآخر بينما هما ، في الواقع الأمر ، منطبقان في الحركة المستقيمة. بقي علينا الآن أن نخطو الخطوة الأخيرة على طريق التعميم . إنها أهم عملية تخمين نقوم بها حتى الآن. إن الصلة بين القوة وتغير السرعة قد تم إيجادها بحيث نحصل على خط موجه يتيح لنا أن ، نفهم المسألة العامة للحركة .
الشكل (4)
الشكل (5)
والخط الموجه اللازم لتفسير الحركة على خط مستقيم كان بسيطاً : قوة خارجية تتسبب في تغير السرعة ، شعاع القوة يتجه باتجاه تغير السرعة. والآن ، ما هو الخط الموجه في تدبير الحركة المنحنية ؟ إنه الخط ذاته بالتمام والكمال . والفرق الوحيد هو أن تغير السرعة له هنا معنى أشمل من ذي قبل ، وإذا ألقينا نظرة على الأشعة المنقطة في الشكلين السابقين يصبح الطريق واضحاً تماماً . إذا كانت السرعة معلومة في كل نقطة من المنحني فإن اتجاه القوة في نقطة منه يمكن أن نستنتجه دون عناء. إذ يجب علينا أن نرسم شعاعي السرعة في لحظتين مفصولتين بفترة زمنية قصيرة جداً ، مما يجعل هذين الشعاعين ينتميان إلى نقطتين متجاورتين جداً من المسار . وعندئذ يكون اتجاه القوة المؤثرة هو الاتجاه الذي يصل نهاية الشعاع الأول إلى نهاية الشعاع الثاني . ولكن يجب أن نؤكد على ضرورة أن يكون شعاعا السرعة مفصولين بفترة زمنية قصيرة جداً. هذا وإن التحليل العميق للصفتين ،( متجاورتين جداً ) و ( قصيرة جدا) ، ، ليس بالأمر اليسير . والواقع أن مثل هذا التحليل هو الذي حدا بنيوتن ولا ينبتيز Leibntiz لاختراع الحساب التفاضلي.
إن الطريق الذي يوصلنا إلى تعميم خط غاليله الموجه هو طريق وعر ولكنه مخطط بعناية . ولا يمكننا أن نشرح هنا كيف تتجلى وفرة وخصوبة نتائج هذا التعميم . إن تطبيقه يقود إلى تفسيرات بسيطة ومقنعة لكثير من الوقائع التي كانت بدونه مفككة ومستعصية على الفهم .
إن العالم الذي نعيش فيه غني جداً بأنواع الحركات التي نصادفها فيه . لكننا سنختار أكثرها بساطة وسنطبق ، بهدف تفسيرها ، القوانين التي انتهينا من صياغتها .
إن القذيفة الخارجة من المدفع والحجر المقذوف بشكل مائل والماء النافر من أنبوب الرش ، ترسم كلها مسارات مألوفة من نوع واحد ، أي قطعاً مكافعاً) . لنفترض أننا ربطنا بالحجر مقياس سرعة يتيح لنا أن نرسم ، في أية لحظة ، شعاع سرعة الحجر ؛ وأننا حصلنا بواسطته على المخطط المرسوم في الشكل 6. إن اتجاه القوة المتسلطة على الحجر هو ، بالضبط ، اتجاه تغير السرعة عند كل نقطة. المسار ؛ وقد رأينا كيف يمكن أن نعين هذا التغير . والنتيجة ، كما تظهر في الشكل من 7 ، تدل على أن القوة شاقولية ومتجهة نحو الأسفل ( اتجاه الشعاع المنقط ) وهذا ما يحدث أيضاً لو تركنا الحجر يسقط حراً من قمة برج : المساران مختلفان والسرعتان مختلفتان ، نعم ، لكن تغير السرعة يحدث في الاتجاه الشاقولي ذاته في كلتا الحالتين، أي باتجاه مركز الكرة الأرضية .
إن الحجر المربوط في طرف حبل والذي نجعله يدور في مستو أفقي يرسم مساراً دائرياً؛ وكل الأشعة المرسومة في مخطط الشكل 8 ، والتي تمثل سرعة هذه الحركة، هي ذات طول واحد إذا كانت سرعة دوران الحجر ثابتة ، ولكننا ، مع ذلك ، لا يمكن أن نقول إن السرعة منتظمة؛ ذلك لأن المسار ليس خطاً مستقياً. والحركة المنتظمة هي الحركة الوحيدة التي لا تتضمن أية قوة . أما في الحركة الدائرية فيوجد قوة والسرعة تتغير ، لا في قيمتها بل في منحاها . ولكن ، وبموجب قانون
الشكل (6)
الشكل (7)
الحركة ، لابد من وجود شيء يتسبب في هذا التغير . والقوة ، في حالتنا هذه ، تؤثر بين الحجر واليد التي تمسك بالحبل . وهنا ينطرح فوراً السؤال التالي : في أي اتجاه تعمل هذه القوة ؟ ومرة أخرى نجد الجواب من خلال التخطيط الشعاعي . فنرسم شعاعي السرعة من أجل نقطتين متجاورتين جداً من دائرة المسار ( شكل 8 ) ثم نرسم شعاع تغير السرعة . إن هذا الشعاع الأخير يتجه ، كما نرى، على طول الحبل نحو مركز الدائرة ( الشعاع المنقط في الشكل 9 ) وهو عمودي دوماً على شعاع السرعة ، أي على المماس ؛ وبتعبير آخر نقول : إن اليد تسلط على الحجر قوة تنتقل إليه عن طريق الحبل.
إن هذه الحركة تشبه حركة دوران القمر حول الأرض ، التي يمكن أن نمثلها بحركة دورانية منتظمة تقريباً. إن القوة فيها تتجه نحو الأرض للسبب نفسه الذي يجعل القوة المطبقة على الحجر ، في المثال السابق ، تتجه نحو اليد. لكن لا يوجد هنا حبل يربط ما بين الأرض والقمر . بيد أن هذا لا يمنعنا من أن نتصور خطاً مستقياً يصل بين مركزيهما ؛ والقوة تعمل على طول هذا الخط وتتجه نحو الأرض ، تماماً كالقوة التي تتسلط على حجر نقذفه في الهواء أو نتركه يسقط حراً من أعلى البرج.
يمكن أن أوجز كل ما قلناه بخصوص الحركة بالنص التالي : إن القوة وتغير السرعة شعاعان لهما اتجاه واحد . هذا هو الخط الموجه الأول في مسألة الحركة ؛ لكنه ليس ، ، بالتأكيد ، كافياً
الشكل (8)
الشكل (9)
لإعطاء تفسير كامل لكل الحركات التي يمكن أن نصادفها. إن الانتقال من طريقة أرسطو في التفكير إلى طريقة غاليله هو حجر الزاوية الأعظم أهمية في أساس العلم. ومنذ أن حدثت هذه القفزة أصبح طريق التطور اللاحق للعلم واضحاً. ونحن نهتم هنا بالأطوار المبكرة لهذا التطور وذلك باتباع الدروب الأولى وبعرض الكيفية التي نشأت فيها مفاهيم الفيزياء الجديدة أثناء الكفاح القاسي ضد المعتقدات العتيقة. وسنركز انتباهنا فقط على أعمال رواد العلم الذين أوجدوا دروب تطور جديدة وغير منتظرة وعلى مغامرات الفكر العلمي الذي يرسم للعالم صورة تتغير باستمرار. وللخطوات الحاسمة، دوماً، صفة ثورية. والتطور العلمي يُري المفاهيم القديمة ضيقة الأفق ويستبدل بها مفاهيم جديدة. هذا وإن التقدم المستمر في الدرب المرسوم يحتفظ بصفة التطورية حتى يصل إلى منعطف يرى بعده حقلاً جديداً يجب استكشافه . ونحن لكي نفهم مع ذلك الأسباب والمصاعب التي تدفعنا لأن ندخل تغييراً في مفاهيم هامة ، يجب علينا أن لانكتفي بمعرفة الأدلة البدئية بل أن نعرف أيضاً النتائج التي يمكن أن تترتب على هذا التغيير .
إن ما يدهش أكثر من سواه من خصائص الفيزياء الحديثة هو أن نتائجها المستخلصة من الأدلة الأولى ليست كيفية فحسب بل وكمية أيضاً . لنعد من جديد إلى حالة الحجر الذي نتركه يسقط من قمة البرج : فلقد رأينا أن سرعته تتزايد أثناء سقوطه ؛ لكننا نود أن نعرف أشياء أخرى . ما هو مقدار هذا التغير في السرعة ؟ أين يوجد الحجر بعد فترة ما من بدء سقوطه وكم هي سرعته أنقذ ؟ أي أننا نود لو نستطيع أن تتنبأ بالحوادث وأن تتمكن ، بالتجربة ، من التحقق من صحة هذه التنبؤات ، وبالتالي من افتراضاتنا الأولية .
إننا لكي نحصل على نتائج كمية نجد أنفسنا مضطرين إلى استخدام لغة الرياضيات ، وإن غالبية أفكار العالم الأساسية هي في جوهرها بسيطة ويمكن أن نعبر عنها عموماً بلغة يفهمها كل الناس . لكن اقتفاء هذه الأفكار عن كتب يستلزم أن نملك تقنية دقيقة في التحريات . والرياضيات وسيلة ضرورية من وسائل المحاكمة عندما نريد أن نتوصل إلى نتائج يمكن أن نضعها على محك التجربة . ونحن ، طالما ينحصر اهتمامنا في الأفكار الأساسية للفيزياء ، يمكننا أن نستغني عن لغة الرياضيات . وبما أننا ، في هذا الكتاب ، نلتزم بهذا الخط التزام الحريص فسنضطر ، عندما تدعو الحاجة ، إلى أن نذكر ، دون برهان ، بعض النتائج الضرورية، كي نفهم النظريات الهامة التي ستصادفنا على الطريق. وإن الثمن الذي لابد أن ندفعه لهجر لغة الرياضيات هو فقدان الدقة والاضطرار إلى أن نذكر أحياناً نتائج لم نبرهن على كيفية الحصول عليها .
يوجد نموذج للحركة هام جداً ، هو حركة الأرض حول الشمس . ونحن نعلم أن مسار الأرض منحن مغلق معروف يسمى اهليلجاً أو قطعاً ناقصاً ، وإن رسم ! المخطط الشعاعي لتغير السرعة يدل على أن القوة المتسلطة على الأرض تتجه نحو الشمس . لكن كل هذا ليس ، فيما يهمنا ، سوی معلومات هزيلة . فنحن نود أن نكون قادرين على التنبؤ بمكان الأرض والكواكب الأخرى في أي وقت نريد ، على أن نتنبأ بموعد الكسوف القادم ومدته ، وبأحداث فلكية أخرى عديدة . إن كل ذلك ممكن ، ولكن ليس بالاعتماد على خطنا الموجه الأول ، لأن من الضروري في سبيل ذلك أن نعرف ، بالإضافة إلى جهة القوة ، مقدارها ، أي شدتها ، ولقد كان نيوتن أول من أصدر تخميناً ناجحاً في هذا الصدد، فبموجب قانون التثاقل الذي تكهن به قال بأن قوة التجاذب بين جسمين ترتبط ، بعلاقة بسيطة ، بالمسافة بينهما ؛ وهي تصغر عندما تزداد هذه المسافة ، وبعبارة أدق ، تصبح القوة أصغر بـ 2×2=4 مرات عندما تصبح المسافة أكبر بمرتين ، وتصبح أصغر بـ 3×3=9 مرات عندما تصبح المسافة أكبر بـ 3 مرات .
شكل 10
وهكذا نرى ، في حالة قوة التثاقل ، أننا نجحنا في أن نعبر بأسلوب بسيط عن علاقة القوة بالمسافة التي تفصل بين جسمين متحركين . ونحن نتصرف بأسلوب يشبه هذا الأسلوب في الحالات الأخرى التي تتجلى فيها قوى من أصل آخر ، كهربائية أو مغنطيسية مثلاً أو ما أشبه ذلك ؛ أي أننا نجهد في استخدام صيغة بسيطة للقوة ، والمسوغ الوحيد لهذه الصيغة هو أن تتطابق النتائج التي نستخلصها منها مع النتائج التجريبية .
لكن معرفة قوة التثاقل وحدها لاتكفي لفهم حركة الكواكب . ولقد رأينا أن الشعاعين اللذين يمثلان القوة وتغير السرعة خلال فترة زمنية قصيرة لهما اتجاه واحد ؛ لكن علينا أن نسير مع نیوتن خطوة أخرى وأن نفترض علاقة بسيطة بين طوليهما . إن هذه العلاقة تتلخص بما يلي : إن تغير السرعة يتناسب مع القوة عندما تتساوى الظروف الأخرى ، أي عندما يكتسب الجسم المتحرك الواحد تغيرات في السرعة متساوية في فترات زمنية متساوية .
فنحن نحتاج إذن إلى تخمينين كاملين كي نستخلص نتائج كمية عن حركة الكواكب . أحدهما عام ويتناول العلاقة بين القوة وتغير السرعة ، والآخر خاص ويعطي علاقة دقيقة بين قوة من نوع معين والمسافة بين جسمين. أولهما قانون نيوتن العام في الحركة ، والآخر قانونه في التثاقل : وهما يتعاونان معاً في تعيين الحركة . وهذا ما يمكن أن يتضح من خلال محاكمة أخرى تبدو مبسطة بعض الشيء : لنفترض أن بالإمكان أن نعين ، في وقت معين ، مكان الكوكب وسرعته وأن القوة معروفه ؛ نستطيع عندئذ ، بموجب قانون نيوتن ، أن نعرف تغير السرعة . نستطيع أن نعين سرعة الكوكب ومكانه في نهاية الفترة الزمنية المعتبرة. وبتكرار هذه العملية على فترات زمنية قصيرة متوالية نستطيع أن نرسم كل مسار الكوكب المتحرك دون اللجوء إلى عمليات رصد متوالية . إنها الطريقة المبدئية التي بواسطتها يتنبأ علم الميكانيك بمسار الجسم المتحرك ، ولكنها ليست طريقة عملية.
إن هذه الطريقة في السير ، خطوة خطوة ، هي عملياً طريقة متعبة جداً وقليلة الدقة ؛ وبإمكاننا ، لحسن الحظ ، أن نستغني عنها . وبهذا الصدد يقدم لنا علم الرياضيات طريقاً أقصر ويتيح لنا توصيف الحركة بكمية من الحبر أقل مما يلزم لكتابة جملة واحدة . والتجربة هي المحك النهائي للنتائج التي نتوصل إليها .
إن هذا النوع من القوة الخارجية ، أي قوة التثاقل ، هي التي تتدخل في سقوط الحجر وفي حركة القمر على مداره ؛ إنها قوة الجذب التي تسلطها الأرض على الأجسام المادية . وقد شعر نيوتن بأن حركات الأحجار الساقطة وحركات القمر والكواكب ليست سوى مظاهر خاصة لقوة واحدة، هي قوة التثاقل الكونية التي تؤثر فيما بين جسمين ماديين أياً كانا . ويمكن توصيف الحركة والتنبؤ بمستقبلها ، في الحالات البسيطة ، بواسطة الرياضيات . أما في الحالات المعقدة التي تتضمن عدة أجسام متفاعلة فيما بينها فيكون التوصيف الرياضي لحركاتها أكثر صعوبة ؛ لكن المبادئ الأساسية هي في كل الأحوال .
فالنتائج التي توصلنا إليها ، أثناء اتباع الخطوط الموجهة الأولى ، تبقى محققة في حركة الحجر المقذوف وفي حركات القمر والأرض والكواكب .
ومن الضروري أن توضع مجموعة تخميناتنا برمتها على محك التجربة ، فتؤيدها أو تنقضها . لكن أياً من هذه الافتراضات لا يمكن أن يُفصل لوحده كي يُدرس بمعزل عن الباقين . وفي حركة الكواكب حول الشمس اتضح أن منظومة قوانين الميكانيك فعالة بشكل مدهش . على أننا يمكن ، مع ذلك ، أن نتصور منظومة أخرى من القوانين ، مستندة إلى افتراضات مختلفة ، تكون على درجة من الفعالية لاتقل عن تلك .
والمفاهيم الفيزيائية مخلوقات اختيارية ينجبها الفكر البشري ؛ أي أنها ليست أشياء يفرضها حصراً علينا العالم الخارجي . وحالنا في المجهود الذي نبذله كحال من يحاول أن يفهم آلية عمل ميقاتية مغلقة ؛ فهو يرى لوحة أرقامها ويشاهد حركة عقاربها ويسمع صوت نبضها ؛ بيد أنه لا يملك وسائل فتح غلافها . لكن الرجل الذكي يستطيع أن يتصور لهذه الآلية تركيباً يجعله السبب في كل ما يرى، لكنه لن يكون أبداً على يقين من أن هذا التصور هو التصور الوحيد القادر على تفسير مشاهداته ؛ ولن يكون أبداً في وضع يتيح له أن يقارن تصوره بالآلية الفعلية ؛ كما أنه لا يستطيع حتى أن يتخيل إمكانية هذه المقارنة أو مغزاها. غير أن الباحث يوقن بأن تكاثر المعلومات التي تتجمع لديه على طريق البحث تساعد ، شيئاً فشيئاً ، على إيضاح الصورة وعلى تفسير ظواهر تنتمي إلى مجالات أوسع فأوسع من انطباعاته الحسية . كما أنه قد يتيقن من وجود حدود للفكر البشري لا يمكن أن يتخطاها . ويمكنه أن يطلق على ما يقع خارج هذه الحدود اسم الحقيقة الموضوعية .
الاكثر قراءة في الميكانيك
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)